كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

درس مباراة «يوليو» التاريخية

درس مباراة «يوليو» التاريخية

تاريخ النشر: 2026-07-10 | 13:00

محمد مصطفى أبو شامة
محمد مصطفى أبو شامة

هناك مباريات تُحسم بالأهداف، وأخرى تُحسم بالنقاط، لكن مباريات قليلة فقط تتحول إلى دروس تتجاوز حدود الملعب وما جرى في مواجهة مصر والأرجنتين يوم 7/7، ضمن منافسات كأس العالم 2026، ينتمي بلا شك إلى هذا النوع النادر من المباريات.

كدت أنشر هذا المقال فور إطلاق صافرة النهاية، لكنني فضّلت تأجيله حتى تهدأ الأحزان، مدركاً أن النقاش في لحظة الصدمة لا ينتج سوي الانفعال، بينما تحتاج مثل هذه التجارب الثقيلة إلى قدر من الهدوء يسمح بقراءة ما حدث بعقل بارد، بعيداً عن الغضب والبحث عن شماعة للهزيمة.

لقد أثبت المنتخب المصري أنه قادر على مجاراة بطل العالم، بل والتفوق عليه معظم فترات المباراة وأن الفارق لم يكن في المهارة أو الإمكانات، بقدر ما كان في إدارة أصعب لحظات اللقاء؛ الدقائق الأخيرة.

ومن بين أكثر القراءات عمقاً لما جري، جاء مقال الدكتور محمد المهدي، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، الذي نشره على حسابه الشخصي في إحدي منصات التواصل الاجتماعي، بعنوان: «سيكولوجية الانهيار في الدقائق الأخيرة.. ماذا حدث داخل العقل المصري أمام الأرجنتين؟».

يرى الدكتور المهدي أن ما حدث لا يمكن تفسيره بعامل واحد، لكنه يركز على ما يسميه «الانتقال المبكر إلى عقلية النصر»، فيقول: «حين يقترب الإنسان من تحقيق هدف كبير يبدأ عقله لا شعورياً في التعامل مع الإنجاز باعتباره قد تحقق بالفعل.. فيتحول من عقلية القتال من أجل الفوز إلى عقلية الدفاع عن الفوز، فتزداد الضغوط وتبدأ الأخطاء الصغيرة التي تفتح الباب أمام الانهيار»، ويخلص إلى أن الدرس الحقيقي هو: «النجاح لا يتحقق عند الدقيقة الثمانين أو الخامسة والثمانين أو حتى التسعين، بل عند إطلاق صافرة النهاية».

هذه القراءة النفسية تستحق التوقف أمامها، لأنها تفسر جانباً مهماً مما حدث، وتؤكد أن المنتخبات الكبرى لا تتدرب فقط على بناء الهجمات، بل تتدرب أيضاً على كيفية إدارة اللحظات الحاسمة والحفاظ على التقدم تحت أعلى درجات الضغط.

غير أنني أختلف مع الدكتور المهدي في نقطة واحدة، وهي تركيزه النسبي على محمد صلاح فهو يقول: «إذا كان الفريق كله قد تعرض لهذا الضغط، فإن العبء الأكبر يقع عادة على القائد.. وقد يكون من الظلم تحميل صلاح مسئولية ما حدث، لكنه بحكم مكانته أصبح رمزاً للحلم المصري كله» ثم يقارن بينه وبين «ميسي» بقوله: «ميسي يتحرك بديناميكية عالية ويبذل جهداً خارقاً ليحول الهزيمة إلى نصر، بينما كانت حركة محمد صلاح محدودة، وربما انتقلت روح الطمأنينة المبكرة بالنصر إلى باقي الفريق».

وأعتقد أن هذه المقارنة، رغم وجاهتها من منظور نفسي، لا تكفي لتفسير ما حدث فالمباراة لم تكن مسئولية لاعب، مهما بلغت قيمته، وإنما مسئولية منظومة كاملة، إدارة الدقائق الأخيرة ليست مهمة القائد وحده، بل هي مسئولية الجهاز الفني، واللاعبين، والخبرة الجماعية في التعامل مع مثل هذه السيناريوهات.

فالمنتخب المصري لم يكن يدافع عن تقدم عادي، وإنما كان على بعد دقائق من إقصاء بطل العالم، بعد أن تقدم بهدفين، وسجل هدفاً ثالثاً أُلغي، ولم يتبقَّ سوي أقل من ربع ساعة، هذه تجربة جديدة لم يعشها هذا الجيل من قبل، ولا تُكتسب من التدريبات النظرية، وإنما من تراكم الخبرات والمواجهات الكبري.

ومن هنا، فإن الحديث عن التحكيم -رغم مشروعيته- يجب ألا يحجب عنا الدرس الأهم، نعم، هناك قرارات أثارت جدلاً واسعاً داخل مصر وخارجها، لكن اختزال المباراة كلها في أخطاء التحكيم يعني إهدار فرصة ثمينة للتعلم.

واللافت أن رد الفعل الدولي جاء مختلفاً عن حالة الإحباط التي سادت في الداخل. فقد احتفت وسائل الإعلام العالمية بالمباراة باعتبارها واحدة من أكثر مباريات البطولة إثارة، وأشادت بشجاعة المنتخب المصري، الذي وضع بطل العالم في موقف لم يتوقعه أحد، وأكد أنه بات قادراً على منافسة كبار اللعبة. وفي المقابل، اعتبرت عودة الأرجنتين في الدقائق الأخيرة نموذجاً لعقلية البطل الذي يواصل القتال حتى اللحظة الأخيرة، وهي العقلية التي صنعت الفارق في النهاية.

وهنا يكمن الدرس الحقيقي.

المنتخبات الكبيرة لا تُقاس فقط بقدرتها على التقدم في النتيجة، وإنما بقدرتها على إدارة التقدم، والفارق بين فريق جيد وفريق بطل، ليس في كيفية تسجيل الهدف الأول، وإنما في كيفية التعامل مع الدقائق الأخيرة عندما يصبح الضغط في أعلى مستوياته.

لقد خسرت مصر مباراة، لكنها ربحت تجربة قد تكون الأهم في تاريخ هذا الجيل فإذا أحسنا قراءة ما حدث، واستفدنا منه فنياً ونفسياً، فإن مباراة 7/7 لن تُذكر باعتبارها ليلة ضاع فيها حلم، بل باعتبارها الليلة التي تعلمت فيها الكرة المصرية أحد أهم دروسها.

فالاعتراف بأوجه القصور ليس انتقاصاً من أحد، بل هو بداية التطور أما تكرار الحديث عن التحكيم وحده، فلن يغير من النتيجة شيئاً، ولن يمنع تكرار المشهد إذا واجهنا الموقف نفسه مرة أخري.

وربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي منحته لنا مباراة 7/7 التاريخية: لا تحتفل بالنصر قبل صافرة النهاية، ولا تتوقف عن القتال لأنك اقتربت من الهدف؛ ففي كثير من الأحيان، تكون أخطر لحظات الرحلة هي تلك التي نظن فيها أن الرحلة قد انتهت.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط