كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

‏داوننغ ستريت ووعد بلفور

‏داوننغ ستريت ووعد بلفور

تاريخ النشر: 2025-09-24 | 12:37

‏فتحت مذكرة قانونية، سُلّمت في هذا الشهر (أب / أغسطس) إلى 10 داوننغ ستريت (مقر رئاسة الوزراء البريطانية)، ملفًا ثقيلًا ظّلت بريطانيا تتملّص منه طيلة أكثر من قرن من الزمن، لكنه ظل حاضرًا في ذاكرة الفلسطينيين والعرب والمسلمين وجميع مناصري حقوق الإنسان، مثلما هو حاضرٌ في وعيهم أيضًا.

‏حملت المذكرة القانونية عنوان "بريطانيا مَدينةٌ لفلسطين" وطالبتها بالإيفاء بدينها والاعتراف بمسؤوليتها التاريخية عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي خلال فترة الانتداب البريطاني. كما طالبت المذكّرة الحكومة البريطانية تقديم اعتذار رسمي للشعب العربي الفلسطيني وتعويضه عمّا لحقه من غبن وأضرار تسببت في نكباته اللّاحقة.

‏وكنتُ، بمناسبة الذكرى التسعين لوعد بلفور، قد دعوت إلى اعتذار بريطاني رسمي، وأشرتُ إلى أن فرنسا والولايات المتحدة اللتين طالبتا تركيا بالاعتذار للأرمن، أما كان الأَولى بهما، وبشكل خاص بريطانيا المسؤولة المباشرة، الاعتذار إلى العرب والفلسطينيين عن وعد بلفور، خصوصًا أن المأساة التي سبّبها ما تزال مستمرة ومتعاظمة، إذْ نشهد منذ عامين حرب إبادة مفتوحة تعرضت لها غزة، حيث ارتكبت دولة الاحتلال الإسرائيلي جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب مكتملة الأركان.

‏لقد ترتّب على ذلك الوعد البريطاني (2 تشرين الثاني / نوفمبر 1917)، الذي أصدره آرثر بلفور وزير الخارجية آنذاك الحاق ضرر تاريخي بالشعب العربي الفلسطيني وتشريده ومصادرة حقوقه العادلة والمشروعة وغير القابلة للتصرف.

 وقد استندت الحركة الصهيونية عند تأسيس دولة إسرائيل إلى ذلك الوعد، الذي منحه "من لا يملك لمن لا يستحق" على حدّ تعبير الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وهكذا نشأت في المنطقة بؤرة عدوان وتوتّر ومشروع حرب مستمرّة، حيث قامت إسرائيل باحتلال كامل فلسطين وأجزاء من البلدان العربية، وشكّلت عائقًا أمام تقدّمها وتنميتها.

‏ المذكرة القانونية المؤلفة من 400 صفحة ارتكزت على الإرث الاستعماري البريطاني في فلسطين، وغطّت نحو 41 عامًا من الهيمنة البريطانية (من العام 1917 – 1948)، حيث قامت بريطانيا بدور "قوة الاحتلال" خلال فترة الانتداب.

‏والواقع فإن هذه الخطوة غير المسبوقة لها أهمية كبيرة ومعنوية، وأن الحكومة البريطانية ستكون ملزمة بالردّ على ما جاء فيها من مطالب، ويمكن اللجوء إلى القضاء لمساءلتها عمّا قام بها أسلافها من ارتكابات، وذلك في إطار ما يمكن أن نطلق عليه "العدالة التعويضية" أو "العدالة الانتقالية الدولية"، وهي وجه آخر للعدالة الانتقالية الوطنية.

‏لم تكتفِ المذكرة بتقديم مطالعة قانونية لمساءلة الحكومة البريطانية فحسب، بل أن منيب المصري وهو رجل أعمال معروف (91 عامًا) قدّم شهادة خاصة، حيث كان قد أصيب برصاصة أطلقها جنود بريطانيون عليه عندما كان في الثالثة عشر من عمره، وقال المصري: كنتُ أنتظر هذه اللحظة طيلة 83 عامًا. وخلال كل تلك السنوات كان يأمل في الطعن بوعد بلفور الذي سبّب المأساة الفلسطينية، وأضاف المصري: المأساة الفلسطينية من صنع بريطانيا وعليها الاعتذار وتحمّل مسؤولياتها بخطوه أولى نحو العدالة.

‏لم يكن الفلسطينيون وحدهم هم من سلّم المذكرة القانونية إلى 10 داوننغ ستريت، بل ساهم عدد من اليهود معهم، من بينهم المؤرخ البريطاني آفي شلايم، الذي قال ثمة أدلّة دامغة احتوتها المذكّرة، وعلى بريطانيا تحمّل مسؤولياتها التاريخية عن ضياع فلسطين، فقد كان وعد بلفور خطيئة مهّدت لجرائم لاحقة وصولًا إلى حرب الإبادة في غزة.

‏وقال بن إيمرسون المحامي الدولي المعروف والمقرر الأممي السابق لحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب، أن المذكرة استندت إلى تحليل شامل للأدلّة يثبت مسؤولية لندن عن معاناة شعب فلسطين، وأن بريطانيا مَدينة لفلسطين وعليها سداد ديونها التاريخية.

‏الوعد الذي يتألف من 67 كلمة ليس سوى رسالة شخصية وجّهها وزير إلى مواطن بريطاني اللورد روتشيلد بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وبأحسن الأحوال هو مجرّد تصريح سياسي لا ينطوي على أي إلزام قانوني، لكنه شكّل محور المأساة الفلسطينية لاحقًا، فقد استندت إليه الحركة الصهيونية كبُعد حقوقي في إعلان تأسيس إسرائيل، إضافة إلى مؤتمر سان ريمو وقرار الجمعية العامة رقم 181 لعام 1947، فضلًا عن البعد الأيديولوجي التاريخي "الوعد الإلهي التوراتي" وفقًا للميثولوجيا اليهودية التي تقول أن "الرب يهوا" منح أرضًا لنبيّه ابرام (إبراهام)، وهذه الأرض هي من النيل إلى الفرات، كما جاء في سفر التكوين، وكما يُروَّج حاليًا من تصريحات على لسان القيادات الإسرائيلية، يضاف إلى ذلك أن الحركة الصهيونية تحالفت لتنفيذ هذا الوعد مع الإمبريالية العالمية البريطانية، والأمريكية لاحقًا.

الجدير بالذكر أن مؤتمر ديربن لمناهضة العنصرية (جنوب إفريقيا) عام 2001، طالب بالاعتذار عن أخطاء تاريخية ارتكبتها دول استعمارية، وقد استجابت بلجيكا لما سببته لشعوب الكونغو من قهر واسترقاق، كما استجابت فرنسا جزئيًا بالاعتذار عن فترة استعمارها للجزائر التي دامت 132 عامًا، علمًا بأن هذا المؤتمر الذي كان لي شرف حضوره والمشاركة في أعماله التحضيرية أدان الممارسات الإسرائيلية العنصرية.

‏وإذا تمّ الاعتذار لجنوب إفريقيا عن مذبحة شاربفيل التي حصلت في 21 آذار/ مارس 1960، واعتبر العالم ذكراها يومًا عالميًا ضدّ التمييز العنصري، فلنا أن ندعو إلى اعتبار يوم 2 تشرين الثاني/ نوفمبر (ذكرى وعد بلفور) يومًا عالميًا لمناهضة الاستعمار الاستيطاني.

‏لقد أصاب المفكر إدوارد سعيد كبد الحقيقة حين قال إن أكثر الأيام إيلامًا وإظلامًا في تاريخنا الفلسطيني والعربي، هو يوم وعد بلفور، ولتكن المطالبة بالاعتذار البريطاني والتعويض مدخلًا جديدًا للنضال الدبلوماسي والقانوني الدولي.

نشرت في جريدة القدس العربي في 24 أيلول/ سبتمبر 2025.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط