كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حماس: من النشأة الوظيفية إلى استكمال مشروع إفشال التسوية ...

حماس: من النشأة الوظيفية إلى استكمال مشروع إفشال التسوية ...

تاريخ النشر: 2026-01-26 | 11:09

في التحليل السياسي والقانوني الرصين، لا تُقاس الحركات بما ترفعه من شعارات أو بما تعلنه من نوايا، بل بما تُنتجه من وقائع، وبما تُرتّبه من آثار ملموسة على الأرض وفي ميزان القانون الدولي.
فالنتائج، لا الخطاب التعبوي، هي المعيار الموضوعي للمساءلة التاريخية.
وانطلاقًا من هذا المبدأ، فإن مقاربة تجربة حركة حماس تستوجب قراءة متصلة لمسارها منذ النشأة، مرورًا بدورها في تعطيل مسار التسوية السياسية منذ التسعينات القرن الماضي، وصولًا إلى الانقسام الفلسطيني، ثم الحرب الشاملة، وانتهاءً بتحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى ملف إنساني يُدار بالوصاية.
نشأت حركة حماس في بيئة لم تكن محايدة سياسيًا. ففي سبعينيات القرن الماضي، وبينما كان الاحتلال الإسرائيلي يفرض قيودًا صارمة على أي نشاط وطني مرتبط بمنظمة التحرير الفلسطينية، شملت الحظر والاعتقال وتجريم العمل النقابي والطلابي، سُمِح في المقابل بتأسيس “المجمع الإسلامي” بقيادة الشيخ أحمد ياسين، ثم جرى ترخيص الجامعة الإسلامية في غزة عام 1978.
هذا التباين لا يمكن تفسيره بوصفه صدفة إدارية أو تساهلًا عابرًا، بل يعكس سياسة إسرائيلية مدروسة هدفت إلى تشجيع بنى اجتماعية–دينية بديلة للمشروع الوطني الجامع، بوصفها منافسًا داخليًا لمنظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
ومن منظور القانون الدولي، فإن تدخل سلطة الاحتلال في البنية السياسية والاجتماعية للشعب الواقع تحت الاحتلال بقصد إضعاف وحدته التمثيلية، يُعد انتهاكًا صريحًا لحق تقرير المصير.
وهنا لا يتعلق الأمر بالادعاء أن إسرائيل “أنشأت” حركة حماس، بل بحقيقة موثقة مفادها أنها سمحت ببناء البيئة التي خرجت منها، ووظّفت صعودها موضوعيًا في إطار استراتيجية تفكيك الداخل الفلسطيني.
وقد لعبت الجامعة الإسلامية في غزة دورًا محوريًا في هذا السياق، إذ تحولت تدريجيًا من مؤسسة تعليمية إلى حاضنة فكرية وتنظيمية للحركة، في وقت جرى فيه التضييق الممنهج على المؤسسات ذات المرجعية الوطنية.
ويقع هذا المسار ضمن ما تصفه العلوم السياسية بالتوظيف غير المباشر لقوى محلية، بهدف إضعاف الخصم الرئيسي دون تحمّل كلفة المواجهة المباشرة.
مع انطلاق مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، دخل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي مرحلة جديدة، قوامها الانتقال من إدارة الاحتلال المباشر إلى مسار تسوية سياسية مرحلية.
غير أن هذا المسار واجه منذ بداياته مقاومة شرسة من اليمين الصهيوني، الذي رأى في أي تسوية تهديدًا جوهريًا لمشروعه الاستعماري، كما واجه في الوقت ذاته رفضًا من قوى فلسطينية اعتبرت المسار السياسي تنازلًا مبدئيًا، وفي مقدمتها حركة حماس.
خلال عقد التسعينات، نفذت حماس سلسلة من العمليات العسكرية داخل الخط الأخضر، استُخدمت إسرائيليًا بصورة ممنهجة لتحقيق غايتين متلازمتين: الأولى، تعليق الانسحابات المرحلية بذريعة “غياب الشريك الفلسطيني القادر على ضبط الوضع الأمني”، والثانية، تقويض مصداقية السلطة الفلسطينية وإظهارها عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها، رغم التزامها الصريح بالاتفاقات الموقعة باسم الشعب الفلسطيني.
الأثر الأخطر لهذا المسار لم يكن أمنيًا فحسب، بل سياسيًا بامتياز، فقد أسهمت هذه العمليات في إضعاف قوى السلام داخل إسرائيل، ومحاصرة اليسار الصهيوني، وتعزيز خطاب اليمين القائم على منطق “إدارة الصراع” بدل حله.
وهكذا، تلاقت نتائج الفعل العسكري لحماس، موضوعيًا لا من حيث النوايا المعلنة، مع الأجندة الاستراتيجية لليمين الصهيوني الساعي إلى إفشال أي مسار يؤدي إلى دولة فلسطينية مستقلة.
بلغ هذا المسار ذروته مع الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006، حين فازت حماس وشكّلت حكومة دون التزام واضح بالمرجعيات السياسية والقانونية التي قامت عليها السلطة الفلسطينية، وفي مقدمتها الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا ووحيدًا، والالتزامات الدولية الموقعة باسم الشعب الفلسطيني.
وقد أدى ذلك إلى فرض حصار مالي وسياسي خانق، أدخل السلطة الفلسطينية في أزمة عميقة، ثم تُوّج بالانقلاب المسلح عام 2007 والسيطرة القسرية على قطاع غزة، بما مثّل خروجًا صريحًا على الشرعية الوطنية، وتكريسًا لانقسام جغرافي وسياسي لا يزال الاحتلال يوظفه حتى اليوم.
منذ ذلك التاريخ، تحوّل قطاع غزة إلى مساحة محاصرة، خاضعة لجولات متكررة من العنف، كان المدنيون فيها هم الخاسر الأكبر.
ومع عملية السابع من أكتوبر 2023، دخل الصراع مرحلة غير مسبوقة من التهجير والتشريد والتدمير الشامل والقتل والتجويع، في حرب أعادت إنتاج المأساة الفلسطينية بأقصى وأبشع صورها.
غير أن النتيجة الأخطر لم تكن حجم القتل والدمار فحسب، بل التحول البنيوي في توصيف القضية الفلسطينية نفسها.
فقد أفضت الحرب إلى إطلاق مبادرات دولية أعادت تعريف القضية عمليًا بوصفها أزمة إنسانية، لا قضية تحرر وطني، تُدار عبر الإغاثة وإعادة الإعمار تحت وصاية دولية مباشرة، تُوّجت بمبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المستندة إلى القرار 2803، وما تلاها من إنشاء ما سُمّي “مجلس السلم الدولي”. وبهذا، جرى تهميش منظمة التحرير الفلسطينية، وتحويل الصراع من مسألة حقوق سياسية غير قابلة للتصرف إلى ملف إنساني مشروط، وتكريس الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، بما يخدم جوهر المشروع اليميني الصهيوني.
خاتمة القول:
إن أخطر ما تكشفه القراءة المتأنية لمسار حركة حماس ليس فقط خروجها المتدرج على الشرعية الوطنية الفلسطينية، بل التناقض البنيوي العميق بين خطابها المعلن ومآلات سلوكها السياسي والعسكري. فهذا المسار، بحكم الوقائع والنتائج لا النيات، انتهى إلى التلاقي الموضوعي مع الغايات الاستراتيجية لليمين الصهيوني، الذي عمل منذ مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 على إفشال أي أفق تسوية سياسية، والإبقاء على الصراع في حالة إدارة دائمة لا حلٍّ عادل.
لقد سعى اليمين الصهيوني، تاريخيًا، إلى تقويض فكرة “الشريك الفلسطيني”، وضرب وحدة التمثيل، وتحويل الصراع من مسألة حقوق وطنية إلى مسألة أمنية وإنسانية.
والمفارقة الكارثية أن سياسات وسلوك حماس، عبر تعطيل المسار السياسي، وإضعاف السلطة الفلسطينية، والانقلاب على الشرعية، ثم الزج بقطاع غزة في مواجهات غير متكافئة، قد أسهمت عمليًا في تحقيق هذه الأهداف، وأمدّت المشروع اليميني بأقوى مبرراته السياسية والأمنية والأخلاقية أمام المجتمع الدولي.
إن النتيجة التي لا يمكن القفز عنها هي أن الشعب الفلسطيني كان، ولا يزال، الضحية المباشرة لهذا التلاقي الكارثي. فقد دفع ثمنًا باهظًا من دمه، ووحدته، واستقراره، ومكانة قضيته القانونية. وتحولت قضيته، بفعل هذا المسار المركّب، من قضية تحرر وطني ذات مرجعية قانونية دولية واضحة، إلى ملف إنساني يُدار بمنطق الإغاثة وإعادة الإعمار، وتحت وصاية دولية تُفرغ الحقوق السياسية من مضمونها.
وفي ميزان القانون الدولي، لا تُقاس الأفعال بشعاراتها، بل بآثارها.
وكل مسار سياسي أو عسكري ينتهي إلى تقويض وحدة التمثيل الوطني، وإضعاف حق تقرير المصير، وتمكين قوة الاحتلال من التهرب من التزاماتها، يُعد مسارًا ضارًا بالمصلحة الوطنية العليا، مهما ادّعى من نوايا أو احتكر من خطاب المقاومة.
لقد كان هدف اليمين الصهيوني منذ مدريد 1991 واضحًا: منع الوصول إلى أي حل يحقق الحد الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني في إنهاء الاحتلال، وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، والإبقاء على الصراع في حالة إدارة دائمة.
والمفارقة المؤلمة أن مسار حركة حماس، بوعي أو دون وعي، انتهى إلى خدمة هذا الهدف ذاته.
إن المساءلة السياسية والقانونية لهذا المسار ليست فعل خصومة، ولا تصفية حسابات، بل واجب وطني وتاريخي، إن كان ثمة أمل في وقف الانحدار، وكسر منطق إدارة الصراع، واستعادة المشروع الوطني الفلسطيني بوصفه مشروع تحرر، لا مجرد عنوان للإغاثة والوصاية.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط