كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حين تبدأ الحصانة بالتصدّع: ماذا تعني العقوبات البريطانية على إسرائيل؟

حين تبدأ الحصانة بالتصدّع: ماذا تعني العقوبات البريطانية على إسرائيل؟

تاريخ النشر: 2026-06-17 | 13:04

ليست العقوبات البريطانية الأخيرة على جهات مرتبطة بالاستيطان الإسرائيلي حدثاً استثنائياً من حيث حجمها أو تأثيرها المباشر، لكنها قد تكون ذات أهمية تاريخية من زاوية أخرى أكثر عمقاً: أنها تعكس بداية تصدّع في منظومة الحصانة السياسية والأخلاقية التي تمتعت بها إسرائيل في الغرب لعقود طويلة.
فالقضية ليست في عدد الأشخاص أو المؤسسات الذين شملتهم العقوبات، ولا في الأثر الاقتصادي المتوقع لها، وإنما في الرسالة الكامنة خلفها. فحين تبدأ دولة غربية مؤثرة بالانتقال من موقع الإدانة اللفظية إلى اتخاذ إجراءات عقابية، ولو كانت محدودة، فإن ذلك يعني أن المسافة بين الاعتراف بالمشكلة وبين الاستعداد لتحمل تبعات معالجتها بدأت تضيق، ولو ببطء.
لقد شكّل الدعم الغربي لإسرائيل أحد أكثر ثوابت النظام الدولي استقراراً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وخلال عقود طويلة، ظل الاحتلال والاستيطان يتمتعان بمستوى استثنائي من الحماية السياسية والدبلوماسية مكّنهما من الاستمرار والتوسع رغم الإدانات الدولية المتكررة. وكانت المفارقة أن معظم الحكومات الغربية لم تتوقف يوماً عن اعتبار الاستيطان مخالفاً للقانون الدولي، لكنها لم تُبدِ استعداداً حقيقياً لفرض أثمان سياسية أو اقتصادية قادرة على وقفه.
وهكذا نشأ وضع شاذ في العلاقات الدولية: رفضٌ قانوني معلن للاستيطان يقابله تسامح سياسي عملي مع توسعه. إدانة في الخطاب، وعجز أو امتناع عن الفعل في الواقع. وبين الموقفين تمدد المشروع الاستيطاني، وتآكلت فرص التسوية السياسية، وتكرّس الاحتلال باعتباره أمراً واقعاً.
غير أن الحرب على غزة، وما رافقها من دمار واسع النطاق وخسائر بشرية هائلة، إلى جانب التصاعد غير المسبوق في النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية، دفعت هذا التناقض إلى الواجهة بصورة لم يعد من السهل تجاهلها. ولم يعد السؤال المطروح في كثير من الأوساط الغربية يتعلق فقط بما يجري في فلسطين، بل بما إذا كان استمرار الصمت أو الاكتفاء بالإدانات اللفظية يقوض الأسس الأخلاقية والقانونية التي يدّعي النظام الدولي الدفاع عنها.
في هذا السياق، تبدو العقوبات البريطانية جزءاً من عملية مراجعة أوسع لم تكتمل بعد. فثمة تحولات متدرجة تجري داخل الرأي العام الغربي، والجامعات، ووسائل الإعلام، ومؤسسات المجتمع المدني، وحتى داخل بعض الدوائر السياسية التقليدية. وهذه التحولات لا تعني انقلاباً على إسرائيل أو تخلياً عنها، لكنها تعني أن الدعم لم يعد محصناً من النقد كما كان في السابق، وأن السياسات الإسرائيلية نفسها أصبحت موضع مساءلة متزايدة.
ومع ذلك، فإن المبالغة في تقدير هذه الخطوة لا تقل خطورة عن التقليل من شأنها. فإسرائيل لا تزال تحظى بدعم سياسي واستراتيجي واسع من قوى دولية مؤثرة، والعقوبات الحالية لا تمس جوهر العلاقة الغربية معها، ولا تفرض حتى الآن ثمناً سياسياً أو اقتصادياً يتناسب مع حجم الوقائع التي يجري الاعتراض عليها.
ولهذا فإن القيمة الحقيقية لهذه العقوبات لا تكمن فيما أنجزته، بل فيما قد تفتحه من آفاق جديدة. فهي تنقل النقاش من سؤال كان محرماً في الماضي: هل يجوز مساءلة إسرائيل؟ إلى سؤال أكثر أهمية وخطورة: إلى أي مدى يمكن أن تصل هذه المساءلة؟
وهنا يصبح الحديث عن أفراد أو مؤسسات مجرد تفصيل ضمن قضية أكبر تتعلق بطبيعة النظام الدولي نفسه. فالقانون الدولي لا يُختبر عندما يُطبق على الخصوم والضعفاء، بل عندما يُطبق على الحلفاء والأقوياء. وإذا كانت قواعد الشرعية الدولية عالمية بالفعل، فإنها يجب أن تُطبق بمعيار واحد، لا بمعايير متعددة تتغير تبعاً لموازين القوى والمصالح السياسية.
إن العقوبات البريطانية الأخيرة ليست الحدث الأهم بحد ذاته، بل ما تكشفه من تحولات كامنة وراء الحدث. فالقضية لم تعد تتعلق بإجراءات محدودة ضد مستوطنين أو مؤسسات بعينها، بل ببدء اهتزاز قناعة راسخة حكمت السياسة الغربية لعقود، مفادها أن إسرائيل تبقى بمنأى عن المساءلة مهما بلغت جسامة الوقائع على الأرض.
صحيح أن الطريق ما زال طويلاً بين الإدانة والعقوبة، وأطول منه بين العقوبة والمحاسبة الحقيقية، لكن التحولات الكبرى تبدأ عادة عندما تفقد المسلمات القديمة قدرتها على تفسير الواقع أو تبريره. وهذا ما يبدو أنه يحدث اليوم بصورة تدريجية ومتراكمة.
ففي عالم يرفع راية القانون الدولي وحقوق الإنسان، لم يعد السؤال هو ما إذا كانت الانتهاكات قد وقعت، بل إلى متى يمكن الاستمرار في تجاهل تبعاتها السياسية والقانونية والأخلاقية. ومن هنا فإن القيمة الحقيقية لهذه العقوبات لا تكمن في أثرها المباشر، بل في أنها قد تكون أول اعتراف عملي بأن استمرار الاحتلال والاستيطان لم يعد مجرد قضية فلسطينية، بل أصبح اختباراً لمصداقية النظام الدولي نفسه.
وعندما تصبح القضية بهذا المعنى، فإن النقاش لا يعود حول إسرائيل وحدها، بل حول مستقبل العدالة الدولية، وحول ما إذا كانت المبادئ التي تحكم العالم ستظل مبادئ عامة للجميع، أم امتيازات تُمنح للبعض وتُحجب عن البعض الآخر.
إن ما نشهده اليوم قد لا يكون تحولاً كاملاً، لكنه بالتأكيد ليس تفصيلاً عابراً. فقد يكون مجرد صدع صغير في جدار الحصانة الذي بدا لعقود عصياً على الاختراق، غير أن التاريخ يعلمنا أن التحولات الكبرى كثيراً ما تبدأ من شقوق صغيرة لا يلتفت إليها كثيرون في بدايتها.
ويبقى السؤال الذي سيحكم على هذه اللحظة التاريخية: هل ستكون العقوبات الحالية بداية مسار يقود إلى مساءلة حقيقية وسياسات أكثر اتساقاً مع القانون الدولي، أم أنها ستظل مجرد محاولة لإدارة الغضب العالمي دون الاقتراب من جذور المشكلة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل القضية الفلسطينية وحدها، بل ستحدد أيضاً مستقبل مصداقية النظام الدولي في عالم تتزايد فيه الفجوة بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية. ومن هنا، فإن ما يجري اليوم لا يتعلق فقط بفلسطين أو بإسرائيل، بل يتعلق بمستقبل العدالة نفسها في النظام العالمي المعاصر.

×
أخبار
نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط