كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حين كان البيتُ وطنًا... ثم صار الركامُ مقبرةً للعائلة

حين كان البيتُ وطنًا... ثم صار الركامُ مقبرةً للعائلة

تاريخ النشر: 2026-08-03 | 13:51

سامي إبراهيم فودة
سامي إبراهيم فودة

الشهيد الحاج محمد حسن محمود سعيد خلة "أبو يوسف"... سيرةُ رجلٍ بنى الحياة، فهدمته الحربُ وهو يحتضنها

ليست كلُّ الشهادات تُروى بالأرقام، فهناك رجالٌ إذا رحلوا، انطفأت معهم قريةٌ كاملة من الحنان، وسقطت شجرةٌ كانت تظلّل أبناءها والعابرين إليها.

كان الشهيد الحاج محمد حسن محمود سعيد خلة "أبو يوسف"، المولود في الثالث من أيلول عام 1957، من أبناء يافا الأصيلة الذين حملوا الوطن في الذاكرة، وحملوا الكرامة في السلوك، ولم يسمحوا للتهجير أن ينتزع منهم جذورهم.

لم يكن رجلًا عاديًا؛ كان أبًا حين يحتاج الأبناء إلى الأبوة، وأخًا حين تضيق الحياة، وجارًا لا يُردُّ سائلٌ من بابه، وجدًا يرى في ضحكات أحفاده أعظم ما ادخرته له الدنيا.

عرفه الناس كريمًا، بشوشًا، قريبًا من القلوب، يألفهم ويألفونه، وكانت سيرته تسبقه إلى المجالس. وفي شبابه، خدم ضابطًا في السلطة الوطنية الفلسطينية، فعُرف بالشجاعة والانضباط والإخلاص، قبل أن يتقاعد ليواصل رسالته في بناء أسرته، مؤمنًا أن أعظم الإنجازات ليست المناصب، بل البيوت التي يسكنها الحب.

امتلك قطعة أرض، لكنها لم تكن عنده مجرد ملكية، بل مشروع عمر. بدأ يبني بيتًا فوق بيت، وطابقًا فوق طابق، حتى أصبحت عمارةً كبيرة جمعت أبناءه جميعًا تحت سقفٍ واحد، وكأنه كان يريد أن يهزم الزمن، فلا يترك الفراق منفذًا إلى عائلته.

وحول العمارة، غرس أشجار التين والزيتون والرمان والجوافة، ولم تكن ثمارها تعرف أصحابها؛ فقد كانت تصل إلى الجار، والقريب، والمحتاج، كما تصل إلى أبنائه. كان يؤمن أن البركة لا تسكن ما يُحتكر، بل ما يُعطى.

وكانت كلمة "يا با" تكفي لتفتح أبواب الحلول، فما طلبه أحد أبنائه إلا وسارع إليه، وما ضاقت بهم الدنيا إلا اتسعت بوجوده.

وكانت زوجته، رفيقة دربه، الوجه الآخر لهذه الجنة الصغيرة؛ كثيرة الدعاء، واسعة القلب، تغمر أبناءها وزوجاتهم وأحفادها بحنانٍ لا ينضب، حتى بدا البيت وكأنه قطعةٌ من الطمأنينة وسط عالمٍ مضطرب.

ثم جاءت الحرب...

حربٌ لم تكتفِ بقصف الحجر، بل قررت أن تغتال معنى الأسرة.

خرجت العائلة من بيتها مكرهة، تحمل مفاتيح الذكريات أكثر مما تحمل متاعها، متنقلةً من نزوحٍ إلى نزوح، حتى جاء اليوم الذي تفرقت فيه لأول مرة.

كان الجد والجدة وابنان في "قصر الماسة"، بينما بقي ابنان آخران في عمارة المحمود، ولم تكن المسافة بينهما سوى أربعمائة متر، لكنها كانت في زمن الحرب أبعد من قارات الأرض.

كانت الاتصالات لا تنقطع، والقلوب معلقة بالدعاء.

وفي تلك الأيام القاسية، أطلق الابن الشهيد حمزة مبادرةً لسقاية الناس من بئر ماء، يبذل جهده ليخفف شيئًا من قسوة العطش عن المحاصرين.

وفي أحد أيام المجاعة، أهدى أحد الجيران إليه كيلوغرامًا من اللحم.

كانت هديةً صغيرةً في نظر الناس، لكنها عند المحاصرين كانت حلمًا كبيرًا.

فرح بها حمزة فرحًا لا يوصف، لكنه رفض أن يأكلها وحده، وأصر أن يجتمع الجميع كما كانوا دائمًا.

وفي الخامس من رمضان، الموافق الخامس عشر من آذار 2024، التأمت العائلة مرة أخرى حول مائدة واحدة.

كانت جلسةً مختلفة...

كأن القلوب كانت تشعر أن هذا اللقاء هو الوداع الأخير.

وقبيل الإفطار عاد حمزة إلى بيته.

ولم تمضِ ساعات، وبينما كانت الأسرة تؤدي صلاة التراويح، دوّى الهاتف بعشرات الاتصالات:

"ألحقوا... قصفٌ بجوار أهلكم!"

ركض الجميع.

كان الركض يومها أشبه بمحاولة اقتلاع الأرض بالأيدي.

وكان القلب يسبق الأقدام.

وفجأة ارتفع صوتٌ ينادي:

"يمّا..."

حينها فقط عرفوا أن الصاروخ أصاب البيت.

صار الركام هو السقف.

وصارت الحجارة جدارًا بين الأحياء وأحبائهم.

راح الجميع ينادون أسماءهم، ويرفعون أكفهم إلى السماء:

"يا رب... لا تجعلهم تحت الأنقاض أحياءً يتألمون... وإن كتبت لهم الشهادة، فارزقنا الصبر."

لكن الحقيقة كانت أقسى من الدعاء.

استشهد الحاج أبو يوسف.

واستشهدت زوجته.

واستشهد ابنهما حمزة مع أسرته.

واستشهد أبناء ابنهما أحمد.

أما أحمد، فكان خارج المنزل يزور أحد الجرحى، ولما عاد بسيارة إسعاف، كان يسأل السائق في لهفة:

"أين مكان القصف؟"

وحين وصل، وجد أن الصاروخ لم يهدم البيت فقط، بل هدم عمره كله.

أما ابنتهما، التي كانت عالقة في جنوب القطاع، فلم تستطع أن تحتضن والديها للمرة الأخيرة، ولم تتمكن حتى من وداعهما قبل دفنهما، فكان ذلك واحدًا من أكثر أوجاع الحرب قسوة.

وفي صباح اليوم التالي، وقف الأبناء أمام الركام يبكون، وكأنهم ينتظرون أن يجيبهم الحجر.

قال أحدهم بحرقة:

"يا با... ليش إحنا واقفين بنعيط؟ يلا نطلعهم... بأي طريقة."

لكن الرد كان مؤلمًا:

"تعال... شمّ رائحة المسك... هذه رائحة الشهداء... والله لو كان بأيدينا شيء لفعلناه."

غير أن اليأس لم يعرف طريقه إلى قلوبهم.

قرر الإخوة الثلاثة، ومعهم نفرٌ من الأقارب والأصدقاء، أن يخوضوا معركةً جديدة.

لم تكن معركة ضد جيش.

بل ضد الركام.

ضد الإسمنت المسلح.

ضد الزمن.

وضد العجز.

بدأوا يحفرون بمطارق ومناشير يدوية، بلا كهرباء، ولا معدات إنقاذ، ولا آليات.

كان الأمر أشبه بمن يحاول نحت جبلٍ بإبرة.

ثم جاء حصار مجمع الشفاء، فتوقفت المحاولة قسرًا.

لكن ما إن انتهى الحصار حتى عادوا إلى المكان، وكأنهم يلبون نداءً يسمعه القلب وحده.

ثمانية وعشرون يومًا كاملة...

ثمانية وعشرون يومًا بين الإسمنت والحديد والغبار.

كانوا يحفرون ممرات سقوفها الردم، وأرضها الردم، وجدرانها الردم.

يتتبعون رائحة الأجساد.

ويفرحون إذا ظهرت يدٌ بين الحجارة.

يربطونها بحبل، ويسحبونها برفق، خوفًا من أن يؤذوا أصحابها بعد الموت.

أحيانًا يخرج الجسد كاملًا، فيوقنون أن صاحبه ارتقى.

وأحيانًا لا يجدون سوى يد، أو قدم، أو قطعة ثوب، فيحاولون التعرف إليها من حجمها أو لون لباسها.

كان الألم يفوق الوصف.

لكن كل قبرٍ كانوا يحفرونه، كان انتصارًا صغيرًا على الحرب.

وكل شهيدٍ يخرجونه من تحت الركام، كان استعادةً لحقه في الكرامة.

وهكذا تمكنوا، بعون الله، من انتشال أفراد عائلتهم التسعة، ومعهم عدد من جيرانهم الذين شاركوهم المصير نفسه.

لقد أرادت الحرب أن تتركهم أرقامًا مجهولة تحت الإسمنت.

لكن أبناءهم رفضوا.

أرادت أن تدفن الذاكرة.

فحفروا بأيديهم لتبقى الذاكرة حيّة.

هذه ليست حكاية عائلةٍ فلسطينية فقط.

إنها شهادةٌ على أن الإنسان الفلسطيني، حتى وهو يدفن أحبته بيديه، لا يتخلى عن إنسانيته، ولا يساوم على الوفاء، ولا يسمح للحرب أن تنتصر على الحب.

رحم الله الشهيد الحاج محمد حسن محمود سعيد خلة "أبو يوسف"، وزوجته، وأبناءه، وأحفاده، وجميع شهداء العائلة.

سيبقى البيت الذي بنوه حاضرًا في الوجدان، وإن صار ركامًا.

وستبقى الأشجار التي غرسها شاهدةً أن أصحابها كانوا يزرعون الحياة، بينما كانت الحرب تزرع الموت.

وستبقى سيرتهم، ما بقي في فلسطين قلبٌ يحفظ الوفاء، ولسانٌ يروي حكايات الرجال الذين بنوا البيوت بالمحبة، وغادروها شهداء تحت حجارتها.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط