كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

دحلان والبحث عن المشترك الوطني.. نظرة استشرافية

دحلان والبحث عن المشترك الوطني.. نظرة استشرافية

تاريخ النشر: 2026-08-30 | 14:11

د. أحمد يوسف
د. أحمد يوسف

تمر القضية الفلسطينية بواحدة من أخطر مراحلها التاريخية؛ فحرب الإبادة وما خلفته من دمار هائل في قطاع غزة، وما يجري في الضفة الغربية والقدس من استيطان وضم وتهويد، وضعت شعبنا ومشروعه الوطني أمام تحديات وجودية لم يعد معها مقبولًا الاستمرار في إدارة خلافاتنا بعقلية الماضي، أو استنزاف ما تبقى من طاقاتنا في صراعات داخلية أثبتت السنوات أنها لم تخدم إلا الاحتلال.
في مثل هذه اللحظات، تُقاس القيادات بقدرتها على تجاوز جراح الماضي، والبحث عن المشترك الوطني، واستشراف ما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع، بعيدًا عن لغة الثأر السياسي وتصفية الحسابات.
ومن هذا المنظور يمكن قراءة الكثير من مواقف وتحركات النائب والقيادي في التيار الإصلاحي محمد دحلان، الذي يبدو أنه يفكر في السنوات الأخيرة بعقلية رجل الدولة أكثر من تفكيره بمنطق التنظيم وحده؛ فالرجل يمتلك خبرة طويلة في السياسة، وشبكة علاقات عربية ودولية واسعة، ويتعامل مع ملفات المرحلة من زاوية ما يمكن تحقيقه، لا من زاوية الخصومات التي تراكمت خلال سنوات الانقسام.
وقد أظهرت النقاشات الأخيرة حول إمكانية قيام شراكة انتخابية بين حركة حماس والتيار الإصلاحي أن هناك مساحة سياسية يمكن البناء عليها. فمثل هذه الفكرة، إذا نضجت وانضمت إليها قوى وطنية أخرى، لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد تحالف انتخابي عابر، وإنما بوصفها محاولة للانتقال من أسر الماضي إلى استحقاقات المستقبل.
لقد أصبحت الأولوية اليوم هي كيفية مغالبة تداعيات الكارثة التي حلّت بشعبنا، وترميم البيت الفلسطيني وإعادة بناء أركانه على قواعد متينة من الشراكة الوطنية، بحيث تتسع للجميع ولا تستثني أحدًا. وحضور حماس والتيار الإصلاحي، إلى جانب قوى وطنية وإسلامية أخرى، في قائمة أو تحالف سياسي واسع يمكن أن يمنح المشهد الانتخابي جدية أكبر، ويفتح الباب أمام تطلعات شعبية للإصلاح والتغيير بعد سنوات طويلة من الانقسام وتعطيل المؤسسات المنتخبة.
دحلان، من جانبه، يمتلك أوراقًا لا يمكن تجاهلها. فلديه علاقات جيدة مع مصر وعدد من الدول الخليجية، كما يمتلك قنوات واتصالات على المستوى الدولي. وهذه شبكة مهمة في مرحلة ستحتاج فيها القضية الفلسطينية إلى من يستطيع مخاطبة العواصم المؤثرة، وخاصة واشنطن، التي ستظل لاعبًا رئيسيًا في ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وفي ترتيبات وقف الحرب وإعادة الإعمار وما يسمى بـ"اليوم التالي".
وفي المقابل، تحتاج حماس إلى مساحات سياسية تساعدها على مخاطبة العالم وإيصال رسالتها إلى دوائر يصعب عليها الوصول إليها مباشرة، وتفنيد الرواية الإسرائيلية التي تسعى باستمرار إلى اختزال الحركة في تهم التطرف والإرهاب. وهنا يستطيع دحلان، بحكم علاقاته وخبرته السياسية، أن يؤدي دورًا مهمًا في فتح الأبواب وتخفيف حدة العزلة، إذا قامت العلاقة بين الطرفين على رؤية وطنية واضحة.
وبالمقابل، فإن حماس ليست رقمًا يمكن تجاوزه؛ فهي تمتلك قاعدة شعبية وتنظيمية وحضورًا سياسيًا يجعلها جزءًا أساسيًا من أية معادلة فلسطينية قادمة. وبذلك يمتلك الطرفان أوراق قوة مختلفة يمكن، إذا أحسن استخدامها، أن تتحول من أدوات تنافس وخصومة إلى عناصر تكامل تخدم المشروع الوطني.
وهناك أيضًا استحقاق سياسي لا يمكن تجاهله يتعلق بمرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس، متى جاءت. فتلك المرحلة ستفتح نقاشًا واسعًا حول القيادة الفلسطينية وإعادة بناء منظمة التحرير والسلطة والمؤسسات الوطنية، ومن الخطأ أن تصل القوى الفلسطينية إلى هذه اللحظة من دون تفاهمات تمنع الفراغ والصدام وإعادة إنتاج الانقسام.
ومن هنا، فإن الحديث عن دور متقدم لمحمد دحلان في المستقبل ليس مجرد حديث عن شخص أو طموح سياسي؛ فكل المؤشرات تجعل منه واحدًا من اللاعبين الذين سيكون من الصعب تجاهلهم في أية ترتيبات فلسطينية مقبلة. ولكن أهمية دوره لن تقاس بقدرته على إقصاء الآخرين أو الانتصار في خصومات الماضي، وإنما بقدرته على بناء مظلة سياسية ووطنية تتسع للجميع، وتحويل علاقاته العربية والدولية إلى رصيد للقضية الفلسطينية.
وهذا يفرض على التيار الإصلاحي نفسه أن يقدم مشروعًا يتجاوز خلافه التاريخي داخل حركة فتح، وأن ينفتح على القوى الإسلامية والوطنية واليسارية والمستقلين، كما يفرض على حماس مراجعات في الخطاب والأدوات وشكل المشاركة السياسية، بما يسمح ببناء شراكة لا تقوم على المغالبة أو الاستحواذ، وإنما على الاعتراف المتبادل وتقاسم المسؤولية.
لقد آن الأوان للملمة الصف الفلسطيني. ولسنا بحاجة إلى هذا العدد الكبير من الفصائل والتنظيمات المتناثرة؛ فقد يكون من الأنسب للمستقبل أن يتشكل المشهد حول كتلتين أو ثلاث كتل سياسية كبرى تستوعب مختلف الاتجاهات الوطنية والإسلامية واليسارية والمستقلة، وتتنافس ديمقراطيًا على البرامج، بدلًا من تشتت القرار الوطني بين عشرات العناوين.
إن دحلان قادم، على الأرجح، إلى المشهد الفلسطيني بصورة أكثر حضورًا، ولكن التحدي الحقيقي أمامه وأمام حماس وفتح وبقية القوى هو: بأي مشروع سيأتي الجميع؟
إن كانت الإجابة هي الشراكة، وتجاوز الماضي، وإعادة بناء البيت الفلسطيني، فإن أبواب المستقبل يمكن أن تفتح على مشهد مختلف. فالمطلوب ليس أن يتخلى أحد عن تاريخه أو هويته، وإنما أن يتقدم الجميع خطوة نحو الوطن.
فالخطر الذي يتهدد قضيتنا أكبر من فتح وحماس والتيار الإصلاحي، وأكبر من خلافات الأشخاص والتنظيمات. ولذلك فإن عنوان المرحلة المقبلة يجب أن يكون: البحث عن المشترك الوطني، وتصويب البوصلة نحو فلسطين أولًا.

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط