كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حين تُجرى الانتخابات كي لا يتغيّر شيء !

حين تُجرى الانتخابات كي لا يتغيّر شيء !

تاريخ النشر: 2026-05-05 | 12:13

في الحالة الفلسطينية، لم تعد الانتخابات تُجرى للإجابة عن سؤال: من يُختار؟

بل للإجابة عن سؤال أكثر تواضعاً، وأشد خطورة وهو كيف نُدير غياب الاختيار، وكيف نبعد الاهتمام بالرئيسي " التوافق الوطني والانتخابات العامة الشاملة" من خلال إشغال الناس بالمسائل الأقل أهمية أو حتى الوهمية.

 

ما جرى في انتخابات المجالس المحلية في الضفة الغربية ليس تفصيلاً عابراً، بل تعبير مكثّف عن حالة أوسع وصفتُها سابقاً بـ”الشرعية المُعلّقة والفعل المُعطَّل”. فعندما تتعطّل الشرعية الوطنية الشاملة، لا تختفي الحاجة إليها، بل يُعاد تفكيكها إلى مستويات أدنى، تُصمَّم فيها بدائل جزئية قابلة للضبط والسيطرة.

بهذا المعنى، بدت الانتخابات المحلية الأخيرة محاولة لتعويض الغياب الكبير عبر “شرعيات” صغيرة مُفصّلة سلفاً. وقد بدأ ذلك باقرار نهج إقصائي يضمن هيمنة لون واحد، من خلال قانون انتخابي يستبعد من حيث المبدأ مشاركة قوى سياسية واجتماعية فاعلة من خلال شروط تمس الحقوق الدستورية للمواطنين. هذا في وقت يتراجع فيه الاهتمام الشعبي، تسجيلاً و اقتراعاً، بشكل ملحوظ مقارنة بالدورات السابقة، والتي لم تكن أصلاً محل حماسة واسعة.

ويبدو أن هذا المسار لا يقتصر على الانتخابات المحلية في سياق هندسة أوسع للنظام السياسي. فقد سبق أن امتدّ إلى النقابات المهنية، تمهيداً لهندسة "تمثيلها " في المجلس الوطني، وفق النسق الإقصائي ذاته، بديلاً عن الانتخابات العامة البرلمانية والرئاسية، في إطار توافق وطني حقيقي يضمن أوسع مشاركة شعبية، ويحوّل الانتخابات ليس فقط مدخلًا لتجديد الشرعيات المتآكلة، بل وإلى رافعة لنهوض وطني حقيقي، لا أداة لإعادة إنتاج الإقصاء.

 

هندسة “التوافق” بدل التنافس والاحتكام للبرامج

 

لنأخذ الوقائع كما هي: أكثر من 50٪ من الهيئات المحلية لم تشهد انتخابات أصلاً.

السبب هو هندسة "توافق” على نحوٍ يُفرِّغُها من معناها. فهذا “التوافق” لم يكن نتاج حوار مجتمعي حر، بل صيغة متذاكية لتعليق التنافس، وفصل الخدمة عن بعدها السياسي المرتبط بتعزيز الصمود بوصفه معياراً جوهريًا للتقييم ولمبرر وجود المؤسسات الوطنية. فحين تُفرض قائمة واحدة، لا يعود هناك ما يُحسم، بل ما يُعلَن فقط بعيداً عن الصندوق.

 

في نابلس، لم يُمنع التنافس بقرار صريح، بل جرى تفريغه من شروطه حتى بات مجرد احتمال نظري. وفي رام الله، التي طالما قُدّمت نموذجاً للتعددية، غابت الانتخابات كلياً، لا لعجزٍ عن إجرائها، بل لأن التنافس نفسه لم يعد خياراً مرغوباً.

لسنا هنا أمام خلل تقني، بل أمام إعادة تعريف للمجال العام من فضاء مفتوح للتعدد، إلى ساحة مُدارة بنتائج مصمّمة سلفاً، في خدمة مسار سياسي يُعيد إنتاج نفسه. ذلك لا يُعفي قوى سياسية ومجتمعية أخرى تماهت مع هذا النسق، سواء بالمشاركة الشكلية الملحقة أو باللامبالاة.

 

المفارقة،ذات البعد الكوميدي المرّ، أن كل ذلك جرى تحت عنوان “تعزيز الديمقراطية المحلية”؛ ديمقراطية لا تحتاج إلى انتخابات في نصف الحالات، ولا إلى منافسة برنامجية في النصف الآخر، ولا إلى مفاجآت في أيٍّ منهما.

 

الحكم المحلي كبديل مُعطّل للسياسة

 

في هذا السياق، لا تعود المجالس المحلية مجرد مؤسسات خدمية، بل تتحول إلى أدوات ضمن معادلة أوسع جوهرها كيف يُدار مجتمع حيّ بأدوات سياسية مُعطّلة؟ وكيف يُحافظ على مظهر الشرعية في ظل غياب شروط إنتاجها؟

 

هنا يتقاطع المحلي مع الوطني مباشرة. فتعطُّل الفعل الفلسطيني في قمته يتسرّب إلى بقية مستوياته. والحكم المحلي، بدلاً من أن يكون مدخلاً للنهوض واستعادة السياسة، يتحول إلى مختبر لإدارتها وهي مُفرَّغة من مضمونها.

 

اختلال الأولويات الوطنية

 

قد يبدو ذلك كله تفصيلاً ثانوياً في ظل حرب مفتوحة، وضغوط غير مسبوقة، وانسداد سياسي شامل. لكن المجتمعات لا تُقاس فقط بقدرتها على الصمود في وجه الخارج، بل أيضاً بقدرتها على الحفاظ على تماسكها الداخلي وتجديد أدواتها السياسية. وهنا تكمن المعضلة المتمثلة باختلال ترتيب الأولويات. فبدلاً من إعادة بناء الشرعية الوطنية الجامعة، وفتح المجال العام، وتعزيز الثقة، يجري الاستثمار في إدارة هوامش مضبوطة قابلة للتحكم، لكنها عاجزة عن إنتاج فعل حقيقي.

 

استعادة الأولويات والفعل

 

المشكلة، في المحصلة، ليست في انتخابات جرت أو لم تجرِ، ولا في مجالس تُشكَّل بهذه الطريقة أو تلك، بل في اختلال ترتيب الأولويات الوطنية نفسها. ففي لحظة يواجه فيها الشعب الفلسطيني أخطر تحدياته "حرباً مفتوحة على الوجود، وانسداداً سياسياً، وتآكلاً في التمثيل" يجري الانشغال بإدارة هوامش قابلة للضبط، بدلاً من الاشتباك مع الأسئلة المصيرية، بحيث تصبح الانتخابات أداة للنهوض لا وسيلة لإعادة إنتاج السيطرة.

 

إعادة الاعتبار للأولوية الوطنية لا تعني إلغاء المحلي، بل تحريره من كونه بديلاً مُقزّماً عن السياسة، وإعادته إلى وظيفته الأصلية كمساحة لتعزيز الصمود، وبناء الثقة، وتمكين المجتمع.

 

الفعل الفلسطيني لن يُستعاد بقرار مفاجئ، بل عبر مراكمة إنجازات ملموسة تعيد ربط المواطن بالسياسة بوصفها أداة تأثير، لا مجرد إجراء شكلي. يبدأ ذلك بفتح المجال العام، واحترام التعدد، ووقف هندسة التمثيل، وصولاً إلى مسار ديمقراطي شامل يمنح الشرعية معناها، لا شكلها فقط. أما الاستمرار في إدارة الواقع كما هو، فلن ينتج نهوضاً، بل مزيداً من التآكل الصامت.

 

انتخابات بلا منافسة… وسؤال النظام السياسي

 

وهنا يبرز السؤال الذي لم يعد ممكناً تأجيله: أي نظام سياسي نريد؟

هل نريد نظاماً يُعاد فيه إنتاج هيمنة اللون الواحد، رغم ما أثبته من عجز وفشل، ويُغلق فيه المجال أمام ظهور اجتهادات وتيارات قادرة على التصويب والمساءلة؟ أم نريد نظاماً يفتح المجال للتعدد الحقيقي، لا بوصفه ترفاً، بل شرطاً لبقاء المجتمع متماسكاً وقادراً على الصمود؟

 

الخوف من التعدد يُقدَّم أحياناً كحرص على الوحدة، لكنه في الواقع يُنتج هشاشة. فالمجتمع الذي لا يُسمح له بتصحيح ذاته من الداخل يصبح أكثر عرضة للتفكك مع أول اختبار.

 

في السياق الفلسطيني، لا يمكن تجاهل أن إسرائيل تعمل منهجياً على تفكيك هذه الجبهة. لكن الأخطر أن بعض ما يجري داخلياً يلتقي، موضوعياً، مع هذه الغاية، حين يُغلق المجال العام، ويُقوَّض التمثيل، ويُدجَّن التنافس، وتُقصى البدائل.

 

تحصين الداخل لا يكون بإلغاء السياسة، بل بإحيائها؛ ولا بمنع البدائل، بل بفتح الطريق أمامها؛ ولا بإعادة إنتاج الفشل، بل بتمكين المجتمع من تجاوزه.

 

في المحصلة، لا يكون الخطر فقط فيما يُفرض علينا، بل فيما نقبل به. ولا يكون الرهان على انتخابات بلا اختيار، بل على القدرة الجماعية على استعادة الفعل، وإعادة ترتيب الأولويات، وتحويل الهوامش إلى مسارات تراكمية للتغيير.

 

في لحظة كهذه، لا يكون التعدد ترفاً سياسياً، بل شرطاً للحماية من الانهيار، ولا يكون فتح المجال العام خياراً إجرائياً، بل الطريق الوحيد لبناء نهوض وطني حقيقي. فإما أن تُستعاد إرادة الناس في الاختيار بوصفها جوهر السياسة، أو يُستكمل هذا الفراغ بإدارة العجز حتى يتحول إلى قدر. عندها، لن يكون الخطر في غياب النتائج، بل في ترسيخ العجز نفسه بوصفه نظاماً دائماً.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط