كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حين يصبح المنصب أكبر من صاحبه... قراءة فكرية وتحليلية في أزمة المواقع القيادية وغياب الكفاءة ...

حين يصبح المنصب أكبر من صاحبه...  قراءة فكرية وتحليلية في أزمة المواقع القيادية وغياب الكفاءة ...

تاريخ النشر: 2026-05-31 | 11:57

في مسيرة العمل السياسي والوطني والمؤسساتي، تتكشف حقائق كثيرة لا يمكن الوصول إليها عبر التنظير وحده، بل عبر الاحتكاك المباشر بالتجربة الإنسانية والإدارية والسياسية.

ومن بين أهم هذه الحقائق وأكثرها يقينًا، أن قيمة المناصب لا تُستمد من أسمائها أو هياكلها التنظيمية، بل من الأشخاص الذين يشغلونها.

فهناك رجال ونساء يمنحون الموقع معناه وهيبته وفاعليته، بل ويرتفع المنصب بهم إلى مستوى التأثير التاريخي، في حين أن هناك آخرين يتحولون إلى عبء على مواقعهم، فيفرغونها من مضمونها، ويصيبونها بالتشوه والشلل والعجز.

إن المنصب، مهما علا شأنه، يبقى إطارًا جامدًا ما لم يتوفر فيه الإنسان القادر على تحويله إلى حالة من الفعل والإنجاز والرؤية.

فالقائد الحقيقي لا يقيس ذاته بحجم الكرسي الذي يجلس عليه، بل بحجم ما يقدمه لقضيته ولمؤسسته ولمجتمعه.

لذلك نجد أحيانًا شخصيات في مواقع متواضعة لكنها تصنع أثرًا عظيمًا، بينما نجد آخرين في أعلى المواقع لكنهم عاجزون عن إدارة أبسط الملفات أو اتخاذ أبسط القرارات.

وفي الحياة السياسية خاصة، تصبح هذه الظاهرة أكثر خطورة، لأن الموقع السياسي ليس مجرد وظيفة إدارية، بل هو مسؤولية وطنية وأخلاقية وتاريخية. وعندما يصل إلى المواقع القيادية أشخاص يفتقرون إلى الكفاءة أو الرؤية أو الشجاعة أو النزاهة، فإن المؤسسات تدخل تدريجيًا في حالة من الجمود والتكلس وفقدان الحيوية.

فالمنصب الذي يفترض أن يكون مركزًا للحركة والمبادرة يتحول إلى مساحة للارتباك والخوف وتعطيل الطاقات.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي حركة سياسية أو مؤسسة وطنية ليس نقص الإمكانيات، بل سوء اختيار القيادات.

فالمؤسسات لا تنهار دائمًا بفعل الأعداء الخارجيين، بل قد تنهار من الداخل عندما تتحول المواقع إلى مكافآت شخصية أو امتيازات خاصة أو أدوات للنفوذ الفردي، بدل أن تكون مواقع خدمة ومسؤولية وعطاء.

وفي كثير من الأحيان، يصبح بعض المسؤولين أسرى للموقع ذاته، يخشون القرار، ويخافون المبادرة، ويعتبرون أي تغيير تهديدًا لمصالحهم أو نفوذهم، فيلجؤون إلى تعطيل الكفاءات، ومحاربة الشخصيات القادرة، وإحاطة أنفسهم بمن هم أقل كفاءة لضمان استمرار السيطرة.

وهنا تتحول المؤسسة إلى جسم مترهل فاقد للحيوية، وتغيب روح الإبداع والعمل الجماعي، لتحل محلها ثقافة الولاء الشخصي والتبعية والخوف.

ومن هنا نفهم لماذا استطاعت شخصيات تاريخية محدودة الإمكانيات المادية أن تصنع تحولات كبرى في حياة شعوبها، بينما فشلت مؤسسات ضخمة تمتلك المال والموارد بسبب غياب القيادة الحقيقية. فالقضية ليست في حجم الإمكانيات فقط، بل في نوعية العقل الذي يديرها، والضمير الذي يوجهها، والإرادة التي تحركها.

إن الفرق بين من يمنح المنصب قيمته ومن يتحول إلى عبء عليه، يكمن في عدة عناصر أساسية:

امتلاك الرؤية والهدف.

الكفاءة والخبرة والقدرة على الإنجاز.

النزاهة الأخلاقية والشفافية.

الشجاعة في اتخاذ القرار.

الإيمان بالمصلحة العامة لا بالمصلحة الشخصية.

احترام الكفاءات والعمل بروح الفريق.

القدرة على التطوير والتجديد لا إدارة الجمود.

ولهذا، فإن معيار “الرجل المناسب في المكان المناسب” ليس مجرد شعار إداري تقليدي، بل هو قاعدة أساسية لبقاء المؤسسات حيّة وقادرة على التطور والاستمرار.

فحين يغيب هذا المعيار، تدخل المؤسسات في حالة من التراجع، مهما رفعت من شعارات أو امتلكت من موارد.

لقد أثبتت التجارب أن بعض الأشخاص يشرفون المنصب، بينما هناك من يُهين المنصب بعجزه وضعفه وضيق أفقه.

فالموقع لا يصنع القائد، بل القائد الحقيقي هو من يصنع قيمة الموقع ويمنحه حضوره ومعناه وتأثيره.

ولهذا، فإن مراجعة معايير الاختيار والتعيين والترقية داخل الحركات والمؤسسات أصبحت ضرورة وطنية وأخلاقية وتنظيمية، لأن مستقبل أي مؤسسة لا تحدده الشعارات، بل تحدده نوعية الأشخاص الذين يتصدرون مواقع القرار فيها.

إن الأمم والمؤسسات التي تحترم الكفاءة وتمنح الفرصة للأجدر والأكثر قدرة على العطاء، هي وحدها القادرة على النهوض والاستمرار. أما حين تصبح المواقع أسيرة المجاملة والمحسوبية والخوف والتبعية، فإن النتيجة الطبيعية تكون التراجع والشلل وفقدان الثقة والانهيار التدريجي.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأوضح: ليست قيمة الإنسان فيما يشغل من مناصب، بل قيمة المناصب بمن يشغلها.

وختامًا، لعل هذا المقال يجد صداه لدى القرّاء والمهتمين بالشأن الوطني والتنظيمي الفلسطيني، وكل الحريصين على مستقبل مؤسساتنا وحركاتنا الوطنية، لأن القضية لم تعد قضية أشخاص أو مواقع بقدر ما أصبحت قضية معايير وثقافة وطنية وأخلاقية في إدارة الشأن العام.

إن التحديات الكبرى التي تواجه شعبنا الفلسطيني وقضيته الوطنية تتطلب قيادات تمتلك الكفاءة والرؤية والشجاعة وروح المسؤولية، لا مجرد أشخاص يشغلون المواقع دون أثر أو فاعلية. فالأوطان لا تُبنى بالمظاهر والشعارات، بل بالعقول القادرة، والإرادات الصادقة، والقيادات التي تجعل من الموقع أداة خدمة وعطاء لا وسيلة نفوذ أو امتياز.

ويبقى الأمل دائمًا بأن تستعيد مؤسساتنا الوطنية والتنظيمية روحها الحيوية، عبر إعادة الاعتبار لقيم الكفاءة والنزاهة والعمل الجماعي والمساءلة، لأن الشعوب التي تحترم أصحاب الكفاءة وتحسن اختيار قياداتها، هي الأقدر على الصمود والانتصار وصناعة المستقبل.

×
أخبار
الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط