كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

"خَربشات" سجين في عيد الحُبّ

لأ أذكرُ شيئاً جيداً عن هذا اليوم حتى الآن، في سنواتي الثلاث الأولى في الجامعة كنت أمتلك نظرةً مغايرةً عما أمتلكُ اليوم، كان "عيد الحب" في رأيي ضرباً من الجنون وشيئاً من الإسفاف بالعقل. اليوم أنظر ليومٍ سمّي بمثل هذا الإسم كيومٍ آمل فيه أن يزدان بالجمال ويزيدَ فينا إنسانيتنا تجاه محيطنا المشبع بالألم، بل واعتبره يوماً لـِ "الأمل" بامتياز.

 * * *

سأرجع قليلاً إلى الوراء، في عام 2009، أذكرُ أنني كنت في مثل هذا اليوم مُحتجزاً في مركز "بيتح تكفا" سيء الصيت، والتي تعني "بوابة الأمل" ! وإن أسعفتني ذاكرتي، فلقد كنتُ في زنزانة جماعية تحمل الرقم 15، تحتوي بعضاً من التسهيلات كمكان داخلي للإستحمام وأسرى آخرين يُقاسمونك الهمّ والألم. استيقظ يومَها أحدُ الأسرى الذين صادف وجودهم في ذلك اليوم معنا واسمه "قيصر" من بلدة "كفرالديك" وقال لنا ممازحاً ... "كل عام وانتوا بخير يا شباب، اليوم هو الفالانتاين" ... جُلتُ بعينيّ المرهقتين في أرجاء تلك الزنزانة البئيسة فلم أجد أكثر من أضواء برتقالية تقهرنا كشمسٍ ساطعةٍ في ليل حالك، وجدران مظلمة خشنة وتسعة وجوهٍ بائسة لأشخاص هدّهم الظلام وقد طالت شعورهم وأهمِلت لِحاهُم ووهَنت أجسامهم بعد جولات وجولات من التحقيق ومقارعة طغمةٍ من محققي الشاباك القُساة ... قلت يومها: "يا قيصر، تزدان شوارع الوطن وجامعاته خصوصاً بالأحمر اليوم، ونحن نصيبنا عند الله". غرق قيصر بالضحك ... لاحقاً، حُكم قيصر تسعَ سنوات ما زال في منتصفها !

 * * *

دارت عجلة الزمان ... خرجت في حزيران من ذات العام، ولم أكن أدري أنّ الأيام القادمة حُبلى بما لم أتوقع. فلم يأت "عيد الحب" في السنة اللاحقة إلا وأنا في سجنٍ من نوع آخر ! ففي الرابع عشر من شباط من العام 2010 كنتُ في يومي الخامس عشر من الإعتقال في "سجن الجنيد". في الليلة السابقة لذلك اليوم بقيتُ مشبوحاً في باحة قسم المخابرات في ذلك السجن حتى الثالثة صباحاً مع غيري من المعتقلين السياسيين في حينه، أما من حالفهم الحظ فتمّ السماح لهم بالنوم في الحادية عشر مساءً. كانت تلك الليلة قاسيةً كغيرها من ليالي شباط الباردة في سجن الجنيد. لا زلت أذكر كيف كانت لفحات الهواء الباردة تخترق عظامنا ثم تستقر كلَعنات صُممت خصيصاً لعقابنا على يد أناسٍ فقدوا إنسانيتهم عند أول قيدِ ربطوه على يد مُعتقل، وأول ضربةٍ ضربوها لمُعتقل، وأول صرخة ارتفعت في وجه مُعتقل. نمت تلك الليلة طبعاً على الكرسي مقيداً للخلف وعلى عينيّ عصبتان "غليظتان". غرقت في نومٍ عميق كنتيجة طبيعية لألم وتعب اليوم السابق، لكنني سرعان ما استيقظت على صرخات العساكر الذين جاؤوا من بيوتهم نشيطين، شربوا قهوتهم وتناولوا فطورهم فأصبحوا أقوياء بشكل كافٍ لتعذيب أناسٍ سُلبوا حريتهم وأوهنهم الضرب والبرد والذي غدا جلاداً من نوعٍ آخر !

 * * *

لم يخطر ببالِ أحدٍ من "المَشبُوحين" أن هذا اليوم هو "عيد الحب". كيف ندري وقد أغرقتنا وخزات الألم، وضربات السياط التي رافقتنا طيلة الأيام الماضية حتى صارت ضرباتُ الجلادين قهوة صباحاتنا المؤلمة، ليصبح حلمُنا الأكبر أن نُرخي أجسامنا غيرَ مربوطة على أرض ولو كانت مغطاةً بقطعة قماش بعيداً عن كرسي بلاستيكي يكسر عظام الظهر.

بدأت جولات الإستفزاز وكان أحدهم ضخم الجثةِ عظيمَ الرأس غليظ الصوت وسميك اليدين، كل قسمة من قسماته ذكرتني بشخصية "الصعيدي عباس" في رواية "العسكري الأسود" ليوسف إدريس. بدأ يهوي بيده الثقيلة على وجوه ورقاب المعتقلين تباعاً كتحية صباحية ... ويصرخ بصوتٍ عال متموج "اليوم الفالانتاين يا شباب، يعني عيد الحب يا شيوخ" ... أكاد أجزم أن أحدنا لم يعِي ما قال، فوقعُ ضرباته كان أقوى من أي شيء!

بعد جولةٍ من الصراخ، سادَ صمتٌ قاتل في تلك الباحة المشؤومة ... لكن يبدوا أنّ هذا الجلاد قد صمتَ ليأخذ استراحةً من من ضرب المعتقلين. ثمّ صار يطلب من بعضهم أن يغني مقطعاً من أغنية هو "إيش نساوي العمر رايح، مرة نزعل مرة نسامح" وطلب من بعضهم أن يُكررها عدة مرات لأنّ صوته لم يكن "غنائياً" في المرة الأولى! جرى كلّ ذلك في مشهدٍ ساديّ بغيض هدفه الأول والأخير كسرأرواحنا وكرامتنا. لم يغِب الجلاد ذاته كثيراً حتى سمعت وّقع خطواته وهو يقترب مني قائلاً: "الشباب والصبايا في الجامعة لابسين أحمر ومبسوطين وانت خليك هون يا شيخ، خليك ماسك بالوطن"! تلك كانت بعضاً من طقوسنا الإحتفالية في "عيد الحب" من عام 2010 .

 * * *

في العامين اللاحقين، أبى "عيد الحبّ" إلا أن يطرق بابي وأنا في سجنٍ آخر، ففي نفس اليوم من عام 2011 و 2012 كنتُ مُعتقلاً في سجن مجدّو قرب حيفا غارقاً في الإعتقال الإداري، في ظرفٍ لما يقل عن سابقاته في العامين السابقين! سمعنا عن ذلك اليوم في المذياع فكانت فُرصةً للقفز فوق الأسوار ولو كان حدّ بصرنا في حينها باباً حديدياً مفتاحه بيد السجان!

اليوم، وأنا أعيش في ظلال الحرية بفضل الله، فإني أكتفي بقليل من الأمل بأن تزهو أعوامنا القادمة بروح الحياة، وأن يستعيد البشر بعضاً من إنسانيتهم التي فقدوها، وأن ننال حريتنا كفلسطنيين ليشعل أحدنا محرّك سيارته منطلقاً من صفد، فيُصلي الظهر في الأقصى ويمر بنابلس وجنين ويمتع عينيه بمشهد النجوم في سماء بئر السبع.

 * * *

×
أخبار
«واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط