كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

دردشة وطنية مع حمادة فراعنة

دردشة وطنية مع حمادة فراعنة

تاريخ النشر: 2016-11-10 | 03:11

كثيرةٌ هي القضايا التي تفرقنا، والآراء التي تخلفنا، والأفكار التي لا تجمعنا، والخلفيات الثقافية والتاريخية التي لا تشجعنا على اللقاء، ولا تحفزنا على التفاهم، ولا تساعدنا على التقارب والحوار، فضلاً عن الاتفاق والتعاون، فكلانا قد جاء من مدرسةٍ ثقافية وعقدية مختلفة، وربما متناقضة ومتعارضة إلى حدٍ كبير، وكلانا له تاريخٌ طويلٌ وإرثٌ كبيرٌ في مدارس نضالية فلسطينية متنافسة وغير متوافقة، غرست فينا مفاهيمها، وزرعت في نفوسنا أفكارها، وصبغت بقيمها سلوكياتنا، وحكمت على أساسها تصرفاتنا، فورثتنا حباً وكرهاً، وقبولاً ورفضاً، وجذباً ونفوراً، وسعةً وضيقاً، واستيعاباً وإقصاءً، وأخلاقاً حزبيةً مقيتةً لا تقبل بالصدق، ولا تذعن للحق، ولا تعرف الحب إلا مصلحةً، ولا تؤمن بالإخلاصِ إلا مطيةً.

لكنني ما إن جلست وإياه، وأقصد الأستاذ حمادة فراعنة، مساءَ يومٍ في بهو فندقٍ في العاصمة اللبنانية بيروت، حتى اكتشفتُ وهمَ ما قدمتُ، وزيفَ ما عرضتُ، وخطأَ ما توهمتُ، إذ وجدتُ نفسي مع فلسطينيٍ ألتقي، ومع لداويٍ بأصله يفتخر، وبانتمائه يزهو، وبوطنه يشدو، وبشعبه يفخر، تشده الأصول، وتحركه العواطف، ويدفعه الحنين إلى الوطن كله، وتسكنه هموم الشعب بأسره، وتربطه مع الفلسطينيين وشائجٌ متينة وأواصر من الحنبة شديدة، فقط لأنهم فلسطينيون، وأعجبني فيه تجرده من كل صفةٍ، وتخليه عن كل لقب، ونأيه بنفسه عن كل قبيلةٍ وعشيرة، واستعلائه عن كل عصبيةٍ وفئويةٍ وحزبيةٍ، مكتفياً بالقول أنه فلسطيني، وكفاني منه هذا الاعتراف لأن أكون قريبه، وأن أشاركه همومه وأفكاره.

معاً قد اتفقنا أن قوة العدو في ضعفنا، واستعلاءه في خنوعنا، وتفوقه في تراجعنا، وتقدمه في تخلفنا، وأنه ما كان له أن يعيش القوة لولا ضعفنا نحن، واستكانتنا أمامه، وتخلينا عن عوامل القوة التي نملك، ومقومات العزة والكرامة التي نستشعر، وعدم محاولتنا تغيير واقعنا المهزوز والتخلص منه، ولولا ذلك لكنا نحن الأقوى والأقدر، وما كان للعدو أن يتجرأ علينا ويعتدي على حقوقنا، إلا أننا قد سلمنا له بالقوة، وقبلنا له بالتفوق والرفعة، وارتضينا لأنفسنا تجاهه بالضعف والمهانة، فلا نستغرب اعتداءه علينا، وظلمه لنا، وتماديه في الإساءة إلينا.

معاً قد رأينا أن الجاهل لا يهزم المثقف، والفقير لا يقوى على الغني، والضعيف لا ينتصر على القوي، وهي عواملٌ ومقوماتٌ تميز بها العدو علينا، ولكننا أقوى منه بوجودنا في الأرض، وثباتنا على الحق، ورفضنا لمنطق النزوح والهجرة من جديد، إذ بتنا اليوم أكثر من ستة ملايين ونصف المليون فلسطيني نسكن الأرض الفلسطينية، ونغرس جذورنا فيها عميقاً، ونتمسك في حقنا فيها عقيدةً، مقابل ذات العدد من اليهود الوافدين، الذين لا يملكون في الأرض ذاكرةً ولا حقوقاً، وليس لهم فيها إلا تخاريفاً وأحلاماً، وخيالاتٍ بعيدةً وأماني مستحيلة.

ووقفنا ملياً أمام خضوع العدو واستسلامه رغم أنفه إثر انتفاضة الحجارة الأولى، التي أرغمته على الالتفاف عليها بحواراتٍ جانبية واتفاقياتٍ سياسية، إذ كانت الانتفاضة الأولى صفحةً مشرقةً في تاريخ الشعب الفلسطيني، وكشفت عن بطولةٍ عميقةٍ فيه، تسكن رجاله وأطفاله، وهي ذات الانتفاضة الثانية وإن تغير شكلها واسمها، التي أجبرت العدو على تفكيك مستوطناته وترحيل مستوطنيه والانسحاب من قطاع غزة.

وكانت فرصةً للإشادة بالزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، الذي غرس الوطن في الوطن، وأعاد القضية إلى عمق الوطن، وسلم الأمانة إلى الشعب في الأرض المقدسة، وجعل الصراع من أجل العودة إلى فلسطين في فلسطين نفسها، وكان رهانه على الشعب أبقى، والثبات على الأرض أولى، والصمود أمام العدو أمضى، وعندما شعر بأن عدوه وحليفه يريد منه التخلي عن حق العودة وشرعية المقدسات، تمنع ورفض، وأبى واستعصم، فكان في قراره منيته، وفي صموده نهايته.

ورأينا أن هوية الأرض الفلسطينية هي بأهلها وبسكانها، وهم اليوم يساوون العدو تقريباً وغداً قد يتجاوزونه عدداً، فكان تأكيدنا على وجوب صمود الشعب في أرضه، وتمسكه بحقوقه، فهذا الوجود هو الذي يبقي على القضية الفلسطينية حية، ويمنع شطبها وتجاوزها ما بقي الإنسان الفلسطيني فيها، فهو صاحب الحلم بالدولة التي كان على موعدٍ معها قبل أقل من قرنٍ من الزمان، وأولى بالحالمين بالعودة إلى دولةٍ يدعون أنها كانت لهم في التاريخ قبل ألفي سنةٍ مضت.

ومعاً قد أصابنا الوجوم وكست وجوهنا مسحة الألم، ونحن ندعو إلى التخفيف عن شعبنا المحاصر في قطاع غزة، وضرورة أن يبذل كل من يستطيع إلى ذلك جهده لرفع الحصار، وتمكين الفلسطينيين من العيش بعزةٍ وكرامةٍ، ذلك أن أهلنا في قطاع غزة يعانون ويقاسون، ويتألمون ويعذبون نتيجة الحصار المفروض عليهم، في حين أن مصر قادرة على تغيير سياستها فيستفيد اقتصادها وينتعش، في الوقت الذي تخفف فيه من معاناة قطاع غزة، وتفتح أمامه معبر رفح، الذي هو شريان الحياة بالنسبة له.

ومعاً قد رأينا وجوب إعادة اللحمة والوحدة إلى حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"، وضرورة أن تعود حركةً قويةً موحدةَ الجسم والرأس، تحت قيادةٍ وطنيةٍ رشيدةٍ، تعيد أمجاد حركة فتح التاريخية، ويكون على رأسها قيادة وطنية صادقة وواعدة، تؤمن بالجمع الفلسطيني، وتكون كالجبهة الوطنية العامة، يلتحق بها الوطنيون، ويعمل تحت لوائها من شاء من الفلسطينيين، على قاعدة توسيع إطار التوافقات الوطنية، وتقليل هامش الاختلافات والتناقضات الحزبية والشخصية.

ورأينا أن مصالحة الحركتين الكبيرتين، فتح وحماس، واجبةٌ وضرورية، وأنه ينبغي إنجازها والإسراع في تنفيذها، حرصاً على الشعب، وصيانةً للقضية، ووفاءً لدماء الشهداء وكرامةً للأسرى والمعتقلين، وأن على قيادة الحركتين أن يكونوا صادقين في مواقفهم، وصريحين مع شعبهم، فلا يقولون في أنديتهم الخاصة شيئاً ويناقضونه إذا خاطبوا العامة، وأنه ينبغي عليهما أن يدركوا أنهم أقرب لبعضهم من كل الوسطاء، وأدعى للتفاهم واللقاء بدون المبادرات، وأنه يمكنهم اللقاء والاتفاق دون أن يكونوا مضطرين لدفع ضريبةٍ أو أداء بدلٍ.

كلنا يستطيع أن يقاوم بطريقته، وأن يناضل بوسيلته، وأن يرسخ الحق بآلته، فلا نستخف بجهد مقاتلٍ، ولا بقلم مقاوم، ولا بلسان خطيب، ولا برأي محللٍ أو قارئ، فرُبَ كاتبٍ استفز عدواً، ونكأ جراحه وعمق آلامه، ورب خطيب جَيَّشَ شعباً واستفزَ بالحق أمةً، وعلينا ألا نقبل بمن يفرقنا، ولا نسكت على من يمزقنا، ولا نستسلم لموروثاتٍ باطلةٍ، ولا لمفاهيم خاطئة، ولا نخضع لتعليماتٍ حزبيةٍ وتنظيميةٍ فاسدةٍ.

بيروت في 10/11/2016

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط