كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

"داعش"... انهيار الدولة ولغز التنظيم

"داعش"... انهيار الدولة ولغز التنظيم

تاريخ النشر: 2017-10-07 | 11:39

«اسمي محمد الفاهم. ولدتُ في 23 أبريل (نيسان) 1990 في مدينة دورتموند شمال ألمانيا، في عائلة تونسية مهاجرة مكونة من أبي وأمي وشقيقتي. كنت أصغر إخوتي، كنت آخر العنقود. بخلاف أبي الذي كان يعيش ككل الآباء المهاجرين مع قليل من التحرر، كانت أمي شديدة الحرص على التقاليد التونسية».
الكاتب التونسي هادي يحمد نشر كتاباً بعنوان «كنتُ في الرقة»، عرض فيه تاريخاً وتحليلاً داخلياً لشخصية محمد الفاهم، الشاب التونسي الألماني الذي انضم إلى تنظيم داعش وقاتل بين صفوفه، روى للكاتب تاريخ حياته، وفيه حلقات تخلّق شخصيته وجيولوجيا تكونه الديني والاجتماعي، وانتقاله من تونس إلى تركيا عبر ليبيا ومنها إلى سوريا، حيث التحق بتنظيم الدولة.
الكاتب والمفكر كولن ويلسون ألّف كتاباً عنوانه «سيكولوجيا العنف... التاريخ الإجرامي للجنس البشري». أبحر ويلسون عبر كيمياء التاريخ النفسي للبشر، ألقى الضوء القنَّاص على فجوات الخلل في الذات البشرية التي يخترقها صاعق فيروس العنف. كيف يتحول الإنسان في حلقة الضعف الإدراكي إلى كائن جاهل ومجهول، يلغي كل ما في وجدانه وعقله من شحنة قيم وضوابط اجتماعية وأخلاقية، ويشحن رأسه وحواسه وأعضاءه بمس الدم والقتل؟ استعرض ويلسون أحداثاً واقعية موثقة عن جرائم قتل قام بها أشخاص ليست لهم سوابق جنائية؛ بل إن بعضهم كانوا نماذج للإنسانية واللطف والمحبة.
محمد الفاهم الذي جلس معه الكاتب هادي يحمد ساعات طويلة، سجل معه حديثاً طويلاً عن شبابه في ألمانيا وتشكل شخصيته المهاجرة من تونس والمهاجرة إليها في الوقت ذاته. القلق يفرض عليك الاختيار، كما قال الفيلسوف الوجودي كير كيجارد.
ماذا كان اختيار محمد الفاهم تحت مطرقة القلق الوجودي؟ عاد إلى تونس البلاد العربية المسلمة، كي يرضي أمه التي تعلق بها في الغربة الاجتماعية والدينية، والتي نسجت له رداء دينياً إسلامياً عروبياً في دنيا الغربة التي تعج بمباهج الحياة ومغرياتها.
طرح الكاتب هادي يحمد سؤالاً أساسياً، وهو: كيف صُنعت «داعش» داخل هذه الشخصية؟ وأنا أعيد صياغة السؤال: كيف زرعت كبسولة «داعش» في مخ هذا الشخص؟ من دراسة كولن ويلسون عن تشريح مكونات العنف في الذات البشرية، نستل أضواء نلقيها على قراءة هادي يحمد في شخصية محمد الفاهم.
كبسولة العنف المركبة من: الجهل المقدس، والعنف المقدس، والحقد الدموي. هذا الثالوث الذي يُزرع في خلايا الدماغ، يؤسس «داعش» في الرؤوس، ويحول الحواس والأعضاء إلى متفجر تائه يتلذذ بالقتل بما فيه قتل الذات.
محمد الفاهم، الشاب التونسي اليافع انتقل من دورتموند الألمانية إلى نابل التونسية، هناك كان المصنع الثاني لخلايا دماغه، أمه، الخطاب الديني، أحداث فلسطين.
بين كل هذه المحطات المتعددة التي تفصلها مسافات بين الواقع والمعتقد والحلم، تنفلق بذرة في الذات ولدت في سنبلة زرعتها يد القلق الوجودي. أين موقع «الأنا» في رحلة الشاب التونسي المسلم العربي؟
عندما يتداخل الإحباط ويتفاعل مع سؤال الذات، يتدفق ينبوع داخلي من متفجرات الاستفهام. الوجود، الحياة، الهدف منها. يأتي الجواب المغلف بورقة السماء: أنت الإنسان الاستثناء، ستكون ترساً في تغيير العالم إلى كون العدل المطلق والحياة التي يحلم بها البشر منذ قرون. عالم تبنيه أيد تقتل وتقتل، من طلقات بارودها يولد الكون الحلم. ذاك هو الرحم السحري للوجود الجديد. النرجسية بقعة في ذات الذات تفعل فعلها دون توقف. قد تذهب إلى الإبداع والخلق، وقد تدفع إلى العنف بمختلف مستوياته. هناك حفرة بين الذات والآخرين يمكن أن نسميها البرزخ السائل الداخلي العابر للحائل النفسي بين الذوات؛ حيث يُعاد إنتاج الفرد. تلك الخطوط النفسية الخلفية التي عبرها الكاتب هادي يحمد في شخصية محمد الفاهم، الكون النفسي لـ«داعش».
«نتيجة للحياة المهجرية والخوف الدائم بين العائلات المهاجرة من ضياع أبنائها، حرصت أمي على التمسك أكثر بالفرائض الدينية وتربيتنا تربية تونسية محافظة».
هذا ما قاله محمد الفاهم، المشروع الداعشي، للكاتب هادي يحمد. «المحافظ»، هذه الكلمة يسكن في أعماقها أكثر من مفهوم. كلمة تحتوي عالماً آخر، به كتل كبيرة من الكلمات والمتفجرات. عندما تفعّل في مجتمع يختلف، تنمو بذرة الصدام العنيف.
تتحول «الحالة» إلى مشروع. بعد استقراره في تونس انساب محمد في مسارب الرحلة إلى مساحة المشروع، أي الفعل. كي يرضي والدته، قرر الشروع في حفظ القرآن، تردد على عدد من شيوخ الدين، وجالس شباباً لهم ميول متطرفة مختلفة الدرجات. بدأ الحديث يدور عن العمل الجهادي داخل الوطن أو خارجه. كانت الفتوى أن الدولة الإسلامية قد وجدت، وهي الأرض التي لا يظلم بها أحد. قرر أن يهاجر إلى سوريا ليلتحق مهاجراً ومقاتلاً بـ«الدولة». من المحطات التي عبرها الداعشي المهاجر نكتشف منظومة الحركة التي ينتقل عبرها المقاتلون من أوطانهم إلى أرض «الدولة»، العناصر المنتشرة في أكثر من قطر التي تقدم لهم الترتيبات اللوجستية، المواصلات، الإقامة، المال وغيرها. وصل محمد إلى الرقة واندمج في معسكرات «داعش»، خاض أكثر من معركة ومعه عدد كبير من أبناء وطنه تونس؛ لكنه بعد الدخول في أعماق التنظيم والحكم عليه بالجلد من قاضي «داعش»، وجلسات التعذيب المتكررة، قال محمد الفاهم: «بتنا نعتقد كمهاجرين توانسة، أن كل المضايقات الأمنية التي عشناها في تونس لا تساوي شيئاً أمام شراسة الجهاز الأمني لـ(الدولة الإسلامية) ورعبه».
«الدولة الإسلامية» قتلت أحد زعمائها، التونسي محمد الزين المكنى بأبي دجانة، وقتلت كثيرين غيره. قرر محمد الفاهم الهروب من جحيم دولة التعذيب والقتل.
السؤال: هل هرب الداعشي التونسي من المكان، أم هرب من الآيديولوجيا الدموية أيضا؟ المكان جزء من عقيدة «الدولة الإسلامية». تنظيم القاعدة لم يقف عند موضوع المكان، أي أن يقيم له دولة، عكس تنظيم داعش الذي هدف إلى تأسيس دولة الخلافة. لقد دفع تنظيم القاعدة ثمناً هائلاً جراء وجوده كحليف لدولة «طالبان» في أفغانستان، في الحرب التي شنتها أميركا وحلفاؤها. إقامة دولة الخلافة أول أهداف «داعش»، وبعد انهيارها في العراق وسوريا، هل سيلجأ من يبقى على قيد الحياة من أعضاء التنظيم إلى استراتيجية أخرى، كنشر الفوضى والرعب الدموي العنيف في بلدان معينة لإجهاد الأنظمة بما يخلق من ثقوب يستطيعون عبرها الولوج إلى مفاصل الفعل في تلك البلدان؟ هذا السؤال اللغز، يحتاج أن نقف عنده طويلاً عندما يتم الإجهاز الكامل على عناصر التنظيم في سوريا والعراق.

عن الشرق الأوسط

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط