كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

"حنين الوصاية الفرنسية على سورية"

"حنين الوصاية الفرنسية على سورية"

تاريخ النشر: 2025-04-12 | 14:10

في كلّ مرةٍ تلوح فيها بوادرُ تعافٍ وطنيٍّ في سورية، تعود فرنسا ــ السِياسَة وليسَ الشَعب الفرنسي المُحترم - كما لو كانت توقّفت عند لحظة انتدابها، لتضع أنفها في شؤوننا، ولكن هذه المرّة بثوبٍ جديدٍ قديم: "حماية الأقليّات"، ولا سيّما المسيحيّين.

آخر هذه المحاولات تجلّت في مؤتمرٍ رعته "التنسيقيّة الفرنسيّة من أجل مسيحيّي الشرق الذين في خطر"، والمعروفة باسم "كريدو"، والتي أجزِمُ بصِلَتها الوثيقة مع وزارة الخارجيّة الفرنسيّة، حيث حضره بعض رؤساء الطوائف الكاثوليكيّة والبروتستانتيّة، ولم تحضره طائفةُ الروم الأرثوذكس والسريان الأرثوذكس، واللذان يُشكّلان سويّةً نسبةً تفوق 70٪ من مسيحيّي سورية. وقد تحدّث فيه البعض بشكلٍ مستفزٍّ عن "ضرورة زيادة تمثيل المسيحيّين في الحكومة السوريّة"، وشرح البعض الآخر الوضعَ بشكلٍ واعٍ. ولا يفوتنا أنّه من الناحية الديموغرافيّة، تتراوح نسبة المسيحيّين في سورية اليوم بين 3٪ و5٪ من إجمالي السكّان، أي أنّهم لا يتجاوزون عددياً ما يُخوّلهم تمثيلًا زائداً عن حضورهم الوطني، وإن كانت مساهماتهم أكبر من عددهم بمراحل، وهذه شهادةُ تاريخٍ لا مَنّة.

إنّ هذا النوع من الطروحات يُذكّرُنا بزمنٍ أراد فيه الغرب أن يُقنع العالم بأنّ وجوده في بلادنا ضرورةٌ حضاريّة، فجاء الردُّ ــ كما يجب أن يكون اليوم ــ من قلب المسجد الأمويّ، عندما اعتلى فارس الخوري منبره أيّام الاحتلال الفرنسيّ وقال للمسلمين: "أنا نائب النصارى، أطلب الحماية منكم وأرفض فرنسا". وهو لم يطلب فعلاً حماية، بل وجّه رسالةً للفرنسيّين بأنّ أبناء هذا البلد يحتمون ببعضهم، وأنّ التفاهم الوطنيّ الحقيقيّ لا ما يُفرض من الخارج تحت ذريعة "حماية الطوائف".

أمّا من أراد أن يعرف معنى "حماية الآخر"، فليقرأ عن الأمير عبد القادر الجزائريّ، المسلم الذي احتمى به المسيحيّون في دمشق عام 1860 حين هاجمتهم غوغاء الفتنة. لم يكتب الأمير بيانَ شجب، بل ركب جوادَه، وفتح قلعتَه، وصرخ بوجه المهاجمين: "العارُ لكم! لن أُسلِّمكم مسيحيّاً واحداً. إنّهم إخوتي!".

هذا هو الإسلام الحقيقيّ، لا ما تحاول فرنسا تجزئتَه لتغدو وصيّةً على مسيحيّيه.

فرنسا التي تتشدّق بالعلمانيّة، ترغب أن تعود من باب حماية الأقليّات في سورية، متجاهلةً أنّها كانت ذاتها مَن حرمت المسلمين من الجيش السوريّ أيّام الانتداب، وشجّعت على انتقاء الأقليّات لضرب وحدة البلاد.

وقضيّة دمشق عام 1840، التي استُخدمت لتبرير التدخّل بحجّة "حماية اليهود"، كانت صناعةً فرنسيّةً كذلك. كانوا يُشعلون الفتن ليبرّروا الاستعمار، وهو الأسلوب نفسه المتّبع الآن، لكن بخطابٍ ملوَّن بلغة الديمقراطيّة والحقوق.

وفي سان ريمو عام 1920، مُنح الانتداب لفرنسا بغطاءٍ دوليّ، وكان مطلب المسيحيّين اللبنانيّين وقتها بضمّ البقاع وحاصبيّا وراشيّا مبنيّاً على "الحدود التاريخيّة والأغلبيّة السكانيّة المسيحيّة". ولم تلبث فرنسا أن رسمت حدوداً للمشرق على أساسٍ طائفيٍّ ومذهبيّ، متجاهلةً بذلك المبادئ التي تتغنّى بها في باريس.

من المُخزي أن نرى بعض الأصوات تسير اليوم في الطريق نفسه، من دون أن تفقه أنّ فرنسا لم تكن يومًا حامية، بل مستغِلّة، وأنّ الوجود المسيحيّ في سورية استمرّ، لا بفضل الخارج، بل بفضل عيشه المشترك مع محيطه، وبدفءِ علاقةٍ تاريخيّةٍ امتزجت فيها المآذنُ مع الأجراس. ومهما كانت الظروف المحيطة بسورية الآن، فيجب أن نضع ثقتَنا ببعضنا، وأنا واثقٌ بصدق النوايا.

أقولها بوضوح: لسنا بحاجةٍ إلى حمايةِ أحد، ولا إلى تمثيلٍ فاقعٍ لا يعكس إلا رغبةَ الخارج في العودة إلينا عبر ثغرةِ الطوائف. نحن، أبناءَ هذا البلد، نحمي بعضَنا بعضًا، ونبني وطنَنا بأيدينا، ونحفظ تنوّعَنا بوحدتِنا لا بانقسامِنا.

نعم... نحن لم نعتد الكثير ممّا يحدث في سورية... وجوهٌ جديدة... قراراتٌ جديدة... توازناتٌ جديدة... أمورٌ لم نكن نتصوّرها... كنّا في مياهٍ هادئةٍ بلا تيّارات، وفجأةً وجدنا أنفسَنا في دوّاماتٍ سياسيّةٍ ومجتمعيّةٍ ودينيّةٍ لم نعتدْ عليها خلال أكثر من ستّين عامًا... ولكنّ الثقة ــ ويجب أن تكون متبادَلة ــ هي أساسُ بناءِ سورية.

أقول: ثقةٌ متبادلة... فليس كلُّ الذين أتَوا من بُقعةٍ جغرافيّةٍ واحدةٍ هم المُحقّون فقط، وليس كلُّ الذين بقوا هم من شبيحة النظام البائد.

لن نكون أدواتِكم ... ولا شهودَ زورٍ على تقسيمٍ جديد.

وإنْ كان لا بدَّ من حماية، فليحمِ كلٌّ منّا الآخر، كما فعلها فارس الخوري يومًا، وكما صاح الأمير عبد القادر في دمشق: "إنّهم إخوتي!"

اللهمّ اشهد أنّي بلّغت.

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط