كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

دروسٌ طالبانية متعددةُ الاتجاهاتِ ومختلفةُ العناوين "3"

دروسٌ طالبانية متعددةُ الاتجاهاتِ ومختلفةُ العناوين "3"

تاريخ النشر: 2021-08-21 | 09:24

د. مصطفى يوسف اللداوي
د. مصطفى يوسف اللداوي

المفاوضاتُ ليست عيباً ولا تفريطاً، وليست ردة ولا خيانة، وليست اعترافاً وقبولاً، أو خضوعاً وخنوعاً، أو تنازلاً واستسلاماً، بل هي إن جرت على أصولها، وحافظت على ثوابتها، وتمسكت بشروطها، ولم تقدم تنازلاً يخل بها أو تقبل بشروطٍ تقيدها وضوابط تكبلها، فإنها تكون شكلاً من أشكال المقاومة، ووسيلةً من وسائل النضال، وقد تحقق بذكاء المفاوضين وحنكة الممثلين، وثباتهم على مواقفهم وإصرارهم على حقوقهم، وعنادهم في سبيل غاياتهم، ما عجزت عن تحقيقه البندقية، وما فشلت في الوصول إليه القوة.

ولست هنا أتحدث عن القضية الفلسطينية التي لا ينطبق عليها المثال، ولا يتشابه معها الحال، فهي لا تخضع للتجربة، ولا يجوز فيها المغامرة أو المجازفة، فالمفاوضات الفلسطينية مع العدو خيانة، وهي تفريطٌ وتنازلٌ، وهي مدعاة للخسارة والفقد، والتسليم والاعتراف، وهي تشريعٌ للغاصب وتقنين للمحتل، وهي تحريضٌ للآخرين للتقليد وتشجيعٌ لهم للتشبه، وتبريرٌ لهم للجريمة، فلا يجوز في قضيتنا الفلسطينية اللجوء إليها والقبول بها أصلاً وحكماً، شرعاً وقانوناً، ووطنية وقومية، فكيف الحال بعد التجربة الطويلة والمحادثات الفاشلة، والوساطات الكاذبة، والنتائج المشوهة والواقع المرير، الذي أنتجته سنوات الحوار والمفاوضات، وخلقته أوسلو وبقية الاتفاقيات، التي أثبتت عقمها وأظهرت فشلها، وأكدت على أصل بطلانها.

لكن حركة طالبان التي ما زلت أرى وجوب وأهمية دراسة تجربتها، وتقييمها من مختلف الاتجاهات، كونها التجربة الأحدث والأقرب إلينا والأكثر تأثيراً علينا، بعيداً عن تأييدها والإشادة بها كما يظن البعض ويعتقدُ، فهي لم تظهر حسناً بعدُ، ولم تبدِ تغيراً لافتاً أو تبدلاً حقيقياً، وإن كانت تبدو أنها على الطريق نحو التغيير الحقيقي لا الشكلي أو الظاهري، ولعل تجربتها تفيدنا كثيراً انطلاقاً من واقعها المرتبط مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعتبر سند الكيان الصهيوني وحاميةً له، إذ أنها وبكل الوجوه والاحتمالات والتصورات والخيالات، قد تمكنت من فرض إرادتها على الإدارة الأمريكية وأرغمتها، وأجبرتها على تقديم تنازلاتٍ موجعةٍ، ما كانت تظن يوماً أنها ستقدم عليها وستتنازل عنها.

صحيحٌ جداً أن دولة قطر هي التي سعت وبادرت، وعملت واشتغلت على إحداث شرارة التفاوض وتحقيق اللقاء بين الإدارة الأمريكية وحركة طالبان التي تستضيفها، ولكنها ما كانت لتقدم على هذه الخطوة لولا الموافقة الأمريكية، بل تأييدها ومباركتها إن لم أقل أنها هي التي طلبت وتمنت، وأنها التي سعت وحاولت، فحركة طالبان التي تتهم بأنها خشبية العقل جامدة السياسة، متطرفة الفكر متشددة السلوك والممارسة، ما كانت لتفكر يوماً بالجلوس على طاولة المفاوضات مع قاتلها ومحتل أرضها، وخالق فتنتها وصانع أزماتها، ولكنها وجدت نفسها أخيراً تقبل بالعرض الأمريكي، وتوافق على الخيارات المطروحة أمامها على الطاولة.

لكن الحركة التي قبلت بالمفاوضات، ووافقت على الحوار، وضعت جملةً من الشروط والتعهدات، وألزمت الولايات المتحدة بالتعامل معها والاستجابة لها، فهي لم توقف القتال أبداً، واستمرت في عملياتها النوعية ضد أهدافٍ أمريكية وحكومية، ولم تكن تسكت عن أي خرقٍ يقع من الجانب الأمريكي أو الحكومي دون أن ترد عليه بقوةٍ وعنفٍ، ورفضت مطلقاً القبول بوقف العمليات القتالية من طرفها ما لم توقف الولايات المتحدة الأمريكية وكل حلفائها جميع عملياتهم العسكرية، وهو ما تحقق على الأرض بالفعل.

اشترطت حركة طالبان على المفاوضين بالنيابة، وعلى الأصلاء في الحوار، وجوب الإفراج عن آلاف المعتقلين من عناصرها من سجون ومعتقلات الحكومة الأفغانية، ولم تباشر حوارها حتى رأتهم يخرجون من السجون، ولا يتعرضون للتضييق والملاحقة، حتى ولو التحقوا بمجموعاتهم المقاتلة على الجبال وفي الجبهات، ولم تقبل بمحددات الحكومة وشروطها، ولا بقوائمها وأسمائها، وإنما وضعت على الطاولة كشفاً بأسماء جميع المعتقلين، وأصرت على الإفراج عنهم جميعاً، وهو ما تم بالفعل.

لم تقتصر شروط طالبان على الأمريكيين بوجوب الضغط على حكومة كابل التي ترعاها، وإنما طلبت منهم الإفراج عن معتقليها في سجون باكستان وغوانتانامو، وهو ما تم بالفعل بالصورة والصوت، إذ أن مفاوضي حركة طالبان، كانوا هم أنفسهم السجناء في السجون الأمريكية الأصلية أو بالوكالة، وهم الذين انتقلوا إلى الدوحة، وجلسوا على طاولة المفاوضات، وطرحوا شروطهم، وحددوا مسارهم، وألزموا بها عدوهم.

لا شك أنه كان للإدارة الأمريكية شروطٌ مقابلة، ربما يكون بعضها سرياً ولم يكشف عنه بعد، لكن الأحداث الراهنة وتوالي الأيام أظهرت أن شروطهم كانت فقط في ضمان خروج قواتهم الآمن من أفغانستان، وعدم التعرض لهم وللمتعاونين معهم والراغبين في مغادرة البلاد خوفاً منهم، والالتزام بعدم الاقتراب من مطار كابل حتى يتم خروجهم الكامل من البلاد، ولعل هذا الشرط لا يدل على عزة طالبه بقدر ما يدل على خوفه وقلقه، فالولايات المتحدة الأمريكية التي قدمت تنازلاتٍ مقابل شرطها، ما كانت لتحققه بقوتها، ولو كانت تستطيع ما أقدمت على تمريغ أنفها، وتعريض سمعتها للنقد، وتوجيه اللوم الشديد لإدارتها ورئيسها على ما أطلقوا عليه "الخروج الفوضوي الذليل".

إن دولةً عظمى مدججة بكل أنواع الأسلحة، ومزودة بأحدث التقنيات العالمية، تهين نفسها وتلطخ سمعتها، وتتنازل عن ترسانتها العسكرية، بكل ما فيها من معسكرات وثكناتٍ وآلياتٍ ودباباتٍ وطائراتٍ ومروحياتٍ ومعداتٍ وتجهيزاتٍ وغيرها، يشير بوضوحٍ إلى أن مفاوضها الذي نجح في الميدان، واستعلى في القتال، قد نجح أيضاً في المفاوضات، وأخذ أقصى ما كان يتمنى، ولعله قدم تنازلاتٍ لشعبه، وتعهد بالالتزام لصالح بلاده، ووعد بالمشاركة السياسية وضمان حقوق الإنسان، وليس في هذا تنازلٌ مهينٌ ولا خضوعٌ مذلٌ، بل هو تأكيدٌ لعزة المقاوم، وترجمة لإرادة الواثق بالنصر والمصر عليه والساعي إليه.

يتبع...

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط