كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حين يتقدم الصراع على المكانة والمكان… يتراجع المشروع الوطني الفلسطيني

حين يتقدم الصراع على المكانة والمكان… يتراجع المشروع الوطني الفلسطيني

تاريخ النشر: 2026-07-27 | 12:29

بقلم: وليد العوض

في السياسة، لا تتحرك القوى الفاعلة دائماً بدافع المبادئ المجردة وحدها، بل كثيراً ما تتأثر بحسابات البقاء، والخوف من التهميش، والسعي إلى الحفاظ على المكانة، أو البحث عن مكان يضمن استمرار النفوذ والتأثير. وفي التجربة الفلسطينية، تبدو العلاقة بين المكانة والمكان واحدة من أكثر العلاقات تعقيداً وتأثيراً في صناعة القرار السياسي.

كان الراحل بشير البرغوثي، الأمين العام للحزب الشيوعي الفلسطيني (حزب الشعب لاحقاً)، يقدم تفسيراً لجوهر التحول الذي قاد قيادة منظمة التحرير الفلسطينية إلى فتح قناة تفاوض سرية انتهت بالتوقيع على اتفاق أوسلو، رغم أن المسار التفاوضي الرسمي في مدريد كان قائماً بقيادة الدكتور حيدر عبد الشافي، ومتمسكاً بمطلب وقف الاستيطان قبل الانتقال إلى أي تسوية سياسية.

لم يكن البرغوثي ينكر حجم الضغوط الدولية والإقليمية التي تعرضت لها قيادة المنظمة بعد الخروج من بيروت عام 1982، ولا حالة الحصار المالي والسياسي الخانقة التي عاشتها، وإغلاق عواصم عربية عديدة أبوابها أمامها، والتهديد بعدم توفير المأوى لقيادتها ولآلاف المقاتلين الذين غادروا بيروت منهكين. لكنه كان يضيف عاملاً آخر لا يقل أهمية، يتمثل في الخشية من أن تؤدي الانتفاضة الفلسطينية إلى نشوء مركز قيادة سياسي داخل الأرض المحتلة، بما يهدد الموقع التاريخي لمنظمة التحرير وقيادتها.

من هنا، كان يرى أن القيادة ذهبت إلى أوسلو مدفوعة ليس فقط بالبحث عن حل سياسي، وإنما أيضاً بالرغبة في الجمع بين الحفاظ على المكانة والحصول على المكان. فقد أعاد الاتفاق قيادة المنظمة إلى الداخل، ومنحها سلطة على جزء من الأرض الفلسطينية، فأصبحت تمتلك الجغرافيا إلى جانب الشرعية السياسية، حتى وإن كان ذلك ضمن القيود التي فرضها الاحتلال والاتفاق نفسه.

هذه القراءة، سواء اتفق المرء معها أم اختلف، تطرح سؤالاً لا يزال صالحاً اليوم: هل يعيد التاريخ الفلسطيني إنتاج نفسه؟

إذا تأملنا المشهد الراهن، نجد أن حركة حماس، وهي تخوض مفاوضات معقدة حول مستقبل قطاع غزة، لا تفاوض فقط على وقف إطلاق النار، والانسحاب من القطاع، وإعادة الإعمار، بل تفاوض أيضاً على موقعها في النظام السياسي الفلسطيني بعد الحرب. فهي تدرك أن نهاية الحرب قد تعني نهاية سيطرتها على القطاع، ولذلك تخوض معركة سياسية هدفها ألا تتحول نتائج الحرب، بكل ما حملته من دمار وتضحيات، إلى إقصاء كامل لها من معادلة الحكم. ومن هنا يمكن فهم كثير من مواقفها ومناوراتها بوصفها سعياً للحفاظ على مكانتها، وتأمين موقع لها في ترتيبات اليوم التالي، حتى وإن أدى ذلك إلى إطالة أمد التفاوض، أو إلى تحميل المجتمع الفلسطيني أثماناً باهظة يختلف الفلسطينيون في تقدير ضرورتها وجدواها.

وفي المقابل، لا تبدو القيادة الرسمية الفلسطينية بعيدة عن المنطق ذاته. فهي تتمسك، بحق، بكونها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، لكنها تسعى أيضاً إلى أن تكون البوابة الحصرية لأي ترتيبات سياسية أو أمنية أو إدارية في غزة والضفة الغربية، بما يحافظ على موقعها في النظام السياسي. وفي هذا الإطار، يمكن قراءة الاستعدادات للانتخابات الفلسطينية المتوقعة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، بوصفها جزءاً من معركة إعادة إنتاج الشرعية، لكنها أيضاً جزء من الصراع على من يمتلك الموقع القيادي في المرحلة المقبلة.

وهكذا، تبدو الساحة الفلسطينية وكأنها تعيش مفاوضات متوازية: مفاوضات مع الاحتلال، ومفاوضات مع الوسطاء، ومفاوضات داخلية غير معلنة حول من سيملك السلطة، ومن سيقود النظام السياسي، ومن سيحتكر تمثيل الفلسطينيين.

المشكلة لا تكمن في أن كل قوة سياسية تسعى إلى الحفاظ على وجودها؛ فهذا سلوك طبيعي في عالم السياسة. المشكلة تبدأ عندما تصبح المكانة هدفاً بحد ذاتها، ويصبح المكان غاية تتقدم على المشروع الوطني. عندها تتحول السلطة من وسيلة إلى غاية، ويتراجع سؤال التحرر أمام سؤال الحكم، ويتقدم الصراع على النفوذ على حساب الصراع مع الاحتلال.

وربما تكون هذه هي المعضلة الكبرى التي رافقت الحركة الوطنية الفلسطينية منذ أوسلو وحتى اليوم. فكلما اشتد الخطر على القضية، ارتفعت أيضاً حدة التنافس على من يمثلها. وكلما تقلصت الأرض تحت أقدام الفلسطينيين، اتسع الصراع على إدارة ما تبقى منها. وكلما ازدادت الحاجة إلى شراكة وطنية، تعززت نزعات الاحتكار والإقصاء.

إن أخطر ما يمكن أن يواجه المشروع الوطني الفلسطيني ليس اختلاف البرامج السياسية، بل أن تتحول المنافسة على المكانة والمكان إلى البديل الفعلي عن التنافس على كيفية إنهاء الاحتلال وتجسيد الحقوق الوطنية. فحين تصبح السلطة أهم من الوطن، والموقع أهم من المشروع، لا يعود التاريخ يعيد نفسه فحسب، بل يعيد إنتاج أخطائه أيضاً.

ولعل أخطر ما يواجه الحركة الوطنية الفلسطينية اليوم ليس الاحتلال وحده، بل أن تتحول المنافسة على إدارة ما تبقى من الوطن إلى بديل عن النضال من أجل تحريره. فحين يصبح السؤال: من يحكم؟ قبل السؤال: كيف ننهي الاحتلال؟ نكون قد انتقلنا من صراع على الحرية إلى صراع على السلطة.

ولقد علمتنا التجربة الفلسطينية، منذ أوسلو وحتى اليوم، أن القضية لا تخسر فقط عندما ينتصر الاحتلال، بل تخسر أيضاً عندما يتحول التنافس بين القوى الفلسطينية من التنافس على أفضل السبل لإنجاز المشروع الوطني، إلى التنافس على من يحتل الموقع الأول في النظام السياسي. فالمشروع الوطني هو الذي يمنح المكانة معناها، وليس العكس. أما حين تصبح المكانة هي الغاية، ويتحول الوطن إلى مجرد ساحة للتنافس عليها، فإن القضية لا تتقدم، بل تدور في الحلقة ذاتها، ويعيد التاريخ إنتاج أزماته وأخطائه.27-7-2026

×
أخبار
نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط