كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حينَ يكونُ الأذانُ آخرَ العهدِ بالدنيا... سيرةُ الشهيد الحاج عارف محمود عرفة أبو سيف (أبو علي)

حينَ يكونُ الأذانُ آخرَ العهدِ بالدنيا... سيرةُ الشهيد الحاج عارف محمود عرفة أبو سيف (أبو علي)

تاريخ النشر: 2026-08-06 | 12:15

سامي إبراهيم فودة
سامي إبراهيم فودة

ليست كلُّ الشهادات تُكتب بالحبر، فبعضها يُكتب بالعمر كلِّه، ثم تُوقَّع بقطرة دمٍ على عتبة الخلود.

وهكذا كانت سيرة الشهيد الحاج عارف محمود عرفة أبو سيف (أبو علي)؛ رجلٌ لم ينتظر البطولة في لحظةٍ عابرة، بل عاشها سلوكًا يوميًا، حتى إذا جاءه موعده، استقبله بقلبٍ امتلأ إيمانًا، وروحٍ طالما اشتاقت إلى لقاء ربها. فكان يوم الجمعة، السادس من ديسمبر/كانون الأول 2024، خاتمةً تليق بحياةٍ أفناها في الطاعة، والخير، وخدمة الناس.

وُلد الشهيد في الخامس والعشرين من سبتمبر عام 1960 في مخيم جباليا للاجئين، لأسرة فلسطينية محافظة، جذورها ضاربة في مدينة يافا، عروس فلسطين، التي اقتُلعت منها العائلة قسرًا في نكبة عام 1948، شأن آلاف الأسر الفلسطينية التي حملت مفاتيح البيوت، ولم تحمل معها إلا الأمل بالعودة.

كبر الطفل في أزقة المخيم، حيث كانت الخيام تتحول إلى بيوت، والحرمان يتحول إلى عزيمة، فتلقى تعليمه في مدارس وكالة الغوث، وأنهى الثانوية العامة من مدرسة الفالوجا، قبل أن يشق طريقه بيديه، متجهًا إلى مهنة السباكة، حتى أصبح مثالًا للرجل العصامي الذي صنع نفسه بعرقه وكدّه، مؤمنًا بأن العمل الشريف عبادة، وأن الكرامة لا تُشترى إلا بالتعب.

وفي عام 1982، أسس بيتًا عامرًا بالمودة، حين تزوج من ابنة عمه، فرُزق بستة أبناء؛ ثلاثة ذكور وثلاث إناث، وجعل من تعليمهم رسالةً لا تقل أهمية عن توفير لقمة العيش، مؤمنًا بأن العلم هو السلاح الحقيقي الذي يبني الإنسان، ويحفظ الوطن، ويصون الدين.

لكن الرجل لم يكن أبًا صالحًا فحسب، بل كان ابنًا بارًا، يرى أن أبواب التوفيق لا تُفتح إلا برضا الوالدين، فكان كلما أنعم الله عليه بنعمة، ردّد في تواضع المؤمنين: "هذا من فضل الله، ثم رضا الوالدين."

أما المساجد، فكانت وطنه الآخر.

لم تكن بالنسبة إليه جدرانًا تُقام فيها الصلاة، بل كانت بيتًا للروح، ومحرابًا للقلب، فارتبط بها إعمارًا وتنظيفًا، وأذانًا وعبادة، حتى اختير مؤذنًا لمسجد الخلفاء الراشدين في معسكر جباليا، ضمن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ليصبح صوته رفيق الفجر، وبشارة المغرب، ونداء الطمأنينة لأهل الحي.

كان شديد المحافظة على صيام النوافل، ولا يكاد يفرط في صيام الاثنين والخميس، والأيام البيض، وكان يرى أن العبادة ليست طقوسًا تُؤدى، بل أخلاقًا تُعاش، ولذلك امتدت أياديه إلى كل محتاج، وعُرفت له مواقف مشهودة في العمل الخيري، وإصلاح ذات البين، والسعي بين الناس بالخير، حتى صار حضوره باعثًا على السكينة، وكلمته جسرًا للمحبة.

وكان من أكثر ما يردده قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطعت رحمه وصلها." فترجم هذا الحديث إلى سلوكٍ يومي، حتى أصبح عنوانًا لعلاقاته مع أهله وجيرانه وكل من عرفه.

ولأن قلبه كان معلقًا بالكعبة، ظل يحلم بزيارة بيت الله الحرام، حتى تأكد اسمه في موسم حج عام 1446هـ/2024م، غير أن الحرب حالت بينه وبين تحقيق أمنيته، وكأن الله ادخر له رحلةً أعظم، فبدل أن يرتدي ثياب الإحرام، ارتدى ثوب الشهادة، وبدل أن يودعه الناس إلى مكة، ودعوه إلى السماء.

ومع اشتداد الحرب على غزة، لم يتغير الرجل.

استودع نفسه وأهله عند الله، وجعل بيته ملاذًا للنازحين، وطعامه للمحتاجين، وجهده للمكروبين، خصوصًا في أيام المجاعة التي أنهكت الناس، فلم يعرف البخل طريقًا إلى قلبه، ولم يمنعه الخوف من أن يكون في خدمة الآخرين.

ورغم القصف، ونداءات النزوح، أصر على البقاء في شمال غزة، متمسكًا ببيته، وبأرضه، وبمسجده، لأنه كان يرى أن رفع الأذان في زمن الحرب رسالة صمود، تبث الطمأنينة في النفوس، وتعلن أن الحياة ما زالت تقاوم الموت.

ومن كلماته التي بقيت شاهدة على يقينه قوله وهو نازح في مشروع بيت لاهيا:

"عودتنا إلى بيتنا في المعسكر... أو إلى القبر شهداء."

وحين رأى الأطفال يتضورون جوعًا، والأحباب يرحلون تباعًا، خرجت من قلبه عبارة تختصر حجم المأساة:

"انطمست الحياة."

وقبل أيام قليلة من استشهاده، وكأن قلبه كان يستشعر اقتراب الموعد، أوصى أهله بأنه قد سامح كل من كانت له عنده مظلمة أو حق، وعفا عن الجميع، مستعدًا للقاء الله بقلبٍ سليم.

ثم جاء صباح الجمعة...

حاصرت قوات الاحتلال المنزل الذي كان ينزح فيه مع أسرته، وبعد انسحاب الآليات خرج، كما اعتاد دائمًا، يتفقد الناس، ويطمئن على الجيران، ويساعد المحتاجين، غير أن شظية قاتلة أصابته في قلبه، ومزقت ورقة مواقيت الصلاة التي كانت محفوظة في جيب سترته الأيسر، في مشهدٍ تختلط فيه رمزية الإيمان بمرارة الفقد.

وأثناء محاولة إسعافه، وفي ظروف بالغة الخطورة، أصيب نجلاه، ليرتقي ابنه محمد شهيدًا متأثرًا بإصابته، في مشهدٍ امتزج فيه وجع الأبوة بعظمة التضحية، وكأن الأسرة كلها كانت تقدم قربانها على مذبح الوطن.

ودُفن الشهيد مؤقتًا بجوار مستشفى الشهيد كمال عدوان، لتعذر الوصول إلى المقابر.

لكن الحكاية لم تنته عند الدفن...

فمع بدء الهدنة في التاسع عشر من يناير/كانون الثاني 2025، عاد ذوو الشهيد لنقل جثمانه إلى المقبرة، فلم يجدوه. بحثوا طويلًا، وأبلغوا الجهات المختصة، واستنجدوا بكل من يستطيع المساعدة، غير أن جسده ما زال مفقودًا حتى اليوم، بينما بقيت روحه حاضرة في كل من عرفه، وسيرته باقية في ذاكرة الناس.

قد يغيب الجسد...

لكن الرجال من طراز الحاج عارف أبو سيف لا يختفون.

يبقى الأذان الذي صدح به، والبيت الذي عمره بالمحبة، والأيادي التي امتدت بالعطاء، والقلوب التي أصلح بينها، والابتسامات التي رسمها في وجوه المنكوبين، شاهدة على أن الإنسان يمكن أن يرحل، لكن أثره الصالح لا يرحل.

سلامٌ على روحٍ أحبت الله فأحبتها الأرض.

سلامٌ على رجلٍ عاش نقيَّ القلب، كريم اليد، ثابت الموقف، حتى ختم حياته بما كان يرجوه.

وسلامٌ على كل سيرةٍ تُعلِّم الأجيال أن البطولة ليست في كثرة الكلام، وإنما في صدق العمل، ونقاء السريرة، والثبات على المبدأ حتى آخر نبضة.

رحم الله الشهيد الحاج عارف محمود عرفة أبو سيف "أبو علي"، وتقبله في عليين، وجعل سيرته الطيبة نبراسًا للأجيال، وألهم ذويه ومحبيه جميل الصبر وحسن العزاء، وجمعه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط