كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

دروسٌ طالبانية متعددةُ الاتجاهاتِ ومختلفةُ العناوين "2"

دروسٌ طالبانية متعددةُ الاتجاهاتِ ومختلفةُ العناوين "2"

تاريخ النشر: 2021-08-20 | 15:43

د. مصطفى يوسف اللداوي
د. مصطفى يوسف اللداوي

للوصول إلى النصر المنشود وتحقيق الأمل المعقود والحلم الموعود، ينبغي ألا ينتاب الحركات الثورية يأسٌ أو إحباطٌ، ولا يعتريها شكٌ أو تردد، أو يستبد بها ضعفٌ وخورُ، أو يسكنها الجبنُ والعجزُ، مهما كانت الصعاب أو التحديات، وأياً تكن الفروقات والاختلافات، فلا تشعر بالخيبة بسبب اختلال موازين القوى وتفوق العدو واستعلائه، وقوته وجبروته، فهذا هو بداية طريق النصر وأساس الظفر، وإلا فلا غلبة لمتردد ولا نصر لضعيفٍ عاجزٍ، ولا كسب أو فوز لمرتعشٍ خائفٍ، وهذا ما يحدثنا به التاريخ القديم وملاحم حركات التحرر في القرن المنصرم، الذين انتزعوا النصر من الأقوياء، وأرغموا المحتلين على الانكفاء والجلاء، ولملمة الجراح وجمع الموتى وتهيئة الأكفان.

وليس أقوى ولا أعتى بين دول العالم كله في العصر الحديث من الولايات المتحدة الأمريكية، فهي رأس الإمبريالية العالمية، وسيدة الرأسمالية المتوحشة، ورائدة الاستعمار الجديد، الخشن بقوة السلاح وبطش التدمير، والناعم بخبث الحصار وشدة التجويع،

والتي لم تتأخر يوماً على مدى عشرين عاماً متواصلة، في استخدام أقصى ما لديها من قوةٍ مدمرةٍ في قصف الأفغان، مدناً وجبالاً، بيوتاً ومدارس، شوارع وأسواق، مدنيين وعسكريين، أطفالاً ونساءً وشيوخاً، ومقاتلين في الميدان ومتطوعين في المراكز والمخيمات، ولعلها قتلت من المدنيين أضعاف المقاتلين، وأضرت بالشعب الأفغاني أكثر مما أضرت ببنية المقاتلين وقدراتهم.

ظن كثيرٌ من المراقبين والمتابعين، بعد أن شكلت الولايات المتحدة الأمريكية عام 2001 أكبر تحالفٍ دوليٍ لحرب طالبان وإسقاط نظامها وتفكيك إمارتها، وضمت إليها دولاً لا تقل عنها شراسةً ووحشيةٍ، بالنظر إلى تاريخها الاستعماري وماضيها العسكري كفرنسا وبريطانيا وأستراليا وغيرها، أن الزمن لن يعود إلى الوراء أبداً، وأن حركة طالبان لن تنهض من كبوتها، ولن تستفيق من الضربة التي وجهت إليها، وأن زمانها الذي حكمت فيه وسيطرت قد ولى إلى الأبد، فقد ضربها التحالف الدولي بعنفٍ مطلقٍ وقوةٍ مفرطةٍ، ثأراً وانتقاماً وكياً لوعيهم، لئلا يفكروا بالعودة إلى ما كانوا عليه، وأظهرت في عدوانها عليهم غطرسةً وغروراً، واستكباراً وعلواً، وظنت أنها لن تشبه السابقين أمثالها، وأن ما أصاب الإنجليز والاتحاد السوفيتي لن يصيبها.

منيت حركة طالبان والمؤيدون لها على مدى العشرين عاماً الماضية، بآلاف القتلى ومثلهم من الجرحى والمعتقلين، وتشتت في أطراف الأرض وتمزقت، ولجأت إلى الجبال والكهوف والوديان، وحرمت من كل وسائل التواصل والتنسيق، وفتحت لها السلطة الأفغانية الجديدة عشرات السجون والمعتقلات، زجت فيها قادتهم ومقاتليهم، وأنشأت لها الإدارة الأمريكية معتقلاً خاصاً في غوانتانامو، ليكون منفىً لقادتها وعزلاً لعناصرها، وعقاباً وجزاءً لهم على قتالها.

وزادت خسائر الحركة أكثر بانفضاض الشعب من حولهم، وتخلي الناس عنهم، فقد أساؤوا سياستهم، وأخطأوا في التعامل معهم، إذ ضيقوا عليهم وتشددوا في تطبيق الشريعة "التي يرونها" عليهم، فضاق بهم الشعب ذرعاً، ونأى بنفسه عنهم، وتعامل بعضه مع الأمريكيين ودول التحالف ضدهم، كرهاً فيهم وخوفاً من عودتهم.

لكن حركة طالبان، التي راجعت سيرتها، وعدلت منهجها، واستفادت من أخطائها، وتخلت عن تشددها، وبنت علاقات حسن جوارٍ مع جيرانها، وأرسلت رسائل إيجابية إلى كل من تظن أنه مؤمنٌ بها وضنينٌ عليها، استطاعت بعد أن أدركت أخطاءها وصححتها، وعرفت اعوجاجها وقومته، أن تعيد بناء صفوفها بثقةٍ ويقينٍ، وعزمٍ ومضاءٍ أقلق الأمريكيين وأرعبهم، ودفعهم خلال أكثر من إدارةٍ إلى التفكير الجاد في الخروج من أفغانستان، والتخلي عن أحلامهم فيها، وتسليمها إلى أهلها بعد أن رعت انتخاباتهم وشكلت سلطتهم، ودربت جيشهم وأهلت مؤسساتهم، على أمل أن تواصل السلطة "العميلة" ما بدأت، وأن تكون أمينةً على الأهداف التي سعت إليها وضحت من أجلها.

واصلت حركة طالبان قتالها، رغم فداحة الخسائر وفارق القدرات، وأصرت على مقاومتها، وبدأت تجني حصاد تغيير سياستها وتبدل أفكارها، فقد عقدت ندوات ومؤتمرات، واستضافت شخصياتٍ وخبراء، واستمعت إلى أصدقاء وحلفاء، ونسجت علاقاتٍ مع الصين وإيران، ومع العرب والهند وباكستان، ما حقق لها التغيير المنشود، والشكل الجديد الذي يُرجَى أن يكون مختلفاً، فالتحق بها وانضوى تحت صفوفها الكثير من الأفغان الذين يناوئونهم ويخاصمونهم، ويخافون منهم ولا يطمئنون إليهم، واستطاعت رغم ضراوة الحرب وشدة العدوان، وعنف وغطرسة الأمريكان، أن تحقق انتصاراتٍ عديدة في أكثر من ولايةٍ ومدينةٍ، وسارت فيها بثباتٍ ويقينٍ سير السكين في الزبد الطري، فسقطت في أيديها ووالتها، ورحبت بها وأيدتها.

لست فيما أكتب مدَّاحاً لحركة طالبان ولا مؤيداً لها أو داعٍ إليها، ولكنني كما كنت شغوفاً بدراسة تجارب الفيتناميين الذين حرقت بيوتهم ودمرت بلداتهم، والجزائريين الذين انساح دمهم في الشوارع وجرى سيولاً لكثرة الشهداء، فإنني أرى أن حركة طالبان قد مضت على نهجهم ونجحت، وسارت على دربهم ووصلت، فما بالنا نحن الفلسطينيين لا نكون مثلهم، ولا نتشبه بهم، ونرفض أن نستفيد من تجربتهم، فلا نخضع لعدونا ونخنع له بحجة اختلال موازين القوى وتغير معادلات الصراع، فصاحب الحق هو الأقوى، والمقاتل في الميدان هو الأصدق، والثابت على المبادئ هو الأقدر، والمضحي في سبيل حقوقه هو الأجدر بالنصر والأحق بالفوز.

يتبع...

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط