كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حوار مع الشاعر الكبير سميح القاسم (د.عبدالقادر فارس)

حوار مع الشاعر الكبير سميح القاسم (د.عبدالقادر فارس)

تاريخ النشر: 2014-08-20 | 14:00

حاوره / عبد القادر فارس

هذا الحوار أجريته مع الراحل الكبير الشاعر سميح القاسم , لجريدة \" الخبر \" الجزائرية , خلال الحرب التي شنتها اسرائيل على قطاع غزة في شتاء 2008/ 2009 , ونظرا لأهمية ما ورد فيه , ومع رحيل سميح القاسم صباح هذا اليوم العشرين من شهر أغسطس 2014, في ظل تشابه نفس الظروف أعيد نشره حصريا لــ \" أمد الثقافي \" , في ظل الحرب المتواصلة على غزة منذ شهر ونصف الشهر , وفيما يلي نص الحوار :
س / تشن إسرائيل حربا على غزة ، وصفها المراقبون بالحرب المجنونة.. ما هي رؤيتكم لهذه الحرب ونتائجها على الواقع الفلسطيني؟
ج / لم تكن هذه حربا مجنونة، كانت حربا شرسة وإجرامية، ولكن بوعي كامل ومخطط متكامل. والمخطط هو إلغاء مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة. وهذه الحرب أراها نهاية السياسة، كل حرب هي نهاية موقف سياسي للوصول إلى موقف سياسي آخر. هذه الحرب هي استمرارية طبيعية لمشروع جديد عبّر عنه جون بولتون، أحد أوباش عصابة جورج بوش، بمقال نشره في ”الواشنطن بوست”، يقول فيه إنه لم يعد مكان لأربع دول في المنطقة: مصر والأردن وفلسطين وإسرائيل، والحل في رأيه هو ثلاث دول، من خلال ضم قطاع غزة إلى مصر، والأردن وإسرائيل تضمان الضفة الغربية. هذا المشروع ليس مشروعا أمريكيا شخصيا أو خاصا، فمنذ أيام سايكس بيكو لا توجد مشاريع فردية؛ ففي وقت كانت بريطانية وفرنسا والآن الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل. وفي 1956 كانت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل. يعني تتغير أطراف المعادلة ولكن المعادلة الثابتة هي مقاومة الشعب الفلسطيني والتنكر لحقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، وعاصمتها القدس الشريف.
س / يرى الكثير من المراقبين أن الانقسام الفلسطيني كان أحد أهم الأسباب التي شجعت إسرائيل على القيام بعدوانها على غزة.. كيف ترى عواقب هذا الانقسام.. وما هي رسالتك للشعب الفلسطيني وقيادته؟
ج / أنت نبّهتني إلى أمر هام، وهو أن الانقسام شجع حكام إسرائيل على العدوان، هذه حقيقة لا يجوز لأحد أن ينكرها… البعض يقول إن العدوان سيتم سواء كنا متفقين أو منقسمين، هذا الكلام تبسيط وتمييع لحقيقة الموقف. فكل انقسام على الساحة الفلسطينية يشجّع العدوان على الشعب وعلى الأرض. وكذلك الانقسامات العربية على الساحة العربية تشجع على اختراقات هنا أو هناك، وتشجع على تمزيق الوطن العربي وإقامة دويلات. فعلى كل بئر نفط يريدون دولة، وعلى كل منجم حديد يريدون دولة. هذا ما يريده الاستعمار والشركات الأجنبية الكبرى. ونحن للأسف الشديد، نتواطأ مع هذا المشروع الشيطاني وكأننا نسهم في تنفيذه. ومن هنا أيضا موقفي كان معلنا، وأكتب أسبوعيا وأتحدث مع وسائل الإعلام العربية والعالمية أيضا، حذرت منذ فترة طويلة من وقوع هذا الانقسام. وحتى في أيام الرئيس الراحل ياسر عرفات زرته مع وفد في مقره في المقاطعة في رام الله، وكذلك من بعده مع الرئيس أبو مازن , وتحدثت أمام الجميع عن أخطار الانقسام، على خلفية الصراع بين حماس وفتح.
وأنا بصراحة أرى أن هناك مشروعين على الساحة الفلسطينية، ولكن بمستطاع المشروعين؛ مشروع فتح والمنظمات القومية العلمانية، أن ينسجم مع مشروع حماس الديني والوطني. وأنا أرى أن حماس خطت خطوة جيدة بهذا الاتجاه حين قبلت بالدولة في حدود .67 وعليه أرى إمكانية وضرورة التفاهم بين الفصائل القومية والفصائل الدينية، ولا بد من هذا التفاهم، لأن الإيغال في القطيعة سيشجع في الإيغال في دمنا ولحمنا وأرضنا وتاريخنا.
س / يلاحظ ميوعة الموقف العربي , ولم يدع لقمة عربية لوقف العدوان ودعم صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته. ما هو تقييمكم للموقف العربي؟
ج / هناك مثل شعبي عندنا يقول ”الضرب في الميت حرام”. ومؤتمرات القمة للأسف الشديد لم تعد قادرة على التحليق بمستوى الشارع، إذ تحولت إلى ما أسميته منذ سنوات طويلة مؤتمرات حضيض. الشعب الفلسطيني هو الذي عبّر على لسان الأمة وارتقى إلى مستوى وسام الأمة. ولكن ما أريد أن أقوله أن ردود فعلنا لا ينبغي أن تكون عشوائية وعاطفية ومعزولة عن العالم الكبير المحيط بنا. على كوكب الأرض يوجد سبعة مليارات إنسان، نحن ما يقارب مليارين كعرب وكمسلمين، ولكن يبقى هناك أغلبية بشرية نحن بحاجة للتعايش والتفاهم معها. ولذلك أنا قلت، وما زلت، ضد ردود الفعل الغريزية والعاطفية، كضرورة التخلي عن دور الجامعة العربية، ولو تخلينا عن هذا الإطار فما هو الإطار البديل؟ ألا يساعد ذلك في تعميق التفكك العربي؟
أنا لم أتحمّس لهذا الطرح، لأن العمل السياسي يظل شرطا ضروريا، والمقاومة المسلحة أو المقاومة الثقافية أو السلبية وكل أشكال المقاومة تحتاج دائما إلى رديف سياسي. فغياب البرنامج السياسي العربي ألحق بنا كوارث لا تحصى في القرن العشرين كله.. لذلك لا بأس في أن يتشبث العرب بمشروع يطرح على مائدة الأمم المتحدة ومجلس الأمن والاتحاد الأوروبي ودول آسيا. أن يبقى في الوجود مشروع عربي بغض النظر عن نسب نجاحه أو فشله.
س / ارتكب العدو جرائم حرب ضد المدنيين الفلسطينيين وخاصة الأطفال والنساء، واستخدم أسلحة محرمة، وتسعى مؤسسات حقوق الإنسان لإدانة إسرائيل وقادتها السياسيين والعسكريين أمام المحاكم الدولية.. ما هو رأيكم في ذلك.. وما هو دوركم لمحاسبة الإسرائيليين في الداخل أيضا؟
ج / أعتقد غير متأكد أنني كنت أول من كتب في صحيفة ”كل العرب” في الناصرة، دعوة لتسجيل الحقائق الميدانية والتوجه إلى القضاء الدولي والقضاء الإقليمي لمتابعة جرائم الحرب التي ارتكبت ضد أهلنا في غزة، وهي جرائم كثيرة ومتعددة المستويات.. هناك جريمة تجاوز وثيقة جنيف الرابعة، وهناك جرائم القتل العمدي، وهناك جرائم العقاب الجماعي، وهناك جرائم استخدام الفوسفور والأسلحة المحرمة دوليا، وهناك منع معالجة الجرحى والتجويع، وقصف الأماكن العامة ومقرات تابعة للأمم المتحدة. يجب أن يدرس الموضوع دراسة علمية أكاديمية قانونية بتشكيل مجموعة أو مجموعات قانونية تحصي كل ما حدث، وتجري مقارنة بين ما حدث وبين القوانين المحلية والدولية. وأعتقد أنه يمكن متابعة بعض المسؤولين الإسرائيليين في إسرائيل نفسها عندنا.. حتى هنا حدث أمر كذلك في الماضي عندما تمت محاسبة شارون. المطلوب منا بالمستوى السياسي والقانوني والقضائي، يجب أن نتصرف في أسلوب علمي حضاري حثيث، وأن لا نكتفي بالصراخ.
س / يبدو أن الحرب على غزة كان جزءا منها ضمن الصراع بين الأحزاب الإسرائيلية، ووصل الحد ببعض المتطرفين، مثل الوزير ليبرمان، إلى المطالبة بطرد المواطنين العرب من أراضي الـ .48 كيف ترى هذه الدعوات العنصرية ضدكم في الداخل؟
ج / أريد أن أكون أكثر خبثا من سؤالك، وأزعم أن توقيت الحرب أخذ الصراعات الحزبية والانتخابات المقبلة بعين الاعتبار، هذه الآلة العسكرية الرهيبة يمكن تشغيلها في أي وقت تريده الإدارة السياسية في إسرائيل، ولكن اختيار هذا الوقت بالذات كان أشبه بمهرجان انتخابي. فالحركات والأحزاب تقوم بدعايات لها ، وهذه الحرب الشريرة والبشعة كانت أشبه بمهرجان انتخابي للأحزاب المتطرفة ومن تبعهم.
أما بشأن محاولة شطب المواطنين العرب في الداخل ، فإنه لسنوات طويلة أنا كنت ناطقا بلسان لجنة الوفاق الوطني ، وكانت الدعوة الأساسية لدينا تكوين كتل قومية عربية تحفظ للعرب حقهم القانوني في التمثيل بكتل قوية وبرامج واضحة تقوم على عمودين؛ الأول هو البقاء والتجذر والمطالبة بالمساواة وبالحقوق تحت الحكم الإسرائيلي، والثاني هو الاستمرار في المعركة من أجل تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني. أما بالنسبة لليبرمان والمتطرفين اليهود من أمثاله، فالخطورة ليس في ما قاله ليبرمان، الخطورة الأكبر فيما يطرحه غيره أنه يجب على عرب إسرائيل أن يعبّروا عن طموحهم القومي في الدولة الفلسطينية. أي إلى مشروع ”الترانسفير”، التحويل، وهذا مشروع خطير جدا ونحن نرفضه وسنقاومه بكل الوسائل المتاحة.
وأنا أدعو جميع الأطياف السياسية عندنا، للحذر من المشروع. والجنرال أهارون ياريف، قائد المخابرات الإسرائيلية قبل ما يزيد على ثلاثين عاما، كشف النقاب عن أن هناك ”مشروع أدولف” لإخلاء البلاد من أهلها العرب، وأنه ينتظر حالة حرب كبيرة لتنفيذها. وهذا الخطر ما زال قائما.. وعلينا أن نكون متيقظين وعلى إخواننا أيضا في الوطن العربي أن يتفهموا الكثير من تصرفاتنا ومواقفنا. وما زال البعض إلى اليوم يلومنا لأننا نحمل جوازات سفر إسرائيلية، وهذا سخف قومي وجهل سياسي. سنحمل كل ما يطلب منا مقابل البقاء على أرض الوطن، لأنه وطننا ولا يمكن أن نتخلى عنه للقادمين الجدد من العالم.
س / سؤالنا الآن في الشعر وليس في السياسة.. هل كتب أو سيكتب الشاعر سميح القاسم قصيدة لأطفال غزة الذين تحوّلوا إلى أشلاء بفعل آلة الحرب الإسرائيلية، مثلما كتب قصيدته الشهيرة لأطفال رفح في الانتفاضة الأولى؟
ج / اسمح لي قبل كل شيء، أنا أرفض وضع حدود بين الشاعر والمناضل وبين السياسي والمفكر، أنا أصر على أن يكون الشاعر متورطا ملتزما ومتشبثا حتى لحظته الأخيرة في قضايا الشعب والوطن والإنسانية كلها. وبالنسبة لما كتبت وما سأكتب، أنا فوجئت في الحرب الأخيرة بأنني كتبت قصيدة بعنوان ”غزة” نُشرت في بيروت عام 1972, وقصيدة غزة وكأنها كتبت اليوم. وفوجئت بقصيدة لمعين بسيسو ”رثائية” وكأنها كتبت اليوم، وقصيدة أطفال رفح كأنها كتبت اليوم، وقصيدة ”تقدموا” في الانتفاضة الثانية كأنها كتبت اليوم، وقصيدة ”لا تعدوا العشرة” وكأنها كتبت اليوم. ولدي الآن عمل جديد كبير أرجو أن يصدر في كتاب حول كل هذه الحرب وحول كل الصراع، حول الصراع بين الإنسان الفلسطيني والمؤسسة الصهيونية، أرجو أن يصدر في كتاب قريبا جدا.. الشعر لا يستطيع إلا أن يكون نبض القلب الأول والتعبير الأول ليس على لسان الشاعر فحسب، بل على لسان الشاعر، كونه عضوا في أسرة وفردا في شعب وكائنا من إنسانية كونية.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط