كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

"داعش" في مرحلة ما بعد نكبته الثالثة

"داعش" في مرحلة ما بعد نكبته الثالثة

تاريخ النشر: 2016-10-29 | 08:53

أسبوعان منذ أن انطلقت المعركة التي طال انتظارها، معركة طرد تنظيم «داعش» من الموصل. ستستمر المعركة لأسابيع طويلة مقبلة، ولكن التنظيم سيخسر الموصل بالتأكيد، كما خسر مواقعه الأخرى في العراق وسوريا. وبخسارة التنظيم للموصل، واقتراب معركتي الباب والرقة، معاقل التنظيم في سوريا، لا بد من التساؤل عن مستقبل التنظيم وخياراته في مرحلة ما بعد نكبته الثالثة.
أسس أبو مصعب الزرقاوي جماعته في غرب أفغانستان في العام 1999، التي بدأت العمل في العراق تحت مسمى «جماعة التوحيد والجهاد» في العام 2003. وفي العام التالي أعلن بيعته لتنظيم «القاعدة»، لتتحول «جماعة التوحيد والجهاد» إلى فرع «القاعدة في بلاد الرافدين». وبعد عامين آخرين بات هذا الفرع جزءاً من «مجلس شورى المجاهدين»، الذي ضم جماعات مسلحة سنية عدة تعمل في العراق. وبعد ذلك بأشهر قليلة تم الإعلان عن «دولة العراق الإسلامية»، بقيادة أبو عمر البغدادي. يومها تعهد أبو حمزة المهاجر، خليفة الزرقاوي، لأبو عمر بأن يضع تحت إمرته جيش «القاعدة» المكوّن من اثني عشر ألف فرد. هذا الرقم هو واحد من أرقام كثيرة تكشف حجم التمدد الذي أنجزه هذا التنظيم. لكن ولادة ما عُرف بصحوات الأنبار، التي ضمت أكثر من 60000 مقاتل من أبناء العشائر، وقرار الولايات المتحدة بزيادة وجودها العسكري في العراق مطلع العام 2007، زاد من الضغوط على التنظيم، وأوقع فيه سلسلة من الهزائم العسكرية حرمته من العديد من معاقله، وقتلت الكثير من قادته، وعلى رأسهم أمير التنظيم أبو عمر البغدادي ووزير حربه أبو حمزة المهاجر. فأُجبر الباقون على الانكفاء نحو الصحراء القاحلة في غرب العراق، ولا سيما منطقة وادي حوران. كانت تلك النكبة الأولى للتنظيم. قاد تفجر الخلافات بين الصحوات والحكومة العراقية، وتراجع الأخيرة عن وعودها بتأمين وظائف دائمة لمقاتلي الصحوات، والخلافات السياسية عموماً في العراق في العام 2010، إلى انهيار المنظومة التي تصدت للدواعش الأوائل. ومع تفاقم الخلافات السياسية، خصوصاً في العام 2010، باتت الأرضية مهيأةً لخروج الدواعش من صحراء الأنبار. وبينما سارت تحضيرات هؤلاء ببطء في العراق، كانت جهود رفاقهم في سوريا تسير سيراً أكثر سهولة بكثير، حيث سيطرت «جبهة النصرة» على مساحات واسعة، منها معظم مساحة محافظة الرقة في آذار 2013. فخرج أبو بكر البغدادي، في نيسان 2013، ليعلن عن «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، لتكون هذه هي ذروة الصعود الثاني لهذا التنظيم، ولتكون أيضاً بداية النكبة الثانية. إذ إن التقدم في العراق لم يجرِ بالسهولة التي كانت متوقعة، وبدأت الحرب بين تنظيم «داعش» وباقي الفصائل الإسلامية في سوريا. وإذا كان العام 2010 هو ذروة النكبة الأولى، فإن ذروة النكبة الثانية كانت في مطلع العام 2014، حيث بدأت «جبهة النصرة» وفصائل إسلامية أخرى، في الثالث من كانون الثاني 2014، هجوماً عنيفاً على مواقع «داعش» أخرجه من مناطق مهمة في شمال ووسط سوريا. لم ينجح التنظيم في العراق في اختراق الرمادي، التي وإن كانت حينها خارج سيطرة الحكومة العراقية، إلا أنها قاومت بنجاح محاولة «داعش» السيطرة عليها. في تلك المرحلة، ربيع العام 2014، اقتصرت سيطرة التنظيم على مدينة الرقة وشمال ريف محافظة دير الزور، من دون سيطرة موازية في العراق.
لكن نكبة تنظيم «داعش» لم تدم طويلاً، فانشغال خصومه بملفاتٍ أخرى، وتفجر الخلافات في ما بينهم، سواء في سوريا أو العراق، سمح للتنظيم بالنهوض مرةً أخرى، وبشكلٍ صاروخيٍّ غير مسبوق. وربما ساعد في هذا الصعود أن بعض الأطراف مهدت الطريق لتنظيم «داعش» نكايةً بخصومها. وصلت مسيرة «داعش» ذروتها منتصف العام 2015 عندما سيطر على مدينتي الرمادي العراقية وتدمر السورية. وهذه المرة أيضاً لم تكن نكبة التنظيم بعيدةً.
دفع التدخل العسكري الروسي، نهاية أيلول 2015، الولايات المتحدة إلى مراجعة استراتيجيتها في سوريا، وفي شهر تشرين الأول تم الإعلان عن جملة من القرارات الأميركية. بينها قرار وقف تدريب قوة معارضة سورية معتدلة والانتقال إلى تدريب الفصائل الموجودة على الأرض («قوات سوريا الديموقراطية»)، وإعلان الرئيس الأميركي في 26 تشرين الأول عما عُرف باستراتيجية تسريع هزيمة تنظيم «داعش» التي شملت نشر جنود أميركيين على الأراضي السورية، وأخيراً دفع الجيش التركي إلى دخول الأراضي السورية. كان لهذه القرارات الأثر الأكبر في دحر «داعش»، خصوصاً في سوريا. ولكن لا يخفى أن الدافع الرئيسي خلف التحرك الأميركي المحموم هو التصدي للوجود الروسي في سوريا، وهذا ما يفسر بناء قوات عسكرية أميركية عدة على الأراضي السورية، بينها مطاران عاملان على الأقل. الإشارة إلى الدوافع الأميركية لا تهدف إلى النيل من الولايات المتحدة بقدر ما تهدف إلى الإشارة إلى أن تنظيم «داعش» يمكن أن يستفيد، مرةً ثالثةً أو رابعةً، من التباين في أجندات خصومه.
فـ «قوات سوريا الديموقراطية»، التي يشكل الأكراد غالبية قوتها الضاربة، انطلقوا لدحر «داعش» من المناطق التي تربط بين الكانتونات الكردية الثلاثة، في القامشلي وعين العرب وعفرين، للتمهيد لقيام الفدرالية، وبالتالي لا مصلحة لهم بدحر «داعش» من الرقة أو دير الزور، لا سيما في أعقاب الخسائر الفادحة التي تكبدوها في منبج، وفشلهم في انتزاع أي دعم غربي لمشروع الفيدرالية في سوريا. أما الأتراك فقد دخلوا الأراضي السورية بعدنا ماطلوا الأميركيين طويلاً، تحديداً لكي يمنعوا الأكراد من ربط هذه الكانتونات، ولهذا اختاروا منطقة التوغل الحالية في شمال محافظة حلب بين جرابلس وعفرين. أما الإعلان التركي عن المشاركة في معركة طرد «داعش» من مدينة الرقة السورية فيخدم هذا الهدف تماماً. فالطريقان الوحيدان أمام الجيش التركي نحو الرقة هما، عملياً، إما من منطقة التوغل الحالية نحو منبج ثم عبور الفرات شرقاً نحو الرقة، أو اختراق الأراضي السورية عند تل أبيض ثم الاتجاه جنوباً نحو الرقة. أما الولايات المتحدة فتستفيد من حالة التسابق التركية الكردية للتعاون معها، فتنشر قواتها وقواعدها داخل الأراضي السورية في ظل وجود هؤلاء الذين باتت وظيفتهم عملياً التحول لرأس حربة أميركي. ولكن من له مصلحة، حالياً، في طرد تنظيم «داعش» من باقي المناطق السورية، تحديداً دير الزور، وريفي حمص وحماه، والقلمون الشرقي؟
حتى الآن، وربما حتى نهاية العام القادم، لا مصلحة لأي من هؤلاء اللاعبين بالتحرك نحو دير الزور أو الأجزاء الجنوبية لمحافظة الرقة والأجزاء الشرقية لمحافظتي حمص وحماه، خصوصاً إذا لم يكن هناك من يسابقهم للتوجه نحو تلك المناطق. تنظيم «داعش» يدرك التباين في أجندات خصومه ولهذا اختار، بحسب ما يتوفر من معلومات، نقل كوادره من الموصل إلى الشرق السوري، خصوصاً ريف محافظة دير الزور. غالباً سيترك التنظيم الكثير من كوادره العراقية كخلايا نائمة تنتظر اللحظة المناسبة لتعاود التحرك، وهذا حصل كثيراً في السابق ولا سيما في مدينة الموصل ومحيطها. أما الأجانب، وهم يعدون بالآلاف، فلا سبيل أمامهم للعودة إلى بلادهم، والوجهة الحتمية هي الانسحاب من الموصل وباقي العراق ومن الرقة والباب نحو الشرق السوري.
سيكرر هؤلاء ما فعله التنظيم في أعقاب نكبتيه الأولى والثانية، التوقف عن القتال بأساليب الجيوش النظامية، والانتقال لممارسة حرب العصابات والإرهاب، وموجات التفجيرات بالسيارات المفخخة. والأهم هو أن التنظيم سينتظر انشغال خصومه بأجندات أخرى أو تفجر الخلافات فيما بينهم، وهذا ليس بالمستبعد. فالولايات المتحدة ستنشغل غالباً بالتركيز على وسط وغرب سوريا لمواجهة النفوذ الروسي هناك. كما أنه من المستبعد أن تستمر حالة الهدنة الهشة بين الأكراد والأتراك في الشمال السوري، لا سيما إذا ما أصبح للجيش التركي وجود في كل من الممرين الفاصلين بين الكانتونات الكردية الثلاثة. شيء مشابه يمكن أن يحصل في العراق أيضاً، ولا سيما وسط حالة التنافس التي ظهرت بوضوح مؤخراً بين الأكراد والأتراك والإيرانيين. كما يجب أن نترقب ما سيحصل في العراق في المدن التي سيطرد منها تنظيم «داعش»، لا سيما وسط ما يتداول عن نية لطرد عائلات أنصار «داعش»، وهم يعدون بالآلاف، سواء نتيجةً لتقاليد «الجلوة» العشائرية، أو نتيجةً لقرارات تصدرها السلطات العراقية. فقد أصدرت محافظة صلاح الدين قراراً بترحيل عوائل تنظيم «داعش» إلى خارج المحافظة لمدة عشر سنوات. لا شك بأن العقاب الجماعي الواسع أبعد ما يكون عن وأد تنظيم «داعش».
لكل هذه الأسباب من المستبعد أن نرى نهايةً قريبةً لتنظيم «داعش»، وربما يغير التنظيم اسمه أو رايته أو ينسحب بعض أفراده وكوادره لينضموا إلى فصائل أخرى. ومن المفيد أن نذكر هنا أن «داعش» ليس سوى واحد من جماعات سلفية كثيرة تسعى لتطبيق رؤيتها الخاصة للحكم الإسلامي. والاختلاف بين هذه الجماعات حول الخلافة الإسلامية، هي خلافات حول التوقيت المناسب أكثر منها خلافاتٍ حول صحة الهدف. ومع استمرار الرهان الإقليمي على دعم الجماعات الإسلامية، سواء لاستخدامها ضد الخصوم، أو للاعتقاد بأنها حليفٌ محتمل ـ إذا ما هداها الله ـ فإن الصراع في المنطقة مرشح للاستمرار لسنوات عديدة مقبلة.

عن السفير

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط