كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

دُرَّة تاج الأرض

دُرَّة تاج الأرض

تاريخ النشر: 2019-04-05 | 12:28

مقطع مشهدي شعري نثري آخر من النص الممسرح "ما تقوله درة الأرض أو هكذا تتكلم فلسطين: الرسالة الثانية: حوارية الفلسطيني والأرض"*

الشَّبَحُ (الشَّعْبُ الفلسطيني الآن): وقَالَتْ لِيَ الأرْضُ جَدَّتيَّ الغالية (الأرضُ الأُمُّ الْكُبْرَى أمُّ فِلَسْطِين):

"مَكثْتُ طَوَالَ الوقتِ مُذْ عُدْتُ إلى مِقْعَدي وأنا أتُابعُ بِعينٍ ما يجري في الْبَهوِ، وبالأخرى أُحّدِّقُ في دُرَرِ الْعِقْدِ اسْتَكشِفُ أطواءَهَا النُّورانِيَّةَ وأتَعرَّفُ ألْوانَهَا، وأمْعِنُ النَّظَرَ في الدُّرَّةِ الْقِلادةِ الْمُتَوَهِّجَةِ عَلَى صَدْري أسْتَبْطِنُ خَفَايَاها وأسألُ قَلْبَهَا عمَّا تَكْتَنِزُ شِغَافُهُ منْ مَعانٍّ ودلالاتٍ وأسْرَارْ.

وحينَ أتمَّ الْبَحْرُ طُقُوسَهُ وأقفَلَ عائداً وعمَّ الصَّمتُ الْبَهوَ للحظاتٍ، وَجدْتُ في ذلكَ فُرْصةً مُنَاسبة للإصغاء لِهَمْسِ الدُّرة الْقِلادةِ وتأمُّلِ شَغَافَ قَلْبِهَا بِصَفاءِ ذِهْنٍ وإمْعانٍ وتَرْكِيزْ. فَيَا لَرَوْعَةِ الْمُفَاجَأةِ حينَ تُبْرِقُ وتَسْطَعُ! ويَا لَرَهْبةِ الوُصًولِ إلى لَحظةِ الكَشف! هَا هُمَا عَيْنَاي تَقَعَانِ في قَلبِ الدُّرَّةِ الْقِلادة عَلى كَلِمَةٍ مِنْ سِتَّةِ حُرُوفٍ مَنْقُوشةٍ بأنْوارٍ تَعْكِسُ ستةً مِنْ ألوانِ الطَّيفِ فِيما سَابِعُهَا يُشَكِّلُ خلفيةً مٌنيرةً لَها جَمِيعاً!

وها هُمَا أُذُنَايَ تُصْغِيانِ في عَينِ اللَّحظةِ إلى صَوتٍ ينبعثُ مِنْ قَلْبِ الدُّرَّة فَيَلْمَسُ قَلْبي وهو يَنْطِقُ الْكَلِمَةِ، حَرْفَاً حَرْفَاً، ثُمَّ وَهُو يَنْطِقُهَا مُجتَمِعةً بِنَبْرَةٍ آسرةٍ وتناغُمٍ أخَّاذ: "فِلَسْطِينْ"! فَيَا لَجَمالِ هَذِهِ الدُّرَّةِ الْمُنِيرةِ النَّاطقةِ الرَّائِيةِ الْبَصِيرة!

أي حَفيدي، هَلْ تذكُرُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ؟ ألا تَزَالُ تَذكُرَهَا حتَّى الآنَ أمْ تُراكَ نَسيتَهَا تَحْتَ وطْأةِ الْكَرْبِ والْهَمِّ؟! لا، لا، لسْتَ بناسِيْهَا، ولَستَ بِمُسْتَطِيعٍ شيئاً إلا أنْ تَذْكُرَهَا، وليسَ لي أنْ أَشُكَّ في حَقيقةِ أنَّكَ تَذْكُرَهَا أنَّى كُنتَ، وأيَّاً كانت أحوالك، وفي أنَّهَا الآنَ أكثرَ حُضُوراً فِيكَ وإلْحَاحَاً عليك، أفَلَسْتَ أنْتَ مُكْتَشفُ الدُّرَرِ الْقِلائِدِ ومُخْرِجُهَا مِنْ الْخِضَمِّ الْمَائِجِ وَنَاظِمُهَا في عُقُودٍ دُرِّيةٍ مُقَلَّدة؟

إنِّي أذْكُرُ، بلْ إنِّي أُبْصرُ وأسَمَعُ كُلَّ شيء كَما لو أنَّه يَحدثُ الآنَ، هَاأَنَذَا أُبْصِرُ الكلمةَ "فِلَسْطِين" مَنْقُوشةً بالنُّورِ في قَلْبِ الدُّرة الْقِلادَةِ، وهاأنذا أُصْغِي لِصَوتِهَا الْهَامسِ يَنْطِقُهَا مِرَاراً في أذُنيَّ فَيَنْبِضُ لِسَمَاعِها قَلْبي، وهاأنذا أَنْطُقُهَا، مِرَارَاً وتِكْراراً، بِصَوْتٍ عَالٍّ على الملأ، فإذا بالسَّماء والشَّمسِ والْبَحْرِ والكواكبِ والأقمارِ والنُّجوم وكلِّ مَنْ في بَهو قَلْعَة الْمَنَارة يُردِّدُهَا كُلَّما نَطَقْتُهَا، وإذا بالْفَضَاءِ يُرَجِّعُ أصْدَاءَهَا، وإذا بالصَّوتِ والصَّدى والرَّجع يَبُثُّونَ على مَوجَاتِ الأثيرِ الْكَونِيِّ نَغَمَاتٍ باهِرَةٍ تَجْذبُ الأسْمَاعَ فتغمرُ النَّفوسَ بالرَّاحةِ والسَّكينةِ والرِّضا: "فِلَسْطينْ".

"فِلَسْطينْ"، تلك هي الْكَلِمَةُ الاسمُ والنَّعتُ والنَّغم، وهيَ الصَّوتُ والصَّدى ورجْعُ الصَّدى.

وإذْ أتَصَوَّرُ الآنَ أَنَّ "فِلَسْطينَ" قَدْ نُقِشَتْ في قَلْبِكَ يومَ نُقِشَتْ في قُلُوبِ الدُّرَر التَّوائم الَّتي اكْتَشَفْتَهَا، وإذْ أذْكُرُ إنِّي قَدْ أصَغيتُ إلى هَذا الاسمِ مَنْطُوقاً لأوَّلِ مَرَّةٍ في التَّاريخِ، مَعَ مَطْلَعِ التَّاريخ، بِشِفاهِ رُسُلِ التَّاريخِ ثُمَّ بِشَفَتيِّ السَّماءِ ثُمَّ بِهَمسِ شَفَتيِّ قَلْبِ الدُّرَّة الْقِلادة ثُمَّ بِشفَتيَّ ثُمَّ بِشَفَتيِّ الْكَونِ، يتأكَّدُ لي صِدْقَ ما فَعَلتُ حينَ أطلقتُ أنا نَفْسِي هذا الاسمَ عَلَى أُمِّكَ مُذْ خُلِقتْ، وحِينَ جَعَلْتُهُ اسْمَاً ولَقَباً وكُنيةً لَكَ مُذْ حَمَلَتْ بِكَ أُمُّكَ.

ولأنَّكَ أنتَ مَنْ أخْرَجَ الدُّرةَ الْقِلادة وشَقيقَاتِهَا التَّوائم مِنْ عُمْقِ الْبَحْرِ ومَنحَني وأُمَّهُ وقَريِنَتَهُ السَّماويةَ إيَّاهَا قَبلَ أنْ يُدْرِكَ وجودَ توأمينِ آخرين لَهَا تُزيِّنانِ جِيدَ شقيقتيِّ قَرِينَته التَّوأمينِ: حُورِيَّتِّي الشَّمسِ والُبَحرِ، ولأنَّكَ قَدْ أخْلَصتَ لأمَّك الولاءَ، ولأنَّ حَضَارَتَكَ قَدِ اشْرَأَبَّتْ إلى السَّماءِ تستكشِفُ آفاقَ الْكَونِ مُسْتَنيرَةً بأنوار اللَّهِ وأوغَلتْ في الأرضِ والْبَحْرِ تَتَعَرَّفُ أعْمَاقَهُمَا وتَعْمُرْهُما مُسْتَلْهِمَةً هَدْيَهُ وأشواقَ الإنسانِ، فأهَّلَتْكَ أَمَامَ التَّاريخِ والسَّماءِ لِتَقَلُّدِ الأمرِ وَحَمْلِ أمانةِ الْكِتَابِ الْمُنِيرِ، فَزَفَّا حَضَارَتَك إليْكَ حَبِيبَةً لكْ، وتَوَّجَاكَ وإيَّاهَا أمِيراً وأمِيرةً عَلَى عَرْشِ قَلْبي، فإنَّكَ مِثْلِي قَدْ أسْمَيْتَ أُمِّكَ ونَفْسِك وحَضَارَتِكَ وَوَطَنِك بالاسْمِ الَّذي اخْتَارَهُ الْوُجُودُ في تراسلٍ مع إرادتك: "فِلَسْطِينَ".

ولأنَّ هَذَا الاسْمَ قدْ نُحِتَ بيدِ الْوجُودِ في قَلْبِ الدُّرَّةِ، وليس في أيٍّ موضعٍ آخرَ مِنْ أطْوائِهَا الْكَثِيرةِ، فَقَدْ تيقَّنتُ من شُعُورٍ لازمني مُذْ خُلِقْتُ بأنَّ هذا الجُزءَ المُسمَّى "فِلَسْطِينَ" مِنْ جَسَدي هو بالضَّبطِ قَلْبي. وباقترانِ نبضِ الوجودِ مع نَبْضِ الْحَيَاةِ في تَسْمِيَةِ قَلْبِي، بدأتُ أشعُرُ أنَّ دقَّاتِهِ قد انتظمتْ على نَحْوٍ جَعَلَنِي أشْعُرُ بأنَّ حياةً مديدةً تدفُقُ بالخُصُوبة والمجدِ والعنفوان قد شَرَعَتْ تُقْبِلُ نَحْوي فَتَمْلأُني بالفتوَّة الدَّائِمَة والتَّجدُّد الْخَلاَّق.

هكذا اصْطُفِى الْوُجُودُ "فِلَسْطِينُ" لتكونَ دُرَّةً تَاجي، وهكذا ردَّدَتْ السَّماءُ اسمَ "فلسطين" ومَضت تُردِّده وهي تُغَادِرُ حَفْلَ الزَّفَافِ والتَّتويج مُبَارِكَةً الحُضُورَ الَّذِينَ غَادَرُوهُ مِثْلَهَا وَهُمْ يُردِّدُونَهُ.

وهَكَذا تَجَلَّتْ "فِلَسْطِينُ"، بفعلِ فِعْلِكَ الْمُبْدِع في الْحَيَاةِ والْحَضَارَةِ والتَّاريخ، كَينُونَةً فَاعِلَةً راسِخَةً عَاليةَ الْقِيمَةِ في فَضَاءِ الْوُجُودْ.

وهكذا ظلَّت السَّماواتُ والبحارُ والشَّموسُ والأقمارُ والنُّجومُ والكواكبُ والملائكُة ورُسُلُ الحياةِ والتاريخِ والحَضَارةِ الإنْسانيةِ وكلُّ كائناتِ الْكَوُن ومَخْلُوقَاتِهِ أصواتاً تَتَوَاشَجُ وتَلْتَحِمُ كَأَوْتَارِ قِيثَارَةٍ كَونِيَّةٍ تَعْزِفُ، عَلَى مَرَّ العُصُورِ والدُّهُورِ، اسْمَ فِلَسْطِينَ، فَيَعُودُ رجْعُ أصْواتِهَا إليها لَحناً مَحْمُولاً على أمْوَاجِ الأثير الكونيِّ يحملُ اسْمَ حَبِيبَتِي "فِلَسْطِينَ" الَّتي اخْتَارَهَا الْوُجُودُ روضةً لِقَلْبِي، ومنارةً لأضْوائِهْ".

*النص قيد الإعداد للنشر
اللوحة (الشعار): إهداء مقدر من الفنان والمبدع العالي نبيل البقيلي

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط