كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حين ترتقي القصيدة من رماد الخنوع..إلى منصة الإشراق والتجلي..

حين ترتقي القصيدة من رماد الخنوع..إلى منصة الإشراق والتجلي..

تاريخ النشر: 2026-04-24 | 11:12

قيامةُ الوجعِ المستور

خلعَ الصمتُ جلدَهُ القديم

جلسَ بيننا

جرحاً مكشوفاً على آخره

لا يسترُه خوفٌ

ولا تُداريهِ الظلال.

ما كنا نرتجلُ المعاني

كنا نغرسُ المساميرَ في نعشِ الصمت

نُعيدُ للّغةِ عُذريّتها الأولى..

تلك التي فُقدت خلفَ قضبانِ التورية....

كان الحرفُ يمشي على قدمين من حريقٍ..

خنجراً من ضياء

يتسلّقُ الحناجرَ

كأنها مآذنُ من ملح..

لا ترتفعُ إلا بدموعِ الذين

رأوا السماءَ في أعماقِهم.. قبل أن يروها فوقهم.

فيا ذلك اليوم..

يا وطناً لم يَبنِهِ طينٌ،

بنتهُ شهقةُ المخذولين حين صارت القصيدةُ

هي المسافةُ الوحيدةُ الناجيةُ من الحصار.

سوسن العوني

هذا النصّ،الذي يكتبه وجع استتر طويلا ثم انفجر كجرحٍ لا يُدارَى،ليس مجرد قراءة في قصيدة "قيامةُ الوجعِ المستور" للشاعرة والكاتبة التونسية القديرة سوسن العوني،بل هو وقوف على حافة معجزة لغوية نادرة،واغتراف من بئر صمت طال أمده حتى تحول إلى هدير.فالشاعرة هنا لم تكتب قصيدة بالمعنى التقليدي،بل خلعتْ عن الصمت جِلْده،وأجلسته بيننا جرحا سافرا عاريا،يتنفس لأول مرة دون خوف من ظلال تخفيه أو تواريه. إنها تقتحم منطقة محظورة:حيث كانت الكلمات تُدفنُ حيّة خلف قضبان التورية،وحيث كان البوح كفرا والصمت دينا،تأتي سوسن العوني لترفع راية التمرد اللغوي،لا بالشعارات،بل بجسارة الحرف وهو يخترق سجوف السكوت المقدس.

 إنها تعيدُ للغة عذريتها الأولى،لغة لا تتزيّن بل تتجرأ،لا تختبئ بل تصرخ،لا تهمس في زوايا الخوف بل تقف في ساحة الوجع عارية بلا قناع. إنها تغرس المسامير في نعش الصمت بيدين ترتجفان من الإبداع لا من الخوف،وتجعل الحرف يمشي على قدمين من حريق،خنجرا من ضياء،لا يطعن الظلام بل يشقّه كي يمر النور من شرخه. حرفها يتسلّق الحناجر كما لو كانت مآذن من ملح لا ترتفع إلا بدموع من رأوا السماء في أعماقهم قبل أن تخذلهم بتلك المسافة البعيدة فوقهم. هناك،في تلك اللحظة التي يختلط فيها الدمع بالضوء،تولد قصيدة لا تشبه القصائد،بل تشبه قيامة شخصية للوجع الذي ظننا أنه مات تحت ركام الصمت.!

وبينما نطوي هذه القراءة-العجولة-،ونخطو على أطراف أصابعنا خشية أن نوقظ جرحا استيقظ للتو،تبقى جملة الشاعرة التونسية القديرة سوسن العوني ترنّ في الروح كجرسِ كنيسة تحت القصف،أو كأذان في مدينة محاصرة: "فيا ذلك اليوم..يا وطناً لم يبنِهِ طينٌ،بنتهُ شهقةُ المخذولين". إنها لحظة تأسيسية في الكتابة العربية المعاصرة،حيث تتحول القصيدة من أداة تعبير إلى كائن حيّ،ومن مرآة تعكس الواقع إلى رحم يولد عوالم بديلة.

 إنها المسافة الوحيدة الناجية من الحصار،ذلك الحصار الذي يضرب على الجسد والذاكرة واللغة معا.

 لقد منحتنا-شاعرتنا-سوسن العوني درسا لن يُنسى: أن الوجع إذا استتر طويلا لا يموت،بل يتحول إلى قيامة،وأن الصمت حين يُخلع جِلده يصير لغة أصدق من كلّ ما تعلّمنا قوله،وأن الجرح إذا لم يجد من يداريه،صار شمسا. 

نخرج إذن من هذا النصّ ممسكين براية من ضياء، قادرين،بعدها،على تسلق حناجرنا كما لو كانت-كما أشرت-مآذن من ملح..لا لنهوي،بل لنرى السماء من جديد،من الداخل،حيث كانت دائما..

تحيةً لشاعرة تفتح في الخاصرةِ العربية نافذة لا تُغلق،وتزرع في حديقة الصمت المغلقة وردة تنبت من لهيب.

هذه القصيدة،في خاتمة المطاف،ليست انفجار وجع مكبوح،بل معمودية ثانية للروح،حيث يتحول الحرف هناك،من حافة الارتطام بالصمت، إلى نبض لا يسكت،وجدار لا ينهار،وقبلة أخيرة بين اللغة وموتها.

إن "قيامة الوجع المستور" ليست مجرد عنوان-في تقديري-بل وعد مقدس بأنه حتى أعمق الجراح، إذا ما تم اجتيازها بالكتابة،تصير معابر للضوء،وأن أكثر ما يظنه العالم طمسا للكلمة،قد يكون بالضبط رحمها الذي تولد منه من جديد.

 هنا،وبين ثنايا هذا النص،تعلمنا سوسن العوني أن الألم حين لا يجد من ينطق به،ينطق هو بنفسه، فيخلع جلد الصمت ليصبح قصيدة،ويخلع جلد القصيدة ليصبح قيامة.

ولنا عودة إلى هذه القصيدة السامقة عبر قراءة مستفيضة،حين يختمر عشب الكلام..

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين!

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط