كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حين ينبثق النظام الدولي "المتعجرف"…من خلف دخان الجنون وجلبة القوة..!

حين ينبثق النظام الدولي "المتعجرف"…من خلف دخان الجنون وجلبة القوة..!

تاريخ النشر: 2024-08-20 | 13:00

كان للتحولات الكبرى التي شهدها العالم في مطلع التسعينات والتي تمثّلت في انهيار وتفكّك الإتحاد السوفييتي والمعسكر الشرقي اقتصاديا وعسكريا (حلف وارسو) وايديولوجيا (الخيار الليبرالي بدل العقيدة الشيوعية) وتوحّد ألمانيا،عميق الأثر في ولادة تقسيم جيو – سياسي جديد تجلّت ملامحه في انفراط عقد الثنائية القطبية وسيطرة العالم الأحادي في شكله الرأسمالي الساعي إلى اخضاع بقية العالم وفق مخطّط مدروس للسيطرة الشاملة عليه.

هذا النظام الكوني الجديد ومنذ ولادته ما فتئ يرفع شعارات خلاّبة يسعى من خلاله،حسب ما يدعيه،لتحقيق السلم العالمي وإقرار سيادة القانون في العلاقات الدولية ومبدأ المساواة بين الدول،إضافة إلى تقوية دور المؤسسات العالمية للأمم المتحدة ومجلس الأمن.إلا ان هذه الشعارات البرّاقة سرعان ما هوت حين اصطدمت بوقائع شهدها،ومازال يشهدها،العالم وتعرّت تبعا لذلك الحقائق لتحيل في مضمونها إلى ممارسات وسلوكات تتعارض بشدّة مع الخطاب-الجميل-لمؤسسي النظام الدولي الجديد،ذلك ان هذا النظام انبثق من خلف دخان الجنون وجلبة القوّة.

وشكّل العراق الحلقة الأولى لعملية التنظيف التي قامت بها أمريكا لتسوية الأرض في الشرق الأوسط بما يخدم مصالحها الإستراتيجية السياسية عبر تركيز انظمة موالية لها سياسيا وايديولوجيا،كما يرى محمد سبيلا*،ودحض كل ما يهدّد التوازن العسكري في المنطقة لصالح إسرائيل،وبما يحقّق الأهداف الاستراتيجية المتمثلة في التحكّم المباشر في منابع النفط.

وبعد تسوية الأرض في القطاع الشرقي من الوطن العربي اتجهت الانظار الأمريكية نحو آسيا الوسطى لاستكمال التسوية السياسية بهدف القضاء نهائيا على حركة طالبان وتنظيم القاعدة ثم قطف الرأس المشتهى أسامة بن لادن.وهذا ما تمّ عمليا عبر حرب عدوانية على الشعب الأفغاني صارت-اليوم-أهدافها ومراميها معروفة تتستّر فيها أمريكا تحت ذريعة القضاء على أوكار الإرهاب.!

هذا السلوك العدواني لا يختلف من حيث الجوهر عن ذلك الذي مارسته الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية عندما تدخلت في كولومبيا باسم محاربة المخدرات،أو حين دمّرت العراق باسم احترام الشرعية الدولية..!

هنا يثار تساؤل: لماذا لم يتم تفعيل دور الجامعة العربية من أجل حماية مجلس الأمن القومي العربي الذي يعتبر المس به أحد الأهداف المضمرة التي انبثق من أجلها النظام الدولي الجديد؟ 

ولمَ لم يلجأ إلى تطبيق معاهدة الدفاع العربي المشترك لمواجهة الاعتداءات المتكرّرة على أمن عدّة أقطار عربية؟ ثم أين هو دور حركة عدم الانحياز ومجموعة الدول الأفروآسيوية وتكتلات دول الجنوب حيال هذه الاعتداءات وإزاء نظام دولي لا حظّ لها فيه؟

ان النظام الدولي الجديد هو امتداد لسلفه القديم من حيث كونه إطارا لحماية المصالح،بما يجعله «يعتمد على القوّة من أجل فرض المشروعية والقانون،كما يتذرّع بالمشروعية والقانون بهدف ممارسة القوّةّ» مثلما يؤكد مختار مطيع**،ذلك بعد ان مالت كفّة التوازن لصالح أمريكا التي ترى في القوّة والهيمنة والمصلحة إحدى الركائز الأساسية لسياستها الخارجية وتحرّكاتها الدولية.

وعلى الرغم من التمظهرات المخاتلة لهذا النظام والتي تتسم زيفا باحتواء الصراعات والنزاعات الإقليمية القائمة،عن طريق التفاوض،والتسويات السلمية،وبما يتلاءم مع الأهداف المطلوبة لدعم النظام الدولي الجديد،وبالأساس المصالح الاستراتيجية السياسية والاقتصادية العسكرية للولايات المتحدة،فإن استخدام القوّة العسكرية غير مستبعد في مسار البراغماتية الأمريكية حيث تبقى أمريكا «القوّة الوحيدة التي لها الإرادة والقدرة على ممارسة العنف على مستوى كوني» بتعبير عصام نعمان أثناء حديثه عن تشومسكي. 

هذا ما انعكس بوضوح في بنما على مستوى ضيق،على نطاق واسع في حرب الخليج،وبشكل مرعب في أفغانستان.وذلك باعتماد أسلوب التماهي والتطابق بين «الشرعية الدولية» ممثلة في الهيئات والمؤسسات الدولية في إطار الأمم المتحدة، وبين الإرادة السياسية الأمريكية التي تهيمن هيمنة كاملة على هذه الهيئات والمؤسسات.وقد تجلى ذلك بشكل واضح في القرارات التي صدرت عن الهيئات باسم الشرعية الدولية خلال وبعد حرب الخليج،وخاصة فيما يتعلّق باستمرار فرض الحصار على العراق وتدمير أسلحته الاستراتيجية والتدخّل السافر في شؤونه الداخلية،وبإلغاء القرار 3379 الذي يعتبر الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية.

وهكذا فان النظام الدولي الجديد ومن خلال ما يشهده العالم من تداعيات مؤلمة،يظهر واضحا بأنه غير قائم على «توازن المصالح» ولا على «أولوية القضايا الأساسية» أو «الوفاق والسلام والعدل الدوليين» بقدر ما هو نظام قائم على الإخضاع والسيطرة،إخضاع الشعوب والقوى المخالفة،أو الرافضة للسيطرة الأمريكية على النطاق العالمي.وهو بالتالي،وعلى حد تعبير المفكر العربي الراحل محمد حسنين هيكل***، «شكل جديد للنظام الاستعماري القديم».

هذه طبيعة النظام الدولي الذي تشكّل طبقا للصيغة التالية: «ما هو حلال على الغرب وإسرائيل يعد حراما على باقي دول العالم.

خلف دخان الدمار الذي تركته حرب الخليج تجلّت المسافة الأيديولوجية والنفسية والسياسية بين الغرب،بمختلف آلياته، والعرب بما لا يدع مجالا للشك ان الغرب لا يهدر فرص الانقضاض على المبادرات العربية في اتجاه التقدّم والوحدة.ففي كل مرّة يحاول بعض العرب ردم الهوّة بينهم وبين الغرب من خلال إيجاد صيغة للحوار تستنهض العناصر العدائية،هنا وهناك،آلاتها الهجومية العسكرية والإعلامية لتكريس التباعد والتنابذ.وما حرب الخليج إلا تتويج درامي للصراع الحضاري المبطن والسافر بين العرب والغرب.

ومع اختلال التوازن الدولي واجتياح العراق للكويت استغلت الولايات المتحدة الأمريكية الفرصة لتطويع القانون الدولي حسب استراتيجيتها في المنطقة العربية عبر تدمير القدرة العسكرية والعلمية.وأخيرا تكريس إسرائيل كقوة إقليمية.

 من هنا ندرك ان الوطن العربي برمته يشكّل في جوهره منطقة حساسة بالنسبة لأمريكا وإسرائيل وحلفائهما الذين ما فتئوا يهددون أمن هذه المنطقة ويخرقون مجالها الحيوي ويتدخلون في شؤونها الداخلية.

أردت القول ان صانعي القــــرار الســــياسي في الإدارة الأمريكية، وخلافا لكل الشعارات الخلاّبة للنظام العالمي الجديد، الذي ينتصر للقانون والعدالة ولجت الولايات المتحدة مرحلتها الجديدة عن طريق الحرب بغية إظهار:

ان النظام الجديد فرض وسيفرض على شعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية بالعنف،وبالعنف وحده، مع التهديد بالإبادة الجماعية في نهاية المطاف بما يعني ان أي بلد من البلدان السائرة في طريق النمو فكّر في تصنيع نفسه وتقويتها اقتصاديا وتكنولوجيا أو حاول مقاطعة الاستعمار الجديد وفك الارتباط بالدول المصنعة والخروج عن طاعة سلطة الشركات الاحتكارية الكبرى وسلطة حكّام الدول الرأسمالية عليه ان يأخذ بعين الاعتبار انه سيلقى المصير الذي لقيه العراق.

هوامش :

* مجمد سبيلا : كاتب ومفكر مغربي، اهتم بالدرس الفلسفي واشتغل بسؤال الحداثة والدولة المدنية و"عقلنة" الخطاب الديني.

**مختار مطيع : الدكتور المختار مطيع أستاذ القانون العام والعلاقات الدولية.

***محمد حسنين هيكل (23 سبتمبر 1923 – 8 ماي/ جمادى الأولى 1437 هـ / 17 فبراير 2016) أحد أشهر الصحفيين المصريين في القرن العشرين. ساهم في صياغة السياسة في مصر منذ فترة الملك فاروق حتى وفاته سنة 2016،فقد تولى مناصب صحفية هامة مثل رئيس تحرير جريدة الأهرام.

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط