كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حين يتعبَّد الكاتب..في محراب الإبداع

حين يتعبَّد الكاتب..في محراب الإبداع

تاريخ النشر: 2026-07-15 | 13:06

محمد المحسن
محمد المحسن

- "رأيي صواب يحتمل الخطأ،ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب."(الإمام الشافعي،رحمه الله)

-لا ينتصر الكاتب بكثرة المصفقين،ولا ينكسر بكثرة المنتقدين،بل ينتصر حين يبقى وفيا لضميره،صادقا مع رسالته،نقيّا في مقصده..( الكاتب)

في عالم تتسارع فيه الأحكام،وتعلو فيه ضوضاء المنصات على هدوء الفكرة،يصبح الثبات على المبدأ موقفا نادرا،وتغدو الكلمة الصادقة امتحانا حقيقيا لصاحبها.وفي خضم هذا الصخب،يبقى الكاتب الأصيل وفيّا لرسالته،لا يستمد قيمته من تصفيق الجماهير،ولا تنال من عزيمته سهام الانتقاد،لأنه يعلم أن الحقيقة لا تُقاس بحجم الضجيج الذي يحيط بها،بل بعمق الأثر الذي تتركه في العقول والقلوب.

لقد أصبح كثيرون اليوم يقيسون نجاح الإنسان بعدد المؤيدين أو المنتقدين،وكأن قيمة الفكرة تُختزل في صداها لا في مضمونها.غير أن الكاتب الحقيقي لا يبدد عمره في ملاحقة الأحكام أو الانشغال بكل صوت عابر،لأنه يدرك أن الزمن لا يحتفظ إلا بما كُتب بإخلاص،وأن الكلمة التي خرجت من قلب صادق ستجد طريقها إلى القلوب، ولو تأخر وصولها.أما الضجيج،فمصيره أن يخفت، والخصومات إلى زوال،بينما يبقى الأثر الطيب شاهدا على صدق الرسالة ونبل صاحبها.

لقد اخترت منذ زمن أن أجعل الكتابة وطني،وأن أتعبد في محرابها،لأنها بالنسبة إليّ ليست هواية تُمارس في أوقات الفراغ،ولا وسيلة لطلب الشهرة أو استجداء الإعجاب،بل رسالة أخلاقية، ومسؤولية فكرية،وشهادة على العصر.فالكتابة تمنح الأفكار حياة تتجاوز أصحابها،وتحفظ القيم من النسيان،وتمنح الإنسان فرصة أن يترك أثرا يبقى بعد رحيله،لأن الأعمار محدودة،أما الكلمة الصادقة فقد تُخلّد صاحبها إلى الأبد.

ولذلك،لا يعنيني كثيرا ما يكتبه الآخرون عني، مدحا كان أم ذمّا،لأن الإنسان لا تصنعه أوصاف الناس،بل تصنعه أخلاقه،ومواقفه،وصدق عمله، وما يغرسه من خير في نفوس الآخرين.فكرامة الإنسان لا يمنحها المديح،ولا يسلبها النقد،وإنما يحفظها الضمير الحي،والنفس المتزنة،والالتزام بالمبادئ مهما اشتدت العواصف.

ومن هذا المنطلق،لم أجد يوما نفسي معنيا بخوض معارك جانبية تستنزف الفكر والوقت،أو بإطلاق الأحكام على الأشخاص والصفحات.فالقلم لم يُخلق ليهدم،بل ليبني،ولم يُمنح صاحبه ليشعل الخصومات،بل ليفتح أبواب الحوار،ويقرب المسافات بين العقول،ويزرع بذور الوعي في أرض عطشى إلى الحكمة.

وما أحوج مجتمعاتنا اليوم إلى أدب الاختلاف،في زمن أصبح فيه الرأي المخالف سببًا للخصومة، بدل أن يكون فرصة للتكامل وإثراء الفكر.

ولعل من أروع ما جسّد هذه القيم الخالدة قول الإمام الشافعي،رحمه الله: "رأيي صواب يحتمل الخطأ،ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب."

 إنها ليست مجرد عبارة بليغة،بل دستور أخلاقي وفكري،يعلم الإنسان التواضع أمام الحقيقة، ويغرس في قلبه احترام المختلف،ويؤكد أن الحكمة ليست حكرا على أحد،وأن الحقيقة الكاملة لا يملكها بشر.

ولو أصبحت هذه القاعدة ثقافة راسخة في حياتنا،لتحول اختلاف الآراء إلى مصدر للإبداع، وأصبح الحوار سبيلا للرقي،لا وقودا للعداوات والانقسامات.فالأمم لا تنهض بتشابه العقول،وإنما بتنوعها،ولا تتقدم بإلغاء الآخر،وإنما بالإنصات إليه واحترام حقه في التعبير،لأن الحضارة تُبنى بالتعدد،لا بالإقصاء.

إن الكاتب الحقيقي لا يكتب لينتصر لنفسه،بل لينتصر للفكرة النبيلة،ولا يحمل قلمه ليهزم خصومه،بل ليوقظ الضمائر،ويزرع الأمل،ويعيد للكلمة مكانتها بوصفها رسالة بناء وإصلاح.فحين يكون الضمير هو الحاكم،تتحول الكتابة إلى نور يهدي،وإلى مسؤولية لا تعرف المساومة،وإلى عهد دائم مع الحقيقة والإنسان.

وفي نهاية المطاف،لا يبقى من الإنسان إلا ما غرسه في العقول والقلوب،ولا يبقى من القلم إلا ما خطّه بضمير حيّ ورسالة صادقة.أما الضجيج فتذروه رياح الأيام،وتذبل الخصومات كما تذبل الأوراق اليابسة،بينما تظل الكلمة النبيلة نورا لا ينطفئ،وجسرا يعبر عليه الناس نحو المعرفة والمحبة والوعي.وإن أعظم انتصار يمكن أن يحققه الكاتب ليس أن يُسكت مخالفيه،بل أن يسمو بأخلاقه،ويخلص لفكرته،ويجعل من قلمه شاهدا على إنسانيته.فالتاريخ لا يخلّد أصحاب الأصوات الأعلى،وإنما يخلّد أصحاب الرسالة الأصدق،أولئك الذين آمنوا بأن الكلمة أمانة،وأن خدمة الإنسان هي أسمى الغايات،وأن الحرف إذا خرج من قلب نقيّ،ظل حيا في ذاكرة الزمن،مهما تبدلت الوجوه وتعاقبت الأجيال.

وفي النهاية،لا ينتصر الكاتب بكثرة المصفقين،ولا ينكسر بكثرة المنتقدين،بل ينتصر حين يبقى وفيا لضميره،صادقا مع رسالته،نقيا في مقصده. فالكلمة التي تُكتب بإخلاص لا يطفئ نورها ضجيج العابرين،لأنها خُلقت لتبقى أثرا في الوجدان،وشعلة تهدي العقول،وشهادة خالدة على أن أنبل الأقلام هي تلك التي كتبت للإنسان، وللحقيقة،وللخير.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط