كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

خالتي عايشة ونساء فلسطين: تلك الحكمة الباقية وبعد النظر

خالتي عايشة ونساء فلسطين: تلك الحكمة الباقية وبعد النظر

تاريخ النشر: 2022-06-05 | 09:47

الدرس الشخصي الأسري والوطني لخالتي: بإمكان الفلسطيني أن يعيش بكرامة إن عرف قيمة أرضه، فهي لن تخذله، ولن يحتاج لأحد، فمن خلال ما وهبت فلسطين من مناخ معتدل، فمعنى ذلك استمرار الفصول، وكما قيل "اللقمة من الفأس قبل الفكرة من الرأس".

للأرض رسائلها دوما التي يلتقطها من عاشها وعرف قيمتها، فمن هذا التراب عشنا، وعرق الآباء والأمهات، والأهم: يمكننا أيضا دوما أن نعيش ونبقى بها.

كيف بقينا وكيف سنبقى؟

الجواب لدى الفلسطينيات أينما كنّ، ومنهن خالتي.

نحن بحاجة لهذه القدوة، لتقرير كل ما بين أيدينا لنستثمره الى آخر مدى ونظل هنا بقوة واقفين.

سأظل دوما متذكرا دعاءها الحكيم والذكي لنا؛ ولنا اليوم وغدا أن نتأمل عمق الأمهات والخالات والعمات والجدات والأخوات الكبيرات أيضا.

في الفترة الأخيرة، صارت خالتي تضيف "ويعين أولادكم" لدعائها العميق:

"الله يعينكم ع زمانكم"، ليصير ويعين ولادكم ع زمانهم؛ فهل هناك ما هو أكثر عمقا بتحولات الزمن وأثرها على الأفراد، حين تصبح الحياة أصلا محصلة لتحدي الإنسان لما يجدّ في الحياة من معان ومقتنيات؟

شريط من الذكريات، أول فتحت عيني، وصرت أعي من حولي، لتصبح هؤلاء الأمهات العظيمات جزءا مهما من تكويننا، الباقي فينا، وها أنذا اليوم، مثل آخرين، لا يذكرون خالتي عايشة إلا واقفة!

مثلت خالتي خصوبة الكون والأرض، كأم ظلت تنجب طوال فترة الإنجاب، لتمنح الأرض أطفالا وطفلات دائمين، ليصيروا أسرا جميلة، ليظل البقاء هنا في أروع تجلياته، فصارت الأرض أكثر خضرة، ولتعمّر المزيد من الأراضي لتصير جنائن وبساتين وثمرا شهيا.

سيرة حياة وأي سيرة تلك وأية حياة شهدنا وشاهدنا النصف الثاني منها، والذي تجلت فيه عبقريتها في إدارة الموارد البشرية والطبيعية، لتخلق دروسا في الاقتصاد، فبربكم، كيف عشنا وبقينا على هذه الأرض لو لم تكن هؤلاء الرائعات هنا؟

كانت خالتي أم فوزي تزهد كثيرا بالكلام والشكوى، لتستبدل كل ذلك بالعمل المتفاني منقطع النظير، حتى النهاية؛ فقد اهتدت لسر الكون، بأن أفضل الرد على آلام الحياة وتحدياتها هو العمل، والفعل الإبداعي؛ فلم يكن لخالتي مجال في القيل والقال، إلا بما يقوي الأمل ويشجع على الاستمرار.

قلت لها: الآن يا خالتي صرت أعرف معنى دعائك لنا، فابتسمت وقالت: ويعين أولادكم ع زمانهم، فندخل في نقاش إبداعي عن أمس واليوم وغدا، فتحدثنا عن رحلة الأهل منذ بداية القرن العشرين، وما عانوا، مؤكدة في كل مرة على أن العمل كان دوما هو من يساعد على البقاء، مبدية تضامنها معنا، ومع أولادنا وبناتنا، لما ينتظرهم من تعقيدا وتحديات، غير ناسية آلام الاحتلال.

تلك هي عمق البساطة، وبساطة العمق؛ مدرسة جيل من الأمهات والآباء، الاهتمام بالأسرة والاعتماد على الذات، لأن ذلك يقوي خلاصنا الوطني العام، فكل أسرة وكل أرض مزروعة لا تعني إلا محصلة جهد الحفاظ على الشعب والأرض.

كنت أصغي دوما لها تقديرا لرحلتها، وكانت تحب إصغائي، كأن خالتي أودعتني سيرتها، فأي مسؤولية تلك التي نتحملها، وكم  كان بين السطور من بوح، وكان كان اغروراق عيون، تختصر الأمل والألم، ليفتر ثغرها عن ابتسامة رضا، عن أداء رسالتها، ناظرة الى السماء حامدة شاكرة، لترضى بعدها على أولادها وبناتها، معتزة دوما بغرس أيديها.

في بداية فصولنا معها، يبدأ فصل نضال أبنائها جميعا، وما تبعه ذلك من معاناة اعتقالهم، وتنقلها بين السجون، وهي التي وقتها أصلا ممتلئ برعاية الأسرة الكبيرة، والأرض الجبلية الواسعة، ولم تكن قد التقطت أنفاسها ليرحل شريكها تاركا لها مسؤولية ثقيلة: متطلبات أسرة كبيرة، وأرض، واغتراب أبناء آخرين، واستحقاقات نضال أبنائها الذين كانوا من فرسان الانتفاضة الأولى، لم تعرف خالتي "من وين تلقاها"؛ فأية نفس عظيمة تلك التي تحملت، ظلت واقفة!

ترأست خالتي أسرتها بحنان وحسن إدارة، كان نهارها وليلها عملا ممتدا، كانت تستمد القوة من نظرتها نحو السماء الواسعة. وبذكائها الاجتماعي ثبتت ابنها شفيق الابن الأكبر في الوطن، ليكون مكان الوالد الراحل، في إدارة الأمور في ظل المجتمع الذكوري، وهو الذي صار رفيق الرحلة، حتى كبر الأبناء الصغار. من جهة أخرى، تعاونت الأم مع أبنائها المغتربين، يد على يد، وقلب على قلوب، لإيمانه بأنه "الوفق في رزق"، وكلنا نعلم دور المغتربين الفلسطينيين في دعم أسرهم في الوطن.

خالتي عايشة من جيل آمن بالأرض، التي تحمي وتستر صاحبها وتحميه، كما آمنت بالعلم والتعليم، حيث كانت ترسم لأسرتها طريق الخلاص، وطريق العيش الآمن.

أتذكر دوما رحلة خالتي الى الكروم، كنت طفلا في آخر السبعينيات، حينما كانت تمشي قريبا من المدرسة، كنت ابن 12 عاما، فبالرغم من اعتيادنا على عمل المرأة في الزراعة، إلا أن خالتي كانت في مرحلة معينة هي الأثنان معا الرجل والمرأة، كنت أنظر اليها ونحن في ملعب المدرسة، وقلبي قد طار مني ليحضنها، ليخفف بعض الحمل، من يومها بدأت أول دروس المرأة الفلسطينية، لنكتشف أنه كان أروع وعي تقدمي متجذر في الأرض، عمليا لا كلاما، فتلك هي مدرسة خالتي وجامعتها.

ماذا يعني أن تكون بكل هذه المسؤوليات التي كانت تزيد كل يوم وكل عام؟

عندما نكبر قليلا، ونسير في طريق الحياة، فإننا نتعلم معنى أن نكون وسط هذه التحديات، وهكذا كنت أقول لخالتي: "مش عراف يا خالتي كيف كنت شايلة هالحمل"، لتجيب بابتسامة ودمعة، وتختم ذلك بدعاء لي، حتى خالتي ربما كانت فيما بعد تستغرب كيف نجحت في تحمل المسؤولية.

في رحلتها مع أسرتها، وفي حسن إدارة كل شيء، علمتنا أن أي شيء مهم، وكل شيء مهم؛ ففي عالم الثمار، كانت تقدر هذه النعم، فما يباع، وما لم يباع فإنها كانت تحفظها بطرقها وطرق أمهاتها وجداتها الكنعانيات، ليظل الخير موجودا طوال العام شتاء كما صيفا.

منذ ثمار الخضار والورقيات، (وزريعة الندورة)، فالبرقوق والخوخ، فالعنب ورق الدولي والثمر، فالزيتون، وهي دائمة التواجد في الأرض،

إنه تقدير عظيم للثمر، فلم تكن لتقبل لتركه دون اهتمام، مهما كان، تلك هي أسرار البقاء المقاوم يا خالتي ام فوزي.

هي ابتسامة الرضى والحمد لا اللوم والعتاب والشكوى، فأية طمأنينة قد سكبت في روحها، وأي صبر جميل، وأي عطاء إلى آخر مدى!

بقاء أسرة خالتي وتقدمها وازدهارها، وحضورها الاجتماعي والوطني يدين لخالتي بالكثير، فهي المربية والعلمة بحنان وقدوة، فكان عملها الفعلي دعوة للأبناء والبنات للفعل.

ظلت الأرض "والشغل" في رأس خالتي وفي أطرافها، ولم يكن من أمنية أجمل من البقاء في الأرض، وتلك هي الحياة.

ظلت تطمئن على أولادها وبناتها والأحفاد، وأبناء الأحفاد. كل شيء مهم ويجب أن ننتبه له، ذلك هو درس خالتي، الذي ظلت تعلمه، ولعله هو مستخلصها من هذا الكون.

من حنان خالتي العظيم ما ذكرته لي ابنتها، حيث كانت تحمل همّ أسرتها في يوم رحيلها، فهل هناك أعظم من هذه الأم!؟

 

 

 

 

 

1 Attachment

Download as Zip

خالتي عايشة.docx

16.4 KB

ReplyReply AllForwardEdit as newReply With Template

1

Mail

Mail

Here is your Smart Chat (Ctrl+Space)

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط