كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

خيبة إسرائيل المتكررة من تقلبات الموقف الأميركي تجاه إيران

خيبة إسرائيل المتكررة من تقلبات الموقف الأميركي تجاه إيران

تاريخ النشر: 2026-08-03 | 11:30

علي أبو حبلة
علي أبو حبلة

التحالف الاستراتيجي بين الثوابت السياسية ومتغيرات المصالح

لم يعد التراجع الأميركي المتكرر عن توجيه ضربات عسكرية لإيران مجرد حدث عابر في سياق إدارة الأزمات الإقليمية، بل أصبح مؤشراً استراتيجياً يعكس طبيعة التحولات التي تشهدها السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، ويكشف في الوقت ذاته عن أزمة ثقة متنامية داخل إسرائيل تجاه آليات صنع القرار في واشنطن.

 

فالتقارير الصادرة عن وسائل الإعلام الإسرائيلية، وما رافقها من انتقادات لاذعة صدرت عن مسؤولين عسكريين وسياسيين، تؤكد أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تعيش حالة من الارتباك نتيجة القرارات الأميركية المتغيرة، والتي انتقلت من التهديد بالتصعيد إلى التراجع عنه في اللحظات الأخيرة، الأمر الذي يضعف القدرة على بناء تقديرات عملياتية مستقرة ويؤثر في جاهزية الجيش الإسرائيلي وخططه المستقبلية.

 

إن ما يلفت الانتباه ليس مجرد إلغاء الضربة العسكرية، وإنما تكرار هذا السلوك خلال فترة زمنية قصيرة، بما يعكس أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تتعامل مع الملف الإيراني بمنطق إدارة الضغوط السياسية والتفاوضية أكثر من تعاملها بمنطق الحسم العسكري، وهو ما يثير تساؤلات جدية داخل إسرائيل حول مدى إمكانية الاعتماد على الموقف الأميركي في حال اندلاع مواجهة إقليمية واسعة.

 

وتؤكد هذه التطورات حقيقة طالما حكمت العلاقات الدولية، وهي أن التحالفات، مهما بلغت درجة متانتها، تبقى محكومة بالمصالح الوطنية للدول وليس بالالتزامات السياسية المطلقة. فالولايات المتحدة تنظر إلى أي مواجهة مع إيران من زاوية انعكاساتها على أمن قواتها المنتشرة في المنطقة، وعلى استقرار أسواق الطاقة العالمية، وعلى الاقتصاد الأميركي، فضلاً عن احتمالات اتساع رقعة الحرب لتشمل الخليج والبحر الأحمر والعراق وسوريا، بما يحمله ذلك من أثمان سياسية وعسكرية واقتصادية يصعب احتساب نتائجها.

 

في المقابل، تنطلق إسرائيل من عقيدة أمنية تقوم على مبدأ الضربة الاستباقية والحفاظ على التفوق العسكري النوعي، وترى في استمرار البرنامج النووي الإيراني وتنامي القدرات الصاروخية الإيرانية تهديداً مباشراً لأمنها القومي. ومن هنا جاء الإحباط الإسرائيلي من التراجع الأميركي، باعتباره يمس أحد أهم عناصر الردع التي تعتمد عليها تل أبيب في إدارة صراعها مع إيران.

 

غير أن هذا المشهد يكشف أيضاً عن معضلة إسرائيلية أكثر عمقاً؛ فإسرائيل تمتلك قدرات عسكرية واستخباراتية متقدمة، لكنها تدرك أن أي حرب شاملة مع إيران لا يمكن إدارتها أو تحمل تداعياتها دون دعم أميركي سياسي وعسكري ولوجستي واسع. ومن ثم، فإن هامش الحركة الإسرائيلي يبقى مرتبطاً إلى حد كبير بحدود القرار الأميركي.

 

أما إيران، فتواصل اعتماد استراتيجية تقوم على الصبر الاستراتيجي وإدارة الوقت، مستفيدة من التباينات داخل المعسكر الغربي، ومن حرص واشنطن على تجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة. وقد أتاح لها هذا النهج الحفاظ على أوراق قوتها الإقليمية، مع مواصلة تطوير قدراتها الدفاعية والتفاوضية، بما يعزز موقعها في أي ترتيبات مستقبلية.

 

كما أن ردود الفعل الإسرائيلية الأخيرة تكشف أن القلق لم يعد مقتصراً على التهديد الإيراني، بل امتد إلى طبيعة العلاقة مع الحليف الأميركي ذاته. فالانتقادات التي طالت إدارة ترامب تعكس مخاوف متزايدة من أن تصبح إسرائيل أمام بيئة استراتيجية يصعب فيها التنبؤ بالقرار الأميركي، وهو ما يفرض عليها إعادة تقييم كثير من فرضياتها الأمنية والسياسية.

 

ولا تقتصر تداعيات هذا المشهد على العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية، بل تمتد إلى مجمل معادلات الأمن الإقليمي. فالقوى الدولية، وفي مقدمتها روسيا والصين، تتابع بدقة طبيعة السلوك الأميركي، وتسعى إلى استثمار أي تردد في تعزيز حضورها السياسي والاستراتيجي في الشرق الأوسط، بينما تعمل القوى الإقليمية على إعادة تموضعها وفق موازين القوى الجديدة التي بدأت تتشكل.

 

إن القراءة الاستراتيجية لما يجري تشير إلى أن الولايات المتحدة لا تتجه نحو التخلي عن التزامها بأمن إسرائيل، لكنها في المقابل أصبحت أكثر ميلاً إلى إدارة الصراع بدلاً من توسيعه، وأكثر حرصاً على توظيف أدوات الردع والعقوبات والضغوط السياسية والاقتصادية قبل اللجوء إلى الخيار العسكري. وهذا التحول يعكس إدراكاً أميركياً بأن الحروب الشاملة لم تعد تحقق بالضرورة أهدافها السياسية، وأن كلفتها قد تتجاوز بكثير مكاسبها المحتملة.

 

وفي ضوء ذلك، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة عنوانها إدارة الصراعات لا حسمها، حيث يتراجع خيار المواجهة العسكرية المباشرة لصالح الردع المتبادل، والحروب غير التقليدية، والضغوط الاقتصادية، والعمليات الاستخباراتية، مع بقاء احتمالات التصعيد المحدود قائمة كلما اقتضت حسابات الأطراف ذلك.

 

إن خيبة الأمل الإسرائيلية المتكررة ليست مجرد رد فعل على قرار أميركي بإلغاء ضربة عسكرية، بل هي انعكاس لتحول أعمق في بنية النظام الإقليمي والدولي، حيث أصبحت المصالح الوطنية هي المحدد الأول للسياسات، حتى بين أقرب الحلفاء. ومن هنا، فإن مستقبل العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية سيظل قوياً من حيث الأساس الاستراتيجي، لكنه سيكون أكثر عرضة للتباينات في إدارة الأزمات، وهو ما يفرض على جميع الأطراف إعادة قراءة معادلات القوة والردع في شرق أوسط يتجه نحو مرحلة أكثر تعقيداً وأقل قابلية للتنبؤ.

×
أخبار
جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط