كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حين تصبح القصيدة سيرة وطن

حين تصبح القصيدة سيرة وطن

تاريخ النشر: 2026-03-14 | 12:08

ليس من السهل أن يكتب عن شاعر جمع بين الكلمة والموقف، بين التجربة الشعرية والسيرة النضالية، كما فعل الشاعر الفلسطيني عبد الناصر صالح. فالرجل الذي رحل بعد مسيرة امتدت لعقود لم يكن مجرد صوت شعري في المشهد الثقافي الفلسطيني، بل كان أحد أولئك الذين جعلوا من الشعر شكلًا من أشكال المقاومة، ومن القصيدة مساحةً للحرية والدفاع عن الذاكرة الوطنية.

 ولد عبد الناصر صالح في مدينة طولكرم عام 1957، ونشأ في زمنٍ كانت فيه فلسطين تعيش تحولات قاسية، بين الاحتلال والمقاومة، وبين الانكسار والأمل، وفي هذا المناخ تشكّلت تجربته الشعرية والإنسانية، فارتبط الشعر لديه مبكرًا بالقضية الوطنية، وأصبح التعبير عن فلسطين جزءًا لا يتجزأ من لغته الشعرية ورؤيته للعالم، وينتمي صالح إلى جيل السبعينيات من الشعراء الفلسطينيين، وهو جيلٌ كتب الشعر في لحظة تاريخية شديدة الحساسية، حيث كان الإبداع متداخلًا مع النضال السياسي والاجتماعي، ولذلك لم يكن الشعر لدى هذا الجيل مجرد تجربة جمالية، بل كان أيضًا خطابًا وطنيًا يعبّر عن هموم الشعب الفلسطيني وتطلعاته، وقد كان عبد الناصر صالح من أبرز أصوات هذا الجيل، بما امتلكه من لغة مباشرة وصادقة، ونبرة شعرية عالية الانحياز لفلسطين.

  تميّزت تجربة صالح الشعرية بكونها تجربة وُلدت في قلب المعاناة. فقد أمضى سنوات في المعتقلات الإسرائيلية، وهناك كتب عددًا من قصائده التي شكّلت لاحقًا جزءًا مهمًا من أدب السجون الفلسطيني، وفي تلك التجربة القاسية تحوّلت الزنزانة إلى فضاء للكتابة، وتحول القيد إلى دافع للإبداع، فكتب قصائده وكأنها محاولة لاستعادة الحرية عبر اللغة. ولهذا لُقّب بـ "شاعر الحرية"، وهو لقب يعكس بصدق جوهر تجربته الشعرية، وصدرت مجموعته الشعرية الأولى "الفارس الذي قُتل قبل المبارزة" عام 1980، وقد كتبها داخل سجن طولكرم عام 1977، لتكون شهادة مبكرة على تداخل الشعر مع التجربة النضالية، ثم توالت أعماله الشعرية مثل "داخل اللحظة الحاسمة" و"خارطة للفرح" و"المجد ينحني أمامكم"، وصولًا إلى أعمال لاحقة مثل "نشيد البحر" و"فاكهة الندم" و"مدائن الحضور والغياب"، وصولًا إلى مجموعته الأخيرة "لا بد من حيفا" التي نال عنها جائزة فلسطين للآداب، في هذه الأعمال، كان الوطن هو المحور المركزي للقصيدة، ولم يظهر الوطن في شعره بوصفه فكرة مجردة أو رمزًا بلاغيًا، بل ككيان حيّ يتجسدفي الأرض والمدينة والشجر والناس. ففلسطين في قصائده ليست فقط موضوعًا شعريًا، بل تجربة وجودية يعيشها الشاعر في كل تفاصيل حياته، لذلك نجد في شعره حضورًا دائمًا للأرض، ولأسماء المدن والقرى، ولرموز الطبيعة الفلسطينية مثل الزيتون والبرتقال وزهر اللوز.

 وإلى جانب تجربته الشعرية، كان عبد الناصر صالح حاضرًا بقوة في الحياة الثقافية والوطنية الفلسطينية، فقد شارك في تأسيس الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، وأسهم في العديد من المبادرات الثقافية، كما شغل مواقع ثقافية مهمة من بينها منصب وكيل وزارة الثقافة الفلسطينية. وفي كل هذه المواقع ظل وفيًا لفكرة الثقافة بوصفها جزءًا من معركة الهوية والدفاع عن الوجود الفلسطيني، وكان ناشطًا في الحراك الثقافي والأدبي، وشارك في مهرجانات وفعاليات ثقافية عربية ودولية، ممثلًا فلسطين وصوتها الثقافي، وقد تُرجمت بعض قصائده إلى لغات عدة، الأمر الذي أتاح لتجربته الشعرية أن تصل إلى قرّاء خارج العالم العربي.

إن ما يميز تجربة عبد الناصر صالح هو تلك الوحدة العميقة بين الشاعر والمناضل. فقد ظل مخلصًا للشعر بقدر إخلاصه لفلسطين، ولم يرَ تعارضًا بين الإبداع والالتزام، بل اعتبر أن القصيدة يمكن أن تكون شكلًا من أشكال النضال الثقافي والوطني، وبرحيله تخسر فلسطين شاعرًا كتبها بصدق، وتخسر الثقافة الفلسطينية أحد أصواتها التي ظلت وفيّة للكلمة وللموقف معًا. لكن الشعراء الحقيقيين لا يرحلون تمامًا، لأنهم يتركون في اللغة أثرهم، وفي الذاكرة حضورهم، وفي القصائد حياةً تستمر بعدهم.

هكذا سيبقى عبد الناصر صالح حاضرًا في المشهد الثقافي الفلسطيني، ليس فقط بوصفه شاعرًا كتب عن الوطن، بل بوصفه شاعرًا عاش الوطن في قصيدته، وجعل من الشعر سيرةً لفلسطين، ومن الكلمة طريقًا دائمًا إلى الحرية.

×
أخبار
انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط