كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حين تصبح الجغرافيا تهمة… لا مدينة تملك الكرامة ولا قرية تملك النقص

حين تصبح الجغرافيا تهمة… لا مدينة تملك الكرامة ولا قرية تملك النقص

تاريخ النشر: 2026-09-05 | 14:49

كنانة خلف الكردي
كنانة خلف الكردي

هناك جرحٌ قديم في مجتمعاتنا لا نتحدث عنه كثيراً ، لكنه يعيش في تفاصيل صغيرة، في نظرة، وفي كلمة، وفي طريقة تعامل، وفي حكمٍ سريع على إنسان لمجرد أنه جاء من مكانٍ مختلف.

إنه جرح المناطقية.

ذلك الوهم الذي يجعل بعض الناس يعتقدون أن المدينة تمنح صاحبها قدراً أعلى من الثقافة والرقي، وأن القرية تعني البساطة والنقص، وكأن الإنسان يرث قيمته من عنوانه، وكأن الجغرافيا تستطيع أن تحدد مقدار ما في القلب من كرامة، وما في العقل من وعي.

والحقيقة أن الإنسان لا يصبح أكثر قيمة لأنه وُلد في مدينة، ولا أقل قيمة لأنه وُلد في قرية.

فالمدن لا تحتكر الثقافة، والقرى لا تحتكر الطيبة، كما أن الجهل ليس له عنوان، والنبل ليس له جغرافيا.

في المدن أناسٌ عظماء، وفي القرى أناسٌ عظماء.

وفي المدن من يحمل قلباً ضيقاً وفي القرى من يحمل عقلاً واسعاً

المعيار الحقيقي ليس المكان الذي جئت منه، بل الإنسان الذي أصبحت عليه.

لا تجعلوا القرية تهمة

كم من إنسان دخل مكاناً ، فكان أول ما يُسأل عنه: من أين أنت؟

ليس السؤال بدافع التعارف دائماً بل أحياناً بحثاً عن تصنيف.

من أي مدينة؟

من أي قرية؟

من أي عائلة؟

من أي بيئة؟

ثم يبدأ الحكم قبل أن يبدأ التعارف.

وهنا تكمن المشكلة.

أن نضع الإنسان داخل قالبٍ جاهز قبل أن نسمع صوته، وأن نحكم على عقله من لهجته، وعلى مستواه من مكان ولادته، وعلى حضارته من ملابسه، وعلى قيمته من اسمه.

أي ظلمٍ أكبر من أن يُدان الإنسان بشيء لم يختره؟

لم يختر أحد مكان ولادته.

ولم يختر أحد لهجته الأولى.

ولم يختر أحد أن يولد في مدينة أو قرية.

لكننا نستطيع جميعاً أن نختار أخلاقنا.

أن نختار كيف نتعامل مع الآخرين.

أن نختار أن نكون عادلين أو متكبرين، رحماء أو قساة، متواضعين أو أسرى لوهم التفوق.

الريف ليس هامشاً

القرى ليست هامش الوطن.

هي جزء من روحه وذاكرته وتاريخه.

في القرى عاش أناسٌ حافظوا على الأرض حين كانت الحياة قاسية، وربّوا أبناءهم على الكرم والشهامة وتحمل المسؤولية، وفتحوا أبواب بيوتهم للغريب قبل القريب.

وفي كثير من البيوت الريفية، قد لا تجد رفاهية المدن، لكنك تجد شيئاً لا يُشترى:

أن يقتسم الإنسان آخر ما لديه مع ضيفه، وأن يعتبر إكرام الآخر شرفاً لا فضلاً

وهذا لا يعني أن كل أبناء القرى ملائكة، كما أن أبناء المدن ليسوا جميعاً متكبرين.

لكن المشكلة تبدأ عندما نحول الاختلاف الاجتماعي والجغرافي إلى تراتب في القيمة الإنسانية.

فلا أحد أعلى من أحد لأنه ولد في مكان معين.

المدينة ليست شهادة تفوق

المدينة تمنح الإنسان فرصًا مختلفة، وتوفر له مدارس وجامعات ومؤسسات واحتكاكًا أوسع في بعض الأحيان.

لكنها لا تمنحه تلقائياً الحكمة.

ولا تمنحه الأخلاق.

ولا تمنحه حق النظر إلى الآخرين من الأعلى.

قد يتعلم الإنسان عشرات اللغات ولا يعرف كيف يحترم إنساناًواحداً

وقد يحمل أعلى الشهادات، لكنه يفشل في أبسط امتحان إنساني: ألا يهين من هو أقل حظًا منه.

وفي المقابل، قد لا يحمل إنسان من قرية صغيرة شهادة جامعية، لكنه يعرف معنى الوفاء، ويحفظ الجميل، ويقف إلى جانب جاره في أصعب الظروف.

فأيّهما أكثر تحضراً

السؤال هنا ليس عن التعليم.

السؤال عن الإنسانية.

سورية لا تحتاج إلى طبقات من البشر

لقد أتعبتنا الانقسامات بما يكفي.

تعبنا من كل تصنيف يجعل السوري في مواجهة السوري.

مرةً باسم المنطقة، ومرةً باسم الطائفة، ومرةً باسم القومية، ومرةً باسم المدينة والريف.

وكأننا لم نتعلم بعد أن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي وطن ليس فقط أن تنقسم أرضه، بل أن تنقسم نظرة أبنائه إلى بعضهم بعضاً .

سورية لا تحتاج إلى سوري يرى نفسه أعلى من سوري آخر.

تحتاج إلى سوري يرى في الآخر شريكاً في الوطن.

لا نريد مدينة تنظر إلى القرية بتعالٍ، ولا قرية تنظر إلى المدينة بحقد.

نريد أن تسقط هذه الثنائية من أساسها.

فالمدينة والقرية ليستا خصمين.

هما وجهان لوطن واحد.

فلنحاكم الإنسان بما اختار

لنحاسب الإنسان على أخلاقه، لا على لهجته.

على أمانته، لا على عنوانه.

على مواقفه، لا على مكان ولادته.

على ما يقدمه للناس، لا على الصورة التي رسمناها مسبقًا عنه.

فالإنسان لا يختار أين يولد، لكنه يختار كيف يعيش.

ولا يختار اسمه الأول، لكنه يختار أن يجعل اسمه مرادفًا للخير أو الشر.

ولا يختار القرية أو المدينة التي جاء منها، لكنه يستطيع أن يجعل المكان الذي ينتمي إليه أكثر جمالًا بأخلاقه.

الجغرافيا تحدد مكان الميلاد… لكنها لا تحدد قيمة الإنسان.

ولعل أجمل ما يمكن أن نتركه للأجيال القادمة هو أن نعلّمها منذ اليوم الأول:

لا تسألوا الإنسان من أين جاء قبل أن تعرفوا من هو.

لا تنظروا إلى القرية باعتبارها نقصاً

ولا إلى المدينة باعتبارها امتيازاً

ولا تجعلوا اللهجة سبباً للسخرية، ولا المكان سبباً للازدراء.

فكم من قرية أنجبت رجالاً ونساءً أكبر من المدن، وكم من مدينةٍ لم تستطع أن تمنح بعض أبنائها قلباً يعرف معنى التواضع.

وفي النهاية، ستبقى الحقيقة الأبسط والأكثر عدلًا:

لا أحد يولد متحضراً ولا أحد يولد متخلفاً

نحن نصنع أنفسنا بأخلاقنا.

ولهذا…

لا مدينة تملك الكرامة، ولا قرية تملك النقص؛ الكرامة تسكن الإنسان حين يكون إنساناً .
الموافقة على شروط النشر: 1
صورة شخصية للكاتب: received_messages_from_pages/2026-09-05/6a9bb2959c9f7-1788588693.jpeg
ارفاق ملف: received_messages_from_pages/2026-09-05/6a9bb2959cb19-1788588693.docx
روابط التواصل الاجتماعي: https://x.com/alk22977

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط