كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

"حين يصبح الموت مشهدًا احتفاليًا، ينهار معنى العدالة"

في زمنٍ تتكاثر فيه الخيانات والخذلان، يقف الناس غاضبين، يطالبون بالقصاص، يلعنون كل من باع وطنه أو تعامل مع العدو. لكن الغضب لا يمنح أحدًا، لا فصيلًا ولا جمهورًا، حقَّ استباحة الدم خارج إطار القانون. فالجريمة، مهما كانت بشاعتها، لا تُواجَه بجريمة أخرى. والأسوأ من القتل نفسه هو تحوّله إلى مهرجانٍ احتفالي، حين تتراص الجماهير وتصفق للموت، ويُغلف الإعلام الحزبي هذه الفظائع بشرعيةٍ زائفة. عندها لا نكون أمام حدثٍ عابر، بل أمام انهيارٍ في الضمير الجمعي، وانكشافٍ لخطر الفكر المضمحل الذي يحوّل الناس إلى أدواتٍ لا تفرّق بين العدالة والانتقام.

الجريمة لا تُطهّرها التصفيق

الإعدام خارج القضاء يقضي على الحق في محاكمةٍ عادلة، ويحوّل أي شكٍّ أو خطأ إلى موتٍ لا رجعة فيه. وعندما يتحول تنفيذ الأحكام إلى عرضٍ جماهيري يُصفق له الناس، فإن المجتمع بأسره يتحول إلى شريكٍ في الإثم.

التصفيق لا يبرّئ الضمير، بل يميّعه ويخرس صوت العقل، لأن من يعتاد التهليل للدم يفقد تدريجيًا إحساسه بقيمته. وهكذا، تُصبح الجريمة مشهدًا عاديًا، ويتحول المذنب الحقيقي إلى رمز، بينما يُدفن الحق في الضجيج.

تجييش العامة: من الفقر إلى غسل الضمائر

أغلب الذين يُحضرون مشاهد الإعدام ويهللون لها ليسوا قضاة ولا محققين، بل مواطنون عاديون أرهقهم الفقر والخذلان. يبحثون عن انتصارٍ رمزي في واقعٍ يسلبهم الكرامة والأمان. حين يعجز الفرد عن مواجهة أسباب بؤسه الحقيقية، يُغرى بالانخراط في لحظةٍ جماعية توهمه بالقوة والانتصار، فيتحول الدم إلى وسيلةٍ لتسكين الضمير، والتصفيق إلى طقسٍ لغسل العجز.

الفصائل التي تستثمر هذا الغضب الشعبي لا تحمي المجتمع، بل تستخدمه كدرعٍ نفسي وسياسي لتغطية فشلها في بناء مؤسسات عدلٍ حقيقية. وهكذا تتحول العدالة من نظامٍ مؤسسي إلى طقسٍ انفعالي، وتُختزل القضايا الوطنية الكبرى في مشهدٍ دموي يعيد إنتاج الخوف والولاء بدلًا من الوعي والمحاسبة.

من العدالة إلى الانتقام

العدالة لا تنتصر حين تُنفّذ بلا قانون، بل تُغتال معه. فالإعدام الميداني لا يردع الخيانة، بل يرسّخ فكرة أن العنف هو الطريق الوحيد لحماية القيم. وحين يغيب القانون، يغيب معه الأمان، لأن من يملك السلاح اليوم قد يوجهه غدًا إلى أي مخالفٍ آخر بتهمةٍ جديدة.

الانتقام ليس بديلاً عن العدالة، بل نقيضها. والاحتفاء بالعقوبة يفقدها معناها الردعي، لأن الناس لا يعودون يرون فيها تطبيقًا للحق، بل انتصارًا لطرفٍ على آخر. وهكذا، تُسلب العدالة من جوهرها وتتحول إلى أداةٍ للهيمنة لا وسيلةٍ للإنصاف.

الضمير الجمعي: اختبار الإنسانية الأصعب

حين يصفّق الناس للموت، فالمشكلة لم تعد في القاتل وحده، بل في المجتمع الذي اعتاد على مشاهد الدم حتى فقد حساسيته تجاهها. هذا التبلّد الأخلاقي هو الخطر الأكبر، لأنه يفتح الباب أمام مزيدٍ من الانحدار، ويحوّل فكرة "العدالة الشعبية" إلى غطاءٍ لكل فظاعةٍ مقبلة.

المجتمع الذي يُصفّق للإعدام اليوم قد يجد نفسه غدًا على المنصة نفسها، ضحية اتهامٍ أو وشايةٍ أو مزاجٍ سياسي متقلب. لذلك، فإن حماية العدالة لا تكون بالصمت ولا بالمباركة، بل بالمطالبة الدائمة بسيادة القانون، وبمقاومة تحويل الغضب الشعبي إلى أداةٍ لتبرير القتل.

في ختام سطور مقالي:

الإعدام الميداني لا يطهّر الأرض من الخيانة، بل يلوّثها بدمٍ بلا محاكمة. والتصفيق لا يمحو الخطيئة، بل يرسّخها في وجدانٍ جماعي يختلط فيه الحق بالباطل.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لمجتمعٍ تحت الاحتلال أو في زمن الأزمات هو أن يفقد بوصلته الأخلاقية، فيخلط بين العدالة والانتقام. فحين نبرّر القتل خارج القانون بحجة الخيانة، نكون قد خُنّا أنفسنا أولًا، وخسرنا ما هو أثمن من الأرض: إنسانيتنا.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط