كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

خطاب الرئيس في مجلس الأمن.. خطوة إلى الوراء‎

خطاب الرئيس في مجلس الأمن.. خطوة إلى الوراء‎

تاريخ النشر: 2020-02-18 | 09:31

تَرَاجَعَ الرئيس محمود عباس في خطابه أمام مجلس الأمن خطوة إلى الوراء، من خلال تمسكه بنهجه القديم رغم وصوله باعترافه إلى طريق مسدود، محجمًا عن الأخذ بما هدد به باعتماد نهج جديد، حيث ذهب إلى مجلس الأمن بوفد صغير كعادته رغم خطورة المرحلة، لا سيما بعد طرح رؤية ترامب التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية، لا يمثل حتى منظمة التحرير بمختلف فصائلها، ومن دون تمثيل الفصائل الأخرى من داخل المنظمة وخارجها، ولا التجمعات والقطاعات المختلفة، ولا حتى عائلات وأبناء الشهداء والأسرى والجرحى.

واكتفى بترديد رفضه لصفقة ترامب نتنياهو من دون تحديد ماذا يريد من مجلس الأمن، ولا خطته مقابل الصفقة المسمومة، لدرجة أنه لم يكرر أحاديثه عن تسليم مفاتيح السلطة للاحتلال، أو تغيير وظائفها، أو وقف الالتزامات، بما فيها التنسيق الأمني، رغم تناقض هذه العبارات مع بعضها البعض. كما لم يتطرق إلى الوحدة الوطنية مع أنها قانون الأساس للصمود والانتصار.

وبدلًا من ذلك قدم خطابًا ضعيفًا ظهر فيه مستجديًا (أشكو لمين ... حتى لو كانت الأراضي "متنازعًا عليها" ... الضباط الإسرائيليون الذين "دافعوا عن بلادهم" ... "رحمة الله" على رابين)، متعهدًا بالتمسك بالمفاوضات، ولكن هذه المرة عن طريق مؤتمر دولي ومن دون رعاية أميركية انفرادية، غير مدرك أن هذا بات هدفًا بعيد المنال إن لم نقل مستحيلًا، وبحاجة إلى نضال عنيد ومتعدد الأشكال لتغيير موازين القوى، لكي يفرض الحل الفلسطيني في إطار دولي أو من دونه.

تتناقض مطالبته بمؤتمر دولي مع استمرار تعلّقه بأذيال اتفاق أوسلو وإمكانية تحقيق الدولة عن طريق المفاوضات الثنائية (سيبونا نتفاوض مع بعض)، إذ يتحدث عنه مثل العاشق الولهان الذي يتغزل بعشيقته طالبًا ودّها المستحيل، متجاوزًا أنه أس البلاء، معلنًا استمرار بحثه عن شريك إسرائيلي للسلام، لدرجة أبدى استعداده للبقاء في نيويورك إذا وجد من يفاوضه، وأن هناك فرصة لتحقيق السلام (لا ندري مع من وكيف، في ظل أن التيارات السائدة في إسرائيل تتنافس فيما بينها على من هو الأكثر تطرفًا ضد الفلسطينيين، والمعني أكثر بتطبيق رؤية ترامب)، إضافة إلى مواصلة محاربة "الإرهاب والعنف" بكل أشكاله، من دون أن يوضح عن أي "إرهاب" يتحدث، مؤكدًا عزمه رفع عدد الاتفاقات الأمنية بهذا الخصوص بين السلطة و83 دولة إلى 133 دولة!

ولعلّ لقاء الرئيس عباس بأيهود أولمرت نموذج للسقف الذي لا يتجاوزه، المبني على الوهم بإمكانية تغيير إسرائيل من الداخل، متجاهلًا أن الإسرائيليين مستفيدون من نظام الامتيازات العنصري، ما يجعل التغيير ممكنًا أساسًا من الخارج عبر هزيمة المشروع الصهيوني. فأولمرت الذي خرج من السجن حديثًا بعد إدانته بالفساد خارج الحياة السياسية، ولا يتذكره أحد، وأحياه اللقاء من الرميم، وهو من شن العدوان على غزة، ويطالب بدعم عباس، لأنه وحده - كما قال - يمكن أن يساعد على تطبيق صفقة ترامب!

وكذلك يشجّع عباس ويوفّر الغطاء للقاءات التطبيعية، مثلما حدث مؤخرًا في تل أبيب ورام الله مع أشخاص من اليسار الصهيوني المضمحل، فمعظم المشاركين في اللقاءات متقاعدون وغير ذي صلة، وليس صحيحًا أنهم كلهم مع إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة على حدود 1967، بل معظمهم لا يوافق على ذلك، فمنهم من قال إن الحركة الوطنية الفلسطينية ماتت وأن خطة كلينتون كانت الفرصة الفضلى التي حصل وسيحصل عليها الفلسطينيون، ولكنهم لم يملكوا الشجاعة لقبولها (شلومو بن عامي)، ومنهم من تراجع عن تأييد حل الدولتين (يوسي يونا)، ومنهم من يؤيد ضم المستوطنات الكبرى ويعارض ضم المستوطنات الصغرى (أوفير بينس).

إن خطورة هذه اللقاءات مع الإسرائيليين أنها تأتي في وقت تضع فيه اللجان الأميركية الإسرائيلية الخرائط لضم الأغوار والمستوطنات الاستعمارية، أي لم تستوعب القيادة الدروس والعبر من الحصاد المر من الرهان على ما يسمى مسيرة السلام وتقديم التنازلات وحسن النوايا واعتماد المفاوضات إلى الأبد. وتكمن خطورتها الأشد في أنها تستخدم كجسر للتطبيع العربي. فإذا كان الفلسطينيون يطبّعون، فلماذا يمتنع العرب؟! ولعل ردة الفعل الشعبية الغاضبة على هذه اللقاءات رغم أن بعضها خوّن المشاركين دليل على أن الشعب لا يزال حاضرًا ويقف بالمرصاد، وعلى المطبعين أن يعيدوا حساباتهم، وهم ليسوا مجرد جنود يلبون أي طلب من القيادة.

ما سبق يستدعي إعادة النظر في لجنة التواصل، وأسس تشكيلها، وشروط التواصل مع الإسرائيليين. فمنذ تشكيل اللجنة لم يعد هناك معسكر سلام في إسرائيل، ومعظم لقاءاتها كانت مع شخصيات هامشية، وتقوم ببث الأوهام عبر التغطية على طبيعة إسرائيل وخصائصها وإمكانية تغييرها.

كيف نفسّر ماذا حدث؟

لا تزال تؤمن القيادة الفلسطينية بالاستمرار في نهج المفاوضات إلى الأبد، والاستمرار بالرهانات الخاسرة على الغير، وعلى الانتخابات الإسرائيلية لعلها تأتي بحزب "أزرق أبيض" وزعيمه بيني غانتس إلى الحكم، مع أنه ومعسكره لا يختلفان كثيرًا عن نتنياهو ومعسكره، وعلى الانتخابات الأميركية لعلها تسقط دونالد ترامب وتأتي برئيس ديمقراطي، مع أن هذا مستبعد كما تشير مختلف الاستطلاعات، أو الرهان حتى على الدولة العميقة، التي "لن تسمح" لترامب بالمضي في دعم إسرائيل بضم الأغوار والمستعمرات الاستيطانية من دون اتفاق دولي ومشاركة الفلسطينيين.

وما يفسر استمرار إعادة إنتاج الماضي عدم الاستعداد لمواجهة ما جرى، مع أن مقدماته كانت واضحة للعيان، وإدراك عباس والمتنفذين بالقرار أن القيام بما يلزم، مثل تغيير المسار، وسحب الاعتراف بإسرائيل، ووقف التنسيق الأمني، والحد الجدي من التبعية الاقتصادية؛ يفقد السلطة أهم مصادر بقائها وشرعيتها، فهي لم تعد تستمد شرعيتها من الشعب. فالانتخابات لم تعقد منذ 14 عامًا للمجلس التشريعي و15 عامًا للرئاسة. ولا من المقاومة، "فالمقاومة – وفق هؤلاء - هي من دمرتنا، ونحن هُزمنا بلا شك في الانتفاضة الثانية"، لذلك لا تُنفّذ القرارات الوطنية المتخذة بهذا الخصوص. أما الحديث عن المقاومة الشعبية فهو للاستهلاك الشعبي، بدليل عدم وضع الإمكانيات تحت تصرفها، ولا وضع خطة حقيقية لتجسيدها.

ما العمل؟

المطلوب تغيير شامل في الرؤية والإستراتيجية، وتوفر إرادة قويّة تقوم بإعادة بناء مؤسسات المنظمة على أسس وطنية، وشراكة حقيقية لتمثل الشعب الفلسطيني كله قولًا وفعلًا، وتغيير جذري في شكل السلطة وطبيعتها ووظائفها والتزاماتها وموازنتها، ونقل مهماتها السياسية إلى المنظمة، وتخفيض موازنة الأمن، وحل بعض الأجهزة الأمنية، وتغيير العقيدة الأمنية.

كما لا بد من توقف الرهان على حدوث التغيير من قبل الرئيس والقيادة، فهي عاجزة ومهترئة ولا تستجيب إلا بالضغط السياسي والشعبي، ولا تريد ولا تستطيع إن أرادت إحداث التغيير المطلوب بالحد الأدنى. فهي تتصرف على أن رفضها لصفقة ترامب أقصى ما يمكن أن تقوم به، وأن أي خطوة جديدة بمنزلة انتحار سياسي كامل. وهذا يعني أنه لا بد من البحث في كيفية توفير أدوات الضغط والتغيير. أما القوى الأخرى فتقف عاجزة وتنتظر الرئيس حتى يتحرك، وتكتفي بالحفاظ على ما لديها من مكتسبات (مثل سيطرة حركة حماس على قطاع غزة)، وتوجيه اللوم إليه و"كفى الله المؤمنين شر القتال".

الحاجة ملحة لتجاوز كلي لإستراتيجية ردة الفعل، واعتماد إستراتيجية مبادرة فاعلة، تتصدى للتحديات الراهنة، وتشد الخطى نحو المستقبل، ولتوفير أدوات وخطط جديدة، وأشخاص جدد يكافحون لفرض إرادة الشعب ومصالحه من خلال تقديم النموذج، وطرح البديل الوطني الواقعي القادر على التغيير الممكن من دون تبرير لما هو قائم، ولا تبشير يقفز عما هو قائم.

×
أخبار
انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط