كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حين يُسأل الناجون: ماذا قدمتم؟!

حين يُسأل الناجون: ماذا قدمتم؟!

تاريخ النشر: 2025-08-16 | 12:43

 

ماذا قدمتم؟!

سؤال يتكرر كطعنةٍ في الذاكرة، كأن الإنسان لا يُحسب إلا بما يُنجزه على الورق أو بما يتركه من آثار تُرى بالعين. لكن من يجرؤ على إنكار أن البقاء نفسه في وجه العاصفة هو أعظم ما يمكن أن يُقدَّم؟ من يجرؤ أن يسأل الناجي من الجحيم: ماذا قدّمت، وهو قد دفع حياته وأحلامه قربانًا ليبقى على قيد الوعي؟

أنا ابنة غزة، ابنة أربعة حروبٍ متعاقبة، وذاكرةٍ مثقلة بما يفوق قدرة الكلمات. من 2008 إلى 2021 عشتُ تحت النار والدخان، وكل حرب كانت تنحت في روحي ندبة جديدة. لكن حرب 2014 كانت الأكثر قسوة؛ حين كنا محاصرين في منزلنا ساعات طويلة قبل مغادرته، كاد والدي يُفقد تحت الركام بعدما قُصف البيت، وتشردنا بعدها إلى مأوى لا يعرف معنى الأمان ولا طعم الكرامة. لم تكن البيوت وحدها ما سقط، بل سقطت معها ثقتنا بأن الغد يمكن أن يكون أرحم.

وفي الحرب الأخيرة 2023، لم نفقد جدرانًا فقط، بل فقدنا أرشيف ذاكرة كاملة. مكتبة والدي، التي جمع فيها خمسة آلاف كتاب من عرق جبينه، كانت من أكبر المكتبات الخاصة في غزة، تحولت إلى رمادٍ بلا أثر. تلك المكتبة لم تكن مجرد كتب، بل كانت امتدادًا لرحلة حياة، ومشروع وعي، وصوتًا يقول إن الثقافة هي شكل آخر من أشكال المقاومة. ومعها خسرنا بيوتنا، مركزنا التعليمي الذي كان يخدم الأطفال والشباب بالأنشطة المختلفة، خسرنا مسجدنا، وشركتنا التي بنيناها حجراً حجراً.

ولم تقتصر الخسارة على الحجر والمعرفة وحدها، بل تسللت إلى أعماق عقولنا وأجسادنا. فكل حرب تترك صدمة نفسية تمحو أجزاء من الذاكرة، وكأن الدماغ يرفض أن يحتفظ بالمشاهد كي ينجو. وجدنا أنفسنا نقاوم لا من أجل البناء فقط، بل من أجل استعادة القدرة على التذكر، على الحفظ، على استرجاع أبسط المعلومات. كأننا في كل مرة نُجبر على البدء من جديد، نصارع كي نمتلك عقولنا مرة أخرى، وكي لا نصبح غرباء حتى عن أنفسنا. إنها حرب خفية موازية للدمار المادي، حرب داخلية مع النسيان والشرخ النفسي، لا يراها أحد لكنها تنهش كل ما تبقى من قوة فينا.

لكن الخسارات لم تتوقف عند الحجر والورق، بل امتدت إلى البشر والوجوه التي كانت تمنح حياتنا معنى. فقدتُ عمي وزوج عمتي وبعضًا من أحفادها، رحلت جدتي التي كانت تمثل الجذر، وفقدت صديقتي وعائلتها كاملة حتى مُحي اسمها من السجل المدني، وكأنها لم تمر يومًا على هذه الأرض. فقدت زملائي وأحلامهم، فقدت تفاصيل يومية كانت تصنع عالمي الصغير.

ثم يأتي السؤال: ماذا قدمت؟

يا أخي، يكفي أنني لم أرَ أهلي منذ سنوات، أعيش في الغربة وهم أحياء، أحتضنهم فقط في أحلامي. عندما أمرض أو أتعب لا أجد يدًا من دمائي قربي، بينما قلوبهم تنبض في مكان آخر. اخترت الغربة لأنني لم أعد أحتمل أن أكون أسيرة مهاترات حماس والفصائل التي حولت حياتنا إلى ساحة صراع لا تنتهي.

ماذا قدّمت؟ قدمت شبابي وذاكرتي وحياتي. دفعت ثمن العبث الذي لم أشارك فيه يومًا. نحن أبناء غزة نحب البناء، نحب التعمير، نحب أن نزرع الحلم ونرعاه. لكن من اختطفوا مصيرنا يقدّسون الخراب أكثر مما يعرفون عن معنى الحرية أو قيمة الإنسان.

أحيانًا أشعر أن مجرد الاستمرار في الحياة هو شكل من أشكال البطولة. أن تنهض كل يوم من بين الأنقاض، أن تحمل أشلاء روحك وتقول: "ما زلت هنا"، هو عطاء يفوق كل مقاييس البشر. نحن لم نختر أن نكون ضحايا، لكننا اخترنا أن نواصل رغم الفقد، أن نتمسك بذاكرة لم يستطع القصف أن يمحوها.

فليكن واضحًا: أن تظل واقفًا في وجه هذا الجحيم، أن تواصل الحلم رغم أنقاض الجسد والروح، أن تزرع الأمل في أرضٍ مشبعة بالدم، هو أعظم ما يمكن أن نقدمه. نحن قدمنا وجودنا ذاته، والوجود حين يصبح فعل تحدٍّ، يغدو أعمق من كل العطاءات الأخرى.

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط