كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حين تصبح دبلوماسية ملادينوف مرآة لرواية الاحتلال

حين تصبح دبلوماسية ملادينوف مرآة لرواية الاحتلال

تاريخ النشر: 2026-07-18 | 13:10

محمد مصطفى شاهين
محمد مصطفى شاهين

ليست المشكلة في خطاب نيكولاي ملادينوف أنه قدم رؤية سياسية مختلفة لما يجري في غزة بل إن جوهر الإشكال يكمن في أنه أعاد إنتاج الرواية الإسرائيلية داخل قاعة دولية في

اجتماع اللجنة الوزارية لمجموعة المانحين لفلسطين في بروكسل، 13 يوليو/تموز

يفترض أنها تبحث عن العدالة لا عن تثبي موازين القوة فحين تتحول لغة الوسيط إلى لغة الطرف الأقوى وحين تصبح أولويات الضحية مؤجلة إلى ما بعد تنفيذ اشتراطات المحتل فإننا لا نكون أمام وساطة سياسية بل أمام إعادة هندسة للصراع وفق معايير القوة لا وفق قواعد القانون الدولي.

لقد بدا الخطاب وكأنه يتحدث عن قطاع غزة مجردا من التاريخ ومن الحصار ومن الإبادة ومن الاحتلال. لم يأت على ذكر عشرات آلاف الشهداء ولا مئات آلاف الجرحى ولا المدن التي أزيلت من الخرائط ولا العائلات التي محيت من السجل المدني ،وكأن المأساة الإنسانية مجرد هامش في نص سياسي طويل بينما تحولت قضية السلاح إلى المتن الوحيد الذي يستحق النقاش.

إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه يعكس انتقال جزء من المجتمع الدولي من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة إعادة صياغة الواقع الفلسطيني بما يتوافق مع الرؤية الأمنية الإسرائيلية ،فالحديث عن سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد يبدو في ظاهره شعارا سياديا لكنه في سياق الاحتلال يتحول إلى أداة لتجريد الشعب الواقع تحت الاحتلال من عناصر قوته بينما يبقى جيش الاحتلال محتفظا بكل أدوات القتل والهيمنة دون مساءلة أو التزام مماثل.

إن القانون الدولي لا يساوي بين المحتل والشعب الواقع تحت الاحتلال. وحق الشعوب في مقاومة الاحتلال ليس امتيازا سياسيا تمنحه المؤتمرات الدولية بل حق أصيل كرسته المواثيق الدولية وقرارات الأمم المتحدة، ولذلك فإن اختزال الأزمة كلها في تفكيك البنية العسكرية الفلسطينية مع تجاهل البنية العسكرية للاحتلال يمثل انقلابا سياسيا وأخلاقيا على جوهر العدالة الدولية.

واللافت أن الخطاب تحدث مطولا عن وقف إطلاق النار وكأنه حقق الاستقرار بينما يتجاهل حقيقة دامغة يعرفها كل فلسطيني وهي أن القتل لم يتوقف. فمنذ إعلان الهدنة سقط أكثر من ألف ومئتي شهيد برصاص وغارات الاحتلال في انتهاك متواصل لكل التفاهمات، وهذا وحده يكشف أن الهدنة لم تكن نهاية للعدوان بل انتقالا إلى نمط آخر من القتل المنظم والضغط العسكري والسياسي. ولذلك فإن الحديث عن نجاح الهدنة دون الإشارة إلى هذه الجرائم ليس توصيفا للواقع بل إعادة صياغة له بما يخدم الرواية الإسرائيلية.

أما الحديث عن تحسن الوضع الإنساني فهو بدوره يتناقض مع الوقائع اليومية. فما تزال غزة تعيش أكبر كارثة إنسانية في تاريخها الحديث. ملايين الأطنان من الركام تغطي المدن. مئات آلاف الأسر بلا مأوى كريم. المياه ملوثة. شبكات الصرف الصحي مدمرة، المستشفيات تعمل بأقل من الحد الأدنى. المدارس تحولت إلى أنقاض أو مراكز نزوح. والناس يعيشون منذ ما يقارب ثلاثة أعوام بين الخيام والجوع والمرض وفقدان الأمان، هذه ليست مرحلة تعاف مبكر كما يحاول البعض تصويرها بل استمرار لحالة الانهيار الشامل التي صنعها الاحتلال.

إن الأولوية الوطنية والإنسانية اليوم ليست إنتاج هياكل سياسية انتقالية ولا إنشاء مجالس جديدة تتحدث باسم غزة تحت إشراف دولي. الأولوية الحقيقية هي وقف العدوان بشكل كامل وإنهاء سياسة القتل اليومي ورفع الحصار وفتح المعابر وإدخال مواد الإعمار دون قيود وتأمين إيواء كريم لكل أسرة فلسطينية فقدت منزلها. فلا معنى لأي حديث عن إعادة الإعمار بينما الطائرات لا تزال تحلق والدبابات لا تزال تتوغل والرصاص لا يزال يحصد أرواح المدنيين.

كما أن محاولة تقديم ما يسمى مجلس السلام أو اللجنة الوطنية باعتبارهما المدخل الوحيد لمستقبل غزة تثير أسئلة سياسية عميقة حول طبيعة الشرعية الفلسطينية ومن يملك حق تقرير مستقبل القطاع، فالقضية الفلسطينية ليست ملفا إداريا يخضع لإعادة الهيكلة بقرار دولي بل قضية تحرر وطني يحدد مسارها الشعب الفلسطيني عبر مؤسساته الوطنية الجامعة لا عبر ترتيبات تفرض تحت ضغط الحرب والاحتلال.

لقد أثبت التاريخ أن كل المشاريع التي حاولت تجاوز الإرادة الفلسطينية انتهت إلى الفشل. فمن كامب ديفيد إلى أوسلو وصولا إلى المبادرات الأمنية المتعاقبة بقي العامل الحاسم هو قدرة الشعب الفلسطيني على حماية حقوقه الوطنية ورفض أي صيغة تنتقص من هذه الحقوق. ولا يمكن لأي مشروع أن يحقق الاستقرار إذا كان قائما على إقصاء أحد مكونات الواقع الفلسطيني أو على فرض معادلات أمنية تلبي احتياجات الاحتلال أكثر مما تلبي تطلعات الشعب.

إن المطلوب من المجتمع الدولي ليس إنتاج خرائط طريق جديدة تركز على نزع السلاح وتتجاهل أصل الصراع، المطلوب هو العودة إلى القاعدة القانونية والسياسية التي تنص على إنهاء الاحتلال باعتباره أصل الأزمة. فلا يمكن بناء سلام فوق أنقاض العدالة ولا يمكن فرض الاستقرار عبر تكريس اختلال موازين القوة.

غزة لا تحتاج إلى خطابات تتحدث باسمها وهي غارقة في الدم والركام. غزة تحتاج إلى موقف دولي يمتلك الشجاعة الأخلاقية ليقول إن الاحتلال هو أصل المأساة وإن حماية المدنيين ليست منحة سياسية بل التزام قانوني وإن إعادة الإعمار تبدأ بإيقاف آلة الحرب لا بإعادة ترتيب المشهد السياسي وفق الشروط الإسرائيلية.

سيبقى الشعب الفلسطيني يطالب بحقه في الحرية والكرامة والدولة المستقلة. وسيبقى أي مشروع يتجاهل هذه الحقيقة مجرد محاولة لإدارة الأزمة لا لحلها. فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب قد تصبر على الألم لكنها لا تتنازل عن حقها وأن الأوطان لا تبنى بإملاءات المنتصر بل بإرادة أصحابها.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط