كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حملة التحريض ضد غولان تكشف تناقضات معسكر التغيير الإسرائيلي

حملة التحريض ضد غولان تكشف تناقضات معسكر التغيير الإسرائيلي

تاريخ النشر: 2026-08-27 | 13:45

مصطفى إبراهيم
مصطفى إبراهيم


في ظل الاستعداد للانتخابات الإسرائيلية، تبدو الصورة أكثر وضوحاً قبل الدخول في مرحلة الدعاية الانتخابية المكثفة، بما ستشهده من تحالفات وتقاطعات وتناقضات وحملات تحريض، ومحاولات من كل طرف لإبراز مواقفه وتقديم نفسه باعتباره البديل الأفضل. وتكتسب هذه الانتخابات أهمية خاصة لأنها قد تكشف حجم الشرخ داخل المعسكر الإسرائيلي، ليس فقط بين نتنياهو ومعسكره من جهة وما يسمى معسكر التغيير من جهة أخرى، وإنما داخل كل معسكر أيضاً، وفي طبيعة التحالفات التي يمكن أن تتشكل بعد الانتخابات.

ويقدم معسكر التغيير نفسه باعتباره المعسكر الذي يسعى إلى إنهاء حكم نتنياهو واستعادة الديمقراطية وإعادة بناء مؤسسات الدولة، لكنه لا يبدو متجانساً سياسياً أو أيديولوجياً. فالخلافات حول الشخصيات والأحزاب التي يمكن أن تشكل الحكومة المقبلة تكشف منذ الآن حدود هذا التماسك، وتطرح سؤالاً أكبر من مجرد من سيحل محل نتنياهو: أي إسرائيل يريد هذا المعسكر أن يبني بعده؟

وفي خضم حملة التحريض التي يقودها نتنياهو واليمين ضد يائير غولان وحزب الديمقراطيين، تظهر هذه التناقضات بصورة أكثر وضوحاً. فالحملة لا تستهدف غولان باعتباره خصماً سياسياً لنتنياهو فحسب، وإنما تحاول وضعه وحزبه خارج دائرة الشرعية السياسية، عبر تقديمهما باعتبارهما ممثلين لـ "اليسار المتطرف" وغير المقبولين كشركاء في الحكومة المقبلة.

لكن غولان لا يفصل في مواقفه السياسية بين خلفيته العسكرية والأمنية وبين رؤيته للحل السياسي. فهو يحاول الجمع بين القوة العسكرية والأمنية والحاجة إلى حل سياسي للصراع، وهي مقاربة تنتمي إلى تقليد اليسار الصهيوني، وخصوصاً التيار الذي مثله تاريخياً حزب العمل: الاعتراف بأهمية الأمن وقوة الجيش، مع الاعتقاد بأن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع إنتاج حل دائم للصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني.

ومن هنا تبدو الحملة التي يشنها نتنياهو واليمين على غولان سياسية أكثر منها أمنية. فالمشكلة بالنسبة إليهم ليست فقط في مواقفه السياسية، وإنما في احتمال أن يصبح شخص ذو خلفية أمنية موثوقة ومرشح من اليسار الصهيوني جزءاً أساسياً من حكومة يقودها معسكر أيزنكوت. ولذلك يجري التركيز على تصريحاته القديمة وانتزاعها من سياقاتها، وتقديمها باعتبارها دليلاً على التطرف وكراهية الجيش وعدم الصهيونية.

لكن ما تكشفه هذه الحملة يتجاوز نتنياهو واليمين، ويظهر حجم التناقض داخل معسكر التغيير نفسه. فغولان وحزب الديمقراطيين ينتميان بوضوح إلى اليسار الصهيوني، وهو ما يجعلهما مختلفين سياسياً وفكرياً عن عدد من مكونات المعسكر الذي يفترض أن يشكل معه الحكومة المقبلة.

وهنا تكمن المفارقة: معسكر يريد إسقاط نتنياهو، لكنه لا يزال يحمل داخله تحفظات تجاه اليسار الصهيوني نفسه. فبينما يرى غولان وحزب الديمقراطيين أن تغيير إسرائيل لا يقتصر على استبدال نتنياهو، وإنما يشمل إصلاح النظام الديمقراطي وتغيير أولويات الدولة، تحاول أحزاب وشخصيات أخرى في المعسكر إبقاء مسافة بينها وبين الديمقراطيين، خشية خسارة جزء من جمهور الوسط واليمين.

وهذا ما يفسر التناقض في المواقف من غولان. فأيزنكوت نفسه لم يسارع إلى تأييد تعيينه وزيراً للأمن، وقال إن هناك أشخاصاً أكثر خبرة منه لهذا المنصب. أما نفتالي بينيت، فقد أعلن أنه مستعد للجلوس مع غولان، لكنه قلل في مناسبات أخرى من احتمال منحه حقيبة الأمن، مشيراً إلى حقائب أخرى مثل المواصلات أو الطاقة.

وعندما سُئل حيلي تروبر، الذي يخوض الانتخابات إلى جانب يوعاز هندل في حزب البيت الصهيوني، عما إذا كان حزب الديمقراطيين صهيونياً في نظره، أجاب بالإيجاب. وفي لقاء منزلي في مستوطنة أفرات الشهر الماضي، قال إن لديه "ألف خلاف مع يائير غولان"، لكنه أشار إلى أنه في السابع من أكتوبر "نزل إلى الميدان"، مؤكداً أن قيادة الديمقراطيين صهيونية.

أما أفيغدور ليبرمان، فقد اتخذ موقفاً أكثر حدة من غولان، وقال في مقابلة مع قناة الكنيست إن غولان "يلعب لمصلحة نتنياهو" لأنه لا ينسجم مع رسائل الأحزاب الأخرى.

لكن ليبرمان عاد لاحقاً إلى تقديم غولان بصورة مختلفة تماماً، قد تكون أقرب إلى الصورة التي يمكن أن يتقبلها جمهور اليمين. وقال إنه يعرفه جيداً، وإن غولان كان نائب رئيس هيئة الأركان وقائد المنطقة العسكرية في الضفة الغربية، وإنه "كان دائماً يتفوق عليّ من اليمين"، مضيفاً أن غولان كان يدعو إلى الهجوم والقصف والمحو. ومع ذلك، أعلن ليبرمان في مقابلات أخرى أن غولان لن يحصل على حقيبة الأمن إذا كان الأمر متوقفاً عليه.

أما يائير لابيد، الذي سبق له أن انتقد غولان في الماضي، فقد أوضح أنه يعتبره شريكاً طبيعياً له ولبينيت، ورفض أن يسمح لنتنياهو بتحديد من هو الشريك الشرعي داخل معسكر المعارضة. وقال: "هم لن يقولوا لي ماذا أفعل… نتنياهو يعتقد أنه سيدير معسكرنا، وسيقول لنا ما يجوز لنا وما لا يجوز لنا بشأن شخص مثل يائير غولان، نائب رئيس هيئة الأركان في دولة إسرائيل. لا أسألهم. هم ليسوا رؤسائي".

وهكذا، لم يعد غولان مجرد شخصية خلافية في الانتخابات الإسرائيلية، بل أصبح اختباراً حقيقياً لحدود معسكر التغيير نفسه: هل هو معسكر هدفه الوحيد إسقاط نتنياهو، أم أنه قادر على الاتفاق على تصور سياسي واجتماعي مختلف عن سياسات اليمين؟

والأهم أن قضية غولان تكشف تناقضاً أوسع يتعلق بالموقف من الفلسطينيين ومستقبل الصراع. فحتى داخل المعسكر الذي يقدم نفسه بديلاً عن نتنياهو، هناك اختلافات حول الدولة الفلسطينية والاستيطان والضفة الغربية والعرب داخل إسرائيل وحدود استخدام القوة العسكرية، وحول إمكانية الجمع بين التفوق الأمني الإسرائيلي والحل السياسي للصراع.

ومن هذه الزاوية، فإن وصف غولان بأنه "يساري متطرف" لا يعكس فقط حملة اليمين ضده، وإنما يكشف أيضاً عن حساسية داخل معسكر التغيير نفسه تجاه اليسار الصهيوني ومواقفه السياسية. فغولان يأتي من قلب المؤسسة العسكرية والأمنية، لكنه يختلف مع اليمين في الاستنتاج السياسي الذي ينبغي أن يُبنى على القوة العسكرية، ويرى أن الأمن لا يلغي الحاجة إلى حل سياسي.

لذلك فإن الانتخابات المقبلة لا تبدو مجرد مواجهة بين نتنياهو وخصومه، وإنما اختباراً لطبيعة البديل الذي يمكن أن ينتج عنها. فقد ينجح معسكر التغيير في الاقتراب من أغلبية برلمانية، لكنه سيظل أمام خلافات سياسية وأيديولوجية عميقة بين مكوناته، ليس فقط حول شخصية رئيس الحكومة، وإنما حول الفلسطينيين والحرب والجيش والاستيطان والديمقراطية ومستقبل الصراع.

ومن هنا تصبح قضية غولان أكثر من مجرد جزء من حملة التحريض الانتخابية؛ فهي مرآة للتناقضات داخل معسكر التغيير نفسه. فقد يتفق خصوم نتنياهو على ضرورة إسقاطه، لكنهم لم يحسموا بعد السؤال الأهم: أي إسرائيل يريدون بناءها بعده؟

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط