كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حين تفشل الهزيمة في صناعة النصر

حين تفشل الهزيمة في صناعة النصر

تاريخ النشر: 2026-06-14 | 10:24

أخطر ما يمكن أنْ يفعله المهزوم، فردًا كان أم جماعة أم دولة، ليس خسارة المعركة ذاتها، بل العجز عن تشخيص أسباب الهزيمة والجرأة على مواجهتها. فالمُقامر والمُغامر ينتظران دائمًا ضربة حظ تُعوّض الخسائر، ويُبددان الوقت والقدرات في محاولة تزيين الهزيمة أو تحسين شروطها في أفضل الأحوال.
أمّا الأفراد والجماعات والكيانات الحيّة القادرة على النهوض، فهي لا تتوقف عن طرح الأسئلة الصعبة: أين أخطأنا؟ ولماذا أخطأنا؟ وما السنن والثوابت التي خالفناها؟ وما الذي ينبغي فعله كي نحصد نتائج مختلفة في المستقبل؟

الشك واليقين في هذا السياق ليسا نقيضين مطلقين، بل يتداخلان في مسار التجربة الإنسانية، فالشك لم يكن يومًا عدوًا للحقيقة إذا كان شكًا صادقًا يسعى إلى المعرفة، بل هو مدخلها الأول ومختبرها الدائم. كما أنّ اليقين ليس فضيلة في ذاته إذا كان يقينًا موروثًا جامدًا يدعو إلى التسليم الميكانيكي دون أنْ يمرّ بميزان العقل والضمير والوجدان، فيتحوّل عندها من يقين مُنتِج إلى يقين مُعطِّل.

فالتاريخ لا يعرف المفاجآت بقدر ما يعرف التراكمات؛ وهو لا يكافئ المُقامرات بقدر ما يكافئ الإعداد، ولا يجزي الأوهام بقدر ما يجزي الاعتراف بالخطأ واستخلاص العبر من الهزيمة.
فالتحرير ليس أمنيات، والنهضة ليست صدفة، والنصر لا يُولد عشوائيًا، ولا ينشأ من تناقضات تحمل أسباب فشلها منذ لحظة ولادتها.

وفي هذا السياق، تُظهر التجارب التاريخية أنّ الهزيمة ليست نهاية المسار بالضرورة، بل قد تتحوّل إلى نقطة انطلاق جديدة حين تُواجه بوعي نقدي صارم. فقد تمكنت فيتنام من تحويل هزائمها المتكررة إلى نصر تاريخي، ليس بالقوة العسكرية وحدها، بل عبر مراجعة داخلية عميقة وإعادة صياغة أدواتها واستراتيجياتها بما يتلاءم مع الواقع. وكذلك فعلت ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، حين تحولتا من أنقاض هزيمة ساحقة إلى قوى اقتصادية كبرى، نتيجة مراجعة جذرية لبنياتهما السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وفي المقابل، تُظهر بعض التجارب في المنطقة العربية، سيّما الفلسطينية، أنّ غياب المراجعة النقدية العميقة قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الهزيمة بأشكال مختلفة، حيث تتكرر أنماط الصراع ذاتها دون إعادة تعريف للأدوات أو الأهداف أو العلاقة بين الفعل السياسي والمجتمع؛ فيتحوّل الاستمرار في النهج نفسه، رغم تغير السياقات، إلى إعادة تدوير للأزمة بدل تجاوزها، بما يُضعِف القدرة على تحويل التضحيات إلى نتائج استراتيجية مستدامة.

النجاح الحقيقي في الحياة عمومًا، وفي العمل السياسي على وجه الخصوص، يبدأ من إدراك قيمة "الآن" بوصفها مساحة لاتخاذ القرار، لا لحظة التأمل المجرد؛ فالأُمم لا تُدار بالانتظار ولا تُبنى بالمراهنة على المستقبل، بل بالقدرة على تحويل اللحظة الراهنة إلى فعل واعٍ يعيد تشكيل المسار؛ فكل تأجيل للقرار هو شكل من أشكال صناعة الفراغ، وكل تردد في لحظة التحوّل يعيد إنتاج الأزمة بدل تجاوزها.

والمستقبل ليس محطة تصلها الشعوب تلقائيًا، بل مسار يُصنع من تراكم الخيارات الصحيحة في الحاضر. ومن هنا فإنّ "الآن" ليست شعارًا تحفيزيًا، بل نقطة التقاء بين الإرادة السياسية والوعي الجمعي، بين تشخيص الواقع واتخاذ القرار، وبين إدراك الأخطاء والشروع في تصحيحها.
وعلى هذا المستوى، فإنّ ما يبدو قرارًا فرديًا في وعي القائد أو صانع القرار يتحوّل إلى بنية جماعية تحدد مصير شعب كامل، ما يجعل من إدارة "الآن" معيارًا للفشل أو النجاح، لا في الحياة الفردية فحسب، بل في التاريخ أيضًا.

وإنْ لم تصل التجارب السياسية في المختبر الغزي إلى
مستوى إدراك قوانين التاريخ، فإنّ ما يجري اليوم لن يكون استثناءً في مسار الصراع، بل صورة متكررة للوقوف على حافة الهاوية والصراخ خوفًا من السقوط، فيما تغيب الأسئلة المتعلقة بكيفية الوصول إليها، وسبل الفكاك والخروج منها، فتُعاد إنتاج الهزيمة بأدوات جديدة مهما تبدلت الشعارات والوجوه.

فالتاريخ لا يمنح استثناءات دائمة، بل يمنح فرصًا مشروطة بالوعي والفعل، ومن لا يُراجع مساره في ضوء التجربة يتحوّل من صاحب قضية إلى أسير لها، ومن مشروع تحرر إلى حالة استنزاف ممتد.
وهكذا، فإنّ من لا يتعلم من الهزيمة لا يخرج منها، بل يعيد إنتاجها بصيغ مختلفة، حتى تتحوّل من حدث عابر إلى مسار تاريخي متكرر، ومن تجربة سياسية إلى بنية فشل مستمرة.
وعندها تمضي السنن كما مضت في تجارب سابقة، إلى حيث لا تُكافأ المُقامرة ولا تُغتفر الأخطاء المتكررة، فالتاريخ في النهاية لا ينتظر أحدًا، ولا يمنح شرعية لمن يعيد تدوير العجز.

و في السياق ذاته، وعلى الرغم من أنّ إسرائيل تنظر إلى الصراع بوصفه صراعًا وجوديًا، وما يفرضه ذلك من سياق جيوسياسي بالغ التعقيد، واختلال كبير في موازين القوى، وتوازنات دولية غير متكافئة، فإنّ هذه المعطيات، على أهميتها، لا تُلغي ضرورة الاحتكام إلى منطق الفعل السياسي وقوانين التاريخ؛ وإنْ لم يرتقِ أصحاب القرار في المشهد الفلسطيني، وخصوصًا في غزة، إلى مستوى المسؤولية الوطنية والتاريخية، فإنّ سنن التاريخ وقوانين الاجتماع البشري ستمضي بهم إلى صحاري السياسة ومنافي التاريخ، حيث لا مكان لمن يكرر الأخطاء ذاتها وينتظر نتائج مختلفة، ولا لمن يفتقر إلى الشجاعة التاريخية في مراجعة خياراته أو يلوذ بالتذاكي السياسي المُسِفّ هربًا من مواجهة الحقائق.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط