كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ختمٌ قُرمزيٌّ أو مِثلَ كُنُوزٍ صَغيرة (قصة قصيرة)

ختمٌ قُرمزيٌّ أو مِثلَ كُنُوزٍ صَغيرة (قصة قصيرة)

تاريخ النشر: 2014-10-02 | 18:14

في بيت هو الأكبرُ في مدينةٍ تُطلُّ على البحر، ثمة مطبخٌ صغيرٌ، مُشَوَّشٌ، يَغرقُ في رائحةٍ مُختلطةٍ تفوحُ من خليط ِتوابلَ باليةٍ عتيقةٍ تَموجُ في هوائه كالأخاديد والحِمم. إنَّه الغرفةُ التي تُطلُّ على وادي التَّلِّ الذي فوقهُ بُنِيَ البيتُ ليُطِلَّ على الشاطئ، وهو الغرفة التي يحدُّها إطارُ نافذةٍ خشبيةٍ مُتهالكةٍ زُيِّنتْ بعناقيدَ مُعَلَّقةٍ ومُتشابكةٍ من الثَّومِ والبصلِ، وبزجاجاتِ زيتِ زيتونٍ، وقناني توابل صغيرة، وأُصص ورد وريحان ونعنع تنمو على حافَّتِها، لتحجبُ جميعاً مشهدَ الكثبان الرَّملية الرَّمادية التي تتلقَّى حِمَمَ المياه الخضراء المُتدافعةِ صوبها عندَ زفراتِ الشَّفق.
قد كانوا أربعةُ أشخاصٍ هم أفراد أسرة واحدةٍ، وهم الآن، جميعاً، مُوتى!
قد كان ثمَّة ثلاثة أجسادٍ تعود لامرأةٍ وولدين سُحبتْ وكُوِّمت، جثثاً هامدةً، في رُكْنٍ قصِيٍّ. أما الجسدُ الرَّابعُ فهو جسدُ رجلٍ، وقد تُرٍكَ حيثُ هو الآن، ساقاه يبرُزَانِ حتَّى منتصفهما من تحتِ طاولة المطبخ حيثُ يجلس رجلانِ يرتديانِ زِيَّاً أخضرَ اللَّونِ، وحذائين سميكين، يأكُلان. كان هذانِ الرَّجلانِ قد أنفقا ساعاتٍ طويلةٍ يمشيانِ وهما مُدَجَّجَينِ بالأسلحة، فيما تتدلَّى من كتفيهما حقائبُ ثقيلةٌ، فبديا مُتْعبين بما يكفي إلى حدِ أنَّ الجثَّة المنتفخةَ المُشَعَّرة لم تكنْ لتُزَعْزعَ شهيتهما المفتوحة على التهام الطَّعام، أو تُفْقِدْهُمَا إياها! ففي طبقٍ كبيرٍ يستقرُّ ساكناً على الطَّاولة، وجدا شيئاً يُشبهُ، من حيثُ اللَّونِ والنَّسيج، الطِّينَ الأحمرَ؛ إنه معجونٌ لزجٌ كثيفٌ شرعوا يقتنصون منه، على نحوٍ دوريٍّ مُنْتَظم، قطعاً كبيرةً من اللَّحم البارد. فكَّر أحدهما في نفسه أنَّ هذا المعجون اللَّزجِ يبدو، مثل رائحتهِ، مُقَزِّزاً ومثيراً للاشمئزاز، وأنهُ مُجَرَّدُ طعامٍ لا تَصِحُّ مُقارنتهُ بالأطعمةِ اللَّذيذة، والمأكولاتِ الرَّائعة، التي سَبَقَ لهُ أنْ التهمها في أماكنَ أُخرى، غيرَ أنَّهُ قد جاء إلى هُنا، إلى هذا المكان بالذَّات، وقتلَ هؤلاء النَّاس، وأنَّه يُدركُ تماماً أنَّه قد جاءَ إلى هُنا لأمرٍ ما، وأنهُ سوف يأكلُ طعامَ من قتلهم ليُدركَ ماهيَّتهُ، فيعرفُ منْ يكونون!
انفتحَ البابُ، ومن خلاله بدت امرأةٌ عجوزٌ تتحرَّكُ ببطٍْ وتعثُّرٍ وهي تغالبُ الخطو. أخذت تُحدِّثُ نفسها بصوتٍ هامس خفيضٍ هادىء كالوسوسةِ، ثُمَّ خفضت رأسها إلى الأسفل كما لو أنها تُدْخِلُ نفسها في مُحادثةٍ مع نفسها. وما أنْ خَطَتْ قَدَمُهَا الجرداءُ الصَّغيرةُ في بقعةٍ لزجةٍ من دمٍّ حارٍّ، حتَّى نظرتْ إلى الأعلى بعيينين مفتوحَتين على وُسْعِهِمَا، وشفتين ترتجفان مُرْتَعِشَتينِ من جرَّاء صَدْمَةٍ فَازِعَةٍ. حدَّقتْ في الرَّجلين اللَّذين كانا قد وقفا على عجلٍّ مُشْرِعَينِ سلاحيهما، مأخوذين بالمفاجأة، ومن خلفهما كانَ بوسعها أنْ تُميِّزَ هيئات الأجسادِ، وأنْ ترى الجداولَ القرمزيَّةَ التي فَاضَتْ سخينةً في مطبخها، فغمرتهُ. غير أنَّها، وقد أنَّتْ مسكونةً بغضبٍ كظيم، خطتْ فوق السَّاقينِ الممتدتين من تحت طاولة المطبخ، ودفعت البندقيتين الضَّخمتين المُصَوَّبتين نحوها إلى الخلف. وإذِ التقطتْ طبقَ الطَّعامِ الكبيرِ من فوقِ الطَّاولة، وراحت تضُمُه بقوَّةٍ لتحميه بجسدها، استدارتْ ووقفت بحزمٍّ أمام الجنديين. كانت عيناها قد غارتا، وغمرهما السَّواد، وفاضتا بغضبٍ عارمٍ، وتحدٍّ صريح.
قبل ستة أيام مضتْ، وفي صباحٍ زاهرٍ اكتست سماؤهُ لوناً ورديّاً قانِياً، كانوا قد وقفوا في حديقةِ بيتهم الخلفيةِ ليشاهدوا خادماً عجوزاً وهو يحملُ سكيناً طويلةً يجزُ بها حلقَ كبشٍ. ومن خارج بوابةِ البيت الأمامية، سمعوا صراخاً وأصواتاً عاليةً. كان بيتُهم كبيراً، ولكنَّه يتميَّز بالهدوء المريح في حيٍّ سكنيٍّ مُزدحم، كما أنَّ كِبَرَ حَجْمِهِ لم يكنْ لِيُسَبِّبَ أيَّ مُشكلةٍ تتعلَّق بالتصاقه المُحْكَمِ بالشَّارعِ المُكتظِّ بالمارَّة، أو بالخارج الموَّار بالحياة، بحيث أنه إذا ما وقف أحدهم عند البوابة الأمامية ومرَّر زراعه عبر سلاسل السُّور الحديدي، سيكون بمقدوره أنْ يلمسَ المارة من النَّاس، وأنْ يُصافحهم بسهولة. كانت المرأةُ العجوزُ قد وقفت على العشب الأرجوانيِّ مُصطحبةً حفيدها الذي كان يقفُ أمامها مائلاً بجسده على ساقيها فيما هي تَشْبُكُ يديها، بمودَّةٍ وحنانٍ، حولَ رقبته.
تَدَفَّقَ دَمُ الكبشِ على امتداد الأرضية الحجريَّة الباردةِ. وحالما ازْرَقَّت عيونُهُ وانتفضَ للمرَّة الأخيرة، انحنى الخادمُ الذي ذبحهُ عليه، ومدَّ كفَّهُ ليُغْرِقَهَا في بِرْكَةِ الدَّم التي فيها يغرقُ جسدُهُ الذَّبيح. وبيدهِ الْمُحْمَرَّةِ حتى المعصم، وقفَ الخادمُ ومضى ماشياً صوبَ البيت، فتأكَّد من أنه قد عثرَ على رقعةٍ من الجدار تُمْكِنُ رؤيتها من فوق البوابة، ومن علوِّ السُّور، من قبل المارَّة في الشَّارع المُحاذي. وماداً ذراعه، وفاتحاً كفَّهُ على وُسْعِهِ، ضغط كفَّه بقوَّة على رقعة الإسمنت الأبيض ليتسنَّى له حينَ يَسْحَبُ كفَّه من عليها أنْ يكونَ مُتأكِّدَاً من أنَّ ختماً قرمزياً قد تُركَ على تلك الرِّقعةِ الإسمنتية ليستمرَّ، بفعل جِدَّته وطراوته، متوهجاً يَدْفُقُ بالحيوية والبريق لبضع دقائق بعد تركه.
فور أنْ أنجزَ الخادم عمله هذا، انحنت المرأةُ العجوز وأحنت رأسها في رضى، وذلك لأنها تُدرك الآن أنَّ كلَّ منْ يرى كفَّ الْجَزَّارِ الماثل في هذا الختم القرمزي المطبوع على جدار بيتها سيعرفُ بأمر الأُضحية التي قَدَّمُوهَا، كما أنَّ الله سيراهُ، وسيحمي بيتها.
كانت المرأةُ العجوزُ قد اشترتِ الكبش منذُ عدَّة شهورٍ حينَ وُلِدَ حفيدها، فاعتنت به، وتعهَّدته بالرِّعاية، بمودةٍ وطول أناةٍ، بوصفه قُرْبَاناً منذوراً لِصِحَّةِ حفيدها وسلامته. وها هي الآن توشوشُ حفيدها، ثمَّ تطلقه من حضنها مُرْخِيةً يديها من حول رقبته، ليتسنَّى له الخطوَ صوبَ الكبشِ الذَّبِيحِ كي يقفزَ من فوقه، بعنايةٍ وانتظامٍ، سبعَ قفزاتٍ تتدافعُ مع كلِّ هبطةٍ تعقبُ كُلٍّ منها قطراتٌ من دمٍّ تتطايرُ إلى الأعلى صابغةً ساقيهِ ببقعٍ حمراء.
ما أنْ يُتَمَّ سَلْخُ الكبشِ، حتَّى تكونَ قطعُ اللَّحم قد لُفَّتْ بالورق، وَوُضِعتْ في العربة التي يجرُّها بَغْلٌ، والتي ستستقلُّها الجدَّةُ مُتَّجهةً بها صوبَ المدينة لتوزِّع لفافات اللَّحم على فقراء الناس الذين سَيُقَبِّلُونَ يَدَهَا، ويَشْكُرُونَهَا، وينادونها "أمَّاهُ". ولكنها ستكونُُ، عُقْبَ ذلك مُباشرةً، في مطبخ بيتها تُطلُّ من نافذته على شساعة البحر، فيما هي تغلي ماءً في وعاءٍ كبيرٍ وتضيف إليه، بتؤدةً وأَنَاةٍ، عُصَارة سُمَّاقِ الأرضِ الذي سيضفي لوناً أحمرَ قانياً على المعجون الشَّبيهِ بالطِّين الذي سينتهي إليه ما تطهوه، والذي سَتَدْفِنُ فيه قطع اللَّحم هذه، مثلَ كُنُوزٍ صغيرةٍ.
سوفَ تُحَدِّقُ ملياً في الأُفقِ من خلال الزُّجاج، وسَتُشَاهدُ البحرَ، غيرَ أنَّها، فيما هي تَنْظُرُ، سَتَسْمَعُ أصْوَاتاً مُدَوِّيةً تأتي من خلفِ البَيْتِ، وتلكِ أصواتٌ كانتْ قَدْ سَمِعَتْهَا من قبلُ، فَعَرَفَتْ كُنْهَهَا وأَدْرَكَتْهَا وخَبِرتْ مَقَاصدَها – أصواتُ دباباتٍ تَتَدَحْرَجُ على طول الطَّريق، وأقدامِ مُشاةٍ تقتربُ أكثرَ فأكثر. ولكنَّ نافذتها لا تُطلُّ إلا على البحر، وهي لا تُفكِّرُ إلا في الوجبةِ التَّاليةِ التي ستُعِدُّها مُسْتَخْدِمةً أسوأَ قطعِ اللَّحم، لأنَّ أفضلها قد أُعطيَ وفُرِّقَ على النَّاس. ومع ذلكَ، فإنها انْهَمَكَتْ في عملها، بجديةٍ وأملٍ وحزمٍ وتَحَدٍّ: قريباً، ولكلِّ إنسانْ، سَوفَ لنْ يكونَ ثمةَ من شيءٍ غيرَ ذلك.
كتبت هذه القصة باللغة الإنجليزية في براتسلافا بناريخ 25 شباط (فبرابر) 2011
* القصة الفائزة بالجائزة الأولى لمسابقة الاتحاد الأوروبي الإبداعية الخاصة بالمدارس الثانوية القبرصية، والمكتوبةِ، أصلاً، باللغة الإنجليزية. وقد ترجمها الدكتور عبد الرحمن بسيسو إلى اللُّغة العربية.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط