كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حنظلة على شواطئ الغرب:  عندما يرسم الألم جسورا..فوق المحيط..!

حنظلة على شواطئ الغرب:   عندما يرسم الألم جسورا..فوق المحيط..!

تاريخ النشر: 2026-07-02 | 11:32

محمد المحسن
محمد المحسن

على الساحل الغربي لأيرلندا،حيث تصفع الرياح المحيط الأطلسي وجوه الصخور العتيقة،وقفت جزيرة "إينيس أوير" شاهدة على مشهد استثنائي. ليس لأن الأمواج هناك تغني بلغة مختلفة،ولا لأن الغيوم تتشكل بأشكال لم ترها فلسطين،بل لأن طفلا فلسطينيا صغيرا،بظهره المُدار ويديه المعقودتين خلفه،قرر أن ينزل من جدران الصحف العربية ليقف هناك،على أرض أيرلندية،حاملا معه هموم وطن لا يعرف الاستقرار،وأطفالا لا يعرفون كيف يكون الكبر دون أن يعودوا إلى بيوتهم.

تمثال حنظلة،الذي أنجزته الفنانة الأيرلندية بيلولوكا،لم يكن مجرد قطعة برونزية أو حجرية تُزين ساحة عامة.كان،في جوهره،اعترافا بأن القضية الفلسطينية تجاوزت حدود الجغرافيا،وأن رمزازكحنظلة لم يعد ملكا للعرب وحدهم،بل صار جزءا من وجدان الإنسانية جمعاء. 

حين صُنعت قاعدته من ألواح خشبية قديمة وصخور الجزيرة نفسها،كان هناك رسالة خفية: أن هذا الطفل الغريب،الذي يرفض أن يكبر حتى يعود إلى وطنه،إنما يُبنى اليوم من مكونات الأرض الأيرلندية،وكأن الجزيرة تقول لفلسطين: "أرضنا تحملك،وصخورنا تحتضن حلمك".!

منذ عام 1969،حين ولد حنظلة على يد ناجي العلي،كان الطفل الصغير يحمل في صمته ثورة كاملة.لم يكن مجرد رسمة،بل كان سؤالا وجوديا: كيف لطفل أن يكبر دون وطن؟! وكيف لشعب أن يشيخ دون أن يعود؟!

 قال ناجي العلي: "حنظلة لن يكبر إلا عندما يستعيد الفلسطيني وطنه".وهكذا،ظل هذا الطفل معلقا بين الطفولة والكهولة،بين الحلم والواقع، بين الظهر المُدار الذي يرفض النظر إلى القبح، واليدين المعقودتين اللتين تحملان كل شيء ولا تحملان شيئا..!

لكن حنظلة لم يبقَ في زوايا الصحف.لقد تسلل إلى القلوب،وتسلق الجدران في المخيمات،وحلق في سماء المدن العربية،وأصبح،بمرور السنوات، أكثر من مجرد شخصية كاريكاتورية.إنه أيقونة المقاومة الصامتة،ولسان حال من لا صوت لهم، وتذكير دائم بأن الأطفال في غزة،وفي كل فلسطين،ينتظرون أن يكبروا،لكنهم لن يفعلوا حتى تعود أرضهم إليهم.!

في جزيرة إينيس أوير،لم يكن الحدث مجرد تدشين تمثال.لقد تحولت المساحة إلى ساحة تضامن حية،حيث رفرفت الأعلام الفلسطينية في وجه الرياح الأيرلندية،وكأن البحر نفسه كان يحاول أن يربط بين شاطئين: شاطئ الجزيرة الخضراء،وشاطئ غزة الباهت.!

كان المشهد أشبه بمرآة تعكس كيف أن الفن،حين يكون صادقا،يصبح جسرا يعبر فوق كل الحدود، وكيف أن رمزا كحنظلة يمكنه أن يخاطب كل إنسان،أيا كان لسانه أو دينه أو انتماؤه.

الفنانة بيلولوكا،وهي تنحت هذا التمثال،لم تكن تصنع حجرا فحسب،بل كانت تحفر في ذاكرة الغرب صورة أخرى لفلسطين: ليست صورة الصراع السياسي البارد،بل صورة الأطفال الذين ينامون على أنغام القصف،ويستيقظون على بكاء الأمهات. 

إنه رسالة بأن أطفال غزة ليسوا أرقاما في نشرات الأخبار،بل هم حنظلة الذي يرفض أن يكبر، ويرفض أن يموت،ويرفض أن ينسى.!

وفي زمن تتسارع فيه الذاكرة نحو النسيان، وتتلاشى فيه القضايا خلف فوهات المدافع وصخب السياسة،يقف حنظلة هناك،على تلك الصخور الأيرلندية،ثابتا كحجر،صامتا كبحر،عاريا كحقيقة.لم يأت ليُحدث ضجة،بل ليذكّر بأن القضية الفلسطينية ليست مجرد نزاع على أرض، بل هي قصة طفل يرفض أن يكبر بعيدا عن بيته، وأم تنتظر عند نافذة لا تطل على شيء سوى الغياب،ووطن ينام في قلوب الملايين،ينتظر من يوقظه.

التمثال الذي شُيّد هناك ليس عملا فنيا فحسب،بل هو شهادة أن الإنسانية،حين تلتفت إلى نفسها،لا يمكنها أن تتجاهل أطفال غزة.إنه اعتراف بأن حنظلة لم يعد رمزا لفلسطين وحدها،بل صار رمزا لكل طفل حُرم من طفولته،لكل إنسان حُرم من وطنه،لكل روح تبحث عن مكان تحت الشمس تستظل به.

وربما،في زمن تهتز فيه اليقينيات،ويختلط فيه الحلم بالكابوس،يكون حنظلة هناك،على جزيرة إينيس أوير،يذكرنا بأن الكبر ليس تقدما في العمر، بل هو أن تعود إلى جذورك،وأن تنظر إلى العالم بعين لا تخشى المواجهة.

وحين يكبر حنظلة،سيكبر معه أملنا جميعا بأن العدلَ ممكن،وأن الحلمَ،مهما تطاول الزمن،لا يموت.

فيا أيها الطفل الصغير الذي وقفت هناك،على شاطئ الغرب،لا تكبر وحدك.نحن جميعاً ننتظر أن نكبر معك،حين يعود وطنك،وحين تعود أنت إلى وطنك،وحين تصبح فلسطين كلها حنظلة واحدا، يقف بظهره للماضي،ووجهه للمستقبل،ويداه معقودتان ليس على ألم،بل على أمل.

اليوم..

يقف حنظلة اليوم على صخور أيرلندا،لكن ظهره المُدار لا يزال نحو فلسطين.لم يأت ليرى البحر،بل ليجعل البحر يراه.وفي كل حجر من قاعدته همس من غزة،وفي كل موجة تصطدم بالجزيرة نبض من مخيم.

هذا الطفل الذي رفض الكبر لم يعد وحيدا،لأن العالم بدأ يلتفت،ليس إلى ظهره،بل إلى ما يدور في داخله.وحين يكبر حنظلة-يوما ما-فسيكون كبره انتصارا لكل طفل مات قبل أن يحلم،ولكل وطن ما زال ينتظر في عيون أبنائه أن يعودوا إليه.

أما اليوم،فلا يزال حنظلة طفلا..ولكن صمته بات أعلى من كل الأصوات.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط