كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

خيبة الزمن التصالحي والمروق الأميركي

خيبة الزمن التصالحي والمروق الأميركي

تاريخ النشر: 2018-01-01 | 16:51

   بين إصبع "نيكي هالي" مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن الدولي، إشارة إلى رفع سيف الفيتو في مواجهة أربعة عشر صوتا مؤيدا لمشروع القرار المصري في شأن القدس، وبين استشهاد ابراهيم أبو ثريا مقطوع الساقين وهو يلوح بالعلم الفلسطيني بيد وبشارة النصر باليد الأخرى، تكمن مفارقة "الزمن التصالحي" الفلسطيني كما العربي، العاجز عن مصالحة ذاتية تعيد اشتقاق طريق كفاحي كفيل بإعادة ترسم دروب وأساليب تحررية، يمكن عبرها استعادة الحقوق أو بعضها إلى أصحابها.

هذا في وقت يجري فيه رمي "الزمن الصراعي" خارج كل أطر الصراع، ليجري استبداله بواقع من الشلل والعجز عن استمرار الصراع أو استئنافه، لا سيما أمام محطة مفصلية هامة، عمدت خلالها الولايات المتحدة بقيادتها الترامبية المحافظة جدا، والأقرب إلى الصهيونية الدينية والسياسية، إلى اتخاذ قرار إلحاق مدينة القدس بفلسطين التاريخية، واعتبار الوطن الفلسطيني كله أرضا محتلة مسلوبة ومنهوبة، ومن حق إسرائيل الكيان الغاصب والمحتل التصرف بها كما تشاء الرؤية التوراتية بخرافاتها وأساطيرها، ووقائعها الراهنة، بما تشكله اليوم من مشتركات اليمين الصهيوني المتطرف والفرق المسيحية الصهيونية التي تنشط في الولايات المتحدة، وتلتف حول مسيحانية تؤمن بمعركة "هرمجدون"، كأسطورة توراتية بامتياز، يؤمن بها عتاة اليمين الأميركي من المسيحيين الصهاينة الإنجيليين، ويراد استدعاؤها اليوم كي ينتصر ترامب والمؤمنون به "مسيحا دجالا" في عالم التجارة والعقارات والصفقات، على حساب قيم المجتمعات الإنسانية في السياسة والدبلوماسية وكل المشتركات التي تعارف عليها البشر.

هكذا مرة أخرى جديدة، تنتقل الولايات المتحدة كدولة عظمى امبراطورية، تنكفىء على ذاتها، وتزداد عزلة في ظل إدارتها الترامبية، إلى دولة مارقة، أكثر مروقا من إسرائيل كدولة كولونيالية، وجدت من ينافسها على مروقها ويضيف إلى هذا الخروج عن قيم ومعايير المجتمع الدولي، ومن يتقاطع معها في سياساتها العدوانية، لتشكلا أكثر الدول مروقا في التاريخ المعاصر.

لقد أفرزت سنوات الخيبة الأوسلوية ثلاثة مآزق اجتمعت كلها دفعة واحدة في أوقات متفاوتة، نتجت من غياب وضع قيادي متماسك، لم يعد قائما للأسف، إلا كنوع من "تصريف أعمال" لا ينتج بدوره سوى المزيد من الأزمات المتراكبة في كامل الوضع الوطني، في الضفة الغربية كما في القدس وغزة وفي الشتات، وقد تركت العاصمة الأبدية لفلسطين التاريخية لمصيرها الذي يتجلى الآن في قرار سياسي مارق تقوده الولايات المتحدة بطلب من حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة، في وقت كان الفلسطينيون يضيعون أوقاتهم في مراهنات على حصان الدولتين الخاسر، وعلى حدود الرابع من حزيران وأوهام تقسيم القدس إلى شرقية وغربية كعاصمتين لدولتين؛ إلى أن جاءت اللطمة الترامبية الحالية، كضربة قاضية لأوهام استسهال إطلاق الشعارات وإحلال المتلازمات المرضية السلطوية وتهيؤاتها محل الواقع الساطع في وضوحه، لمن يمتلك البصر والبصيرة، وينحاز إلى حق المصالح الوطنية في التغلب على باطل المصالح الشخصية والزبائنية الخاصة.

المآزق الثلاثة تتحدد أولا بمأزق قيادة تعجز عن إعادة توحيد وتماسك صفها الوطني، يتفرع منه مأزق مفاوضات غير جدية، ولم تعد قائمة ولا خريطة طريق لها، ومأزق مقاومة لم تعد تستطيع المقاومة، بسبب فقدانها الخطة والبرنامج السياسي والقيادة السياسية والجماهيرية. ومأزق انتفاضة شعبية لم تجد من يوجهها ويدعمها ويوفر لها الغطاء السياسي والبرنامجي، في ظل استمرار عنصر التنسيق الأمني كعامل مضاد، وكعنصر هام من عناصر الهيمنة الإسرائيلية، ليس على سلطة أوسلو السياسية، بل وعلى أدواتها الأمنية.

كل هذا وهناك للأسف من يرى في قرار ترامب ما أسماه "صدمة إيجابية"، لكنها مخزية، ولن تعود بالنفع مطلقا على أي قضية من قضايا هذه البلاد التي أضحت قضاياها تباع بالجملة، وبالدفع الذاتي من جيوبنا، لا من جيوب أعدائنا، فأي هوان أكثر من هذا الهوان، هوان أمة، بل أمم تنزلق بعض سلطاتها الحاكمة أو معظمها وبوعي كامل، نحو قيعان من التردي وإهانة الذات وتزوير التاريخ على ما درج بعض الأسلاف على شراء السلطة بالزيف والتزوير وادعاء أوهام العظمة والتبجيل المرضي لذوات أكثر انحطاطا، قايضت سلطانها وصولجانها برضى "العم ترامب" الرئيس الذي لفظه أكثر من نصف شعبه، فيما بعض السفهاء منا يعتبره اليوم أيقونة قيادية تستحق التعظيم والتبجيل، فيما هو في الحقيقة رجل المروق الأميركي الأول، صاحب الصفقات البعيدة كل البعد عن القيم والأخلاق والمبادىْ التي جرى رميها من قبل أن يصبح سيد البيت الأبيض، وقد جرى تلويث كل هذه الأقانيم والمعايير التي سبق وأن تعارف عليها المجتمع الدولي، وها هي اليوم تسقط من عليائها ومن على منابر المؤسسات الدولية، كما تخرج طريدة من أروقة قصور العديد من حكامنا العرب.

ليس هذا فحسب، فعلى الصعيد السياسي والدبلوماسي والإعلامي والأكاديمي، هناك من انزلق هواه، نحو تأييد حكام وسلطات هانت واستهانت، وأهانت قضاياها وقيم شعوبها وتراثها وإرثها وحقوقها التاريخية، هذا الانزلاق الذي أودى ويودي ببعض كائناتنا "الإنسانية جدا" لاختيار الاصطفاف إلى الجانب الترامبي – الإسرائيلي وهو يمضي في تزييفاته التاريخية والتاريخانية في جعل القدس عاصمة لكيان احتلال كولونيالي، وفي جعل "الحق التاريخي لليهود في الشرق الأوسط" يعني حق إسرائيل في الوجود على حساب أرض ووطن الفلسطينيين، ونفيا لحقوقهم التاريخية، وتفكيكا لمجتمعهم، واعتداءا على حقهم الطبيعي والإنساني والسياسي والسيادي في العيش بكرامة في وطن آبائهم وأجدادهم.

أما الحق التاريخي لليهود في بلادنا، فهو من حيث المبدأ حق مساو ومماثل لحقوق المسلمين والمسيحيين وكل المنتمين إلى إثنيات وأعراق مختلفة، جميعهم يشكلون هوية مواطنية واحدة، لها كامل الحقوق السياسية والمدنية وفق دستور يساوي بين الجميع.

صحيح إن اليهود جزء من المنطقة وتاريخها، إلا أن إسرائيل ككيان كولونيالي غاصب ليست كذلك مطلقا، إلا إذا أردنا التعامي عن الحقائق وإلغاء حاستي البصر والبصيرة، قبل إلغاء المشاعر والأحاسيس الوطنية والتنكر لكل هوية حتى الإنسانية، وهذا هو حال ترامب وأمثاله من المسيحيين الصهاينة ومن بات يعلن صهيونيته بدون خجل أو وجل من العرب.

في ظل خيبة "الزمن التصالحي" هذا، وتغول المروق الأميركي – الترامبي، المضاف إلى المروق الإسرائيلي ومن لف لفهم من عرب خارج التاريخ، سوف يستمر هواننا مضاعفا، إلى أن تصبح "صفقة القرن" الترامبية، واحدة من عوامل قصم ظهورنا جميعا؛ أنظمة وشعوبا، جماعات ومجتمعات. فإذا كان هذا الجمع كله لم يستطع أن ينقذ القدس من براثن الأعداء، فمن ينقذ بعض بقايا الأرض الفلسطينية من هيمنة الاحتلال الكولونيالي الأخذ بالتوسع، والذي سيتوسع أكثر فأكثر، وفق مخططات "صفقة القرن" إياها، وهم يحاولون إدخالها التاريخ، من أبواب شرعها "الزمن التصالحي" باجترائه على إلغاء "الزمن الصراعي"، واجتزاء حقوق الشعب الفلسطيني في وطنه التاريخي، والاجتراء على مقدساته ومقدسات الأمة والعالم أجمع.

×
أخبار
نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط