كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

دروسٌ طالبانية متعددةُ الاتجاهاتِ ومختلفةُ العناوين "9"

دروسٌ طالبانية متعددةُ الاتجاهاتِ ومختلفةُ العناوين "9"

تاريخ النشر: 2021-08-29 | 09:02

د. مصطفى يوسف اللداوي
د. مصطفى يوسف اللداوي

أثبتت التجربة الأفغانية الجديدة لنا ولغيرنا، أن المحتل دائماً في مواجهة المقاوم الصلب العنيد، الثابت الذي لا يلين، الواثق الذي لا يخاف، القوي في الميدان، والمقاتل على الجبهة، والجاهز أبداً والمتحفز دوماً، مترددٌ ضعيفٌ، مهزوزٌ يرتعش، يتراجع أمام الصمود، ولا يقوى على الثبات، ولا يستطيع فرض الشروط أو الاعتراض عليها، والمفاوضات التي خاضتها طالبان مع الإدراة الأمريكية السابقة، تشهد على عنادهم الإيجابي، وصبرهم المجدي، وثباتهم العملي، وحكمتهم البعيدة، ورؤيتهم الرشيدة، كما تشهد على مرونتهم بلا ضعفٍ، وعلى مناورتهم بلا تنازلٍ، وعلى تعنتهم العاقل وإصرارهم الواعي، مما حقق أهدافهم، وأوصلهم بنجاحٍ إلى غاياتهم.

تعلمون أن الذي فاوض طالبان وساومهم، ليس العاقل العجوز جو بايدن، وليست إدارته المسؤولة المختصة، التي تدير ملفاتها بحكمةٍ وعقلانية، وبعلميةٍ ومنهجيةٍ، وإنما الرئيس دونالد ترامب، المتغطرس المتكبر، المتعجرف المغرور، الأهوج المجنون، فهو الذي قدم لهم التنازلات، ونزل صاغراً عند شروطهم، واستمع صاغياً إلى عروضهم، وهو الذي أجابهم إلى ما طلبوا، والتزم أمامهم على ما وقعوا، ولعل الانتصار على المتعجرف يختلف، وكسر المتكبر وتمريغ أنفه بالتراب لا يشبهه نصرٌ آخر، ولهذا فلا تستصغروا ما فعلوه، ولا تستخفوا بما حققوه، ولا تبخسوهم انتصارهم، ولا تجردوهم من قدراتهم وإمكانياتهم.

مما يجب أن نتعلمه من تجربة حركة طالبان التفاوضية، إصرارهم المطلق على مطلبهم الوحيد غير القابل للتغيير أو التبديل، أو التعديل والتدوير، أو المساومة والتخيير، الذي كان هو مطلبهم الأول والأخير، منذ الجلسة الأولى للمفاوضات حتى آخر يومٍ فيها، على مدى ثلاثة سنواتٍ من عمر المفاوضات، وهو خروج القوات الأمريكية والأجنبية من البلاد، وتفكيك مقراتها، وإخلاء ثكناتها، وانسحاب كل المنتسبين إليها والعاملين معها، جنوداً وخبراء ومستشارين، ومتعاقدين وفنيين وإعلاميين وغيرهم، وهي القوات التي وصفوها بأنها قوات احتلال، وأصروا على أن تخرج من كل أفغانستان بلا شروطٍ مقيدة، وتتحرر منهم بلا عودة.

رفضت طالبان أن تخوض مع الأمريكيين في أي موضوعٍ آخر، أو أن تنتقل إلى ملفٍ جديدٍ، وقد حاول الأمريكيون إغراق الطاولة بعشرات الملفات الأخرى، وطالبوا بضماناتٍ وتسهيلاتٍ، وبالتزاماتٍ وتعهداتٍ، سواء مما له علاقة بهم، أو بما يمس حقوق الإنسان، والعلاقات مع دول الجوار، وشكل الحكم القادم وطبيعته، إلا أن حركة طالبان أمت آذانها عن كل المواضيع الأخرى، ورفضت النقاش فيها، وأصرت على الانسحاب الصريح والخروج الكامل، ورفضت إطلاق الانسحاب دون موعدٍ، ورفضت إطالة أمده، وأصرت على خروج الأمريكيين جميعاً في وقتٍ واحدٍ غير قابلٍ للتمديد أو الإرجاء، فلا يبق منهم بعد انتهاء موعده في البلاد أحد.

أصرت طالبان على تسمية ممثليها في التفاوض بنفسها، وجاءت بهم بالقوة من سجونهم في باكستان وغوانتانامو وبانجرام وكابل وغيرها، وفرضتهم جميعاً على الطاولة في مواجهة سجانيهم ومحتلي أرضهم، ورفضت الخضوع إلى التصنيفات الأمريكية أو التمييز بينهم، بين عسكريٍ وسياسي، ومعتدلٍ ومتشدد، ومقبولٍ ومرفوض، وقالت بأن هذا هو وفدها المفاوض، ولا يحق لأحدٍ أن يتدخل فيه تسميةً أو اعتراضاً، وفرضاً أو إقصاءً، ورفضت القبول بأي مرشحين جددٍ أياً كانت هويتهم أو الجهة التي اقترحتهم، أو أوصت بهم ونصحت بمشاركتهم.

حافظ ممثلو حركة طالبان خلال جلسات الحوار وجولات التفاوض، على سمتهم البسيط وهيئاتهم العادية، وعاداتهم الوطنية وأسمالهم الشعبية، ولم تبهرهم الفنادق والضيافات الفارهة والخدمات المميزة الرائعة، ولم يظهروا في بهوها يحتفلون، ولا في أروقتها يتسكعون، ولا في حدائقها يتنزهون، ولا في ملاعبها ومسابحها وساحاتها يلعبون ويسبحون، أو يلتقطون الصور وعلى الدراجات يتسابقون، بل بالغوا في إظهار زهدهم وعفافهم، فما قبلوا هدية ولا رحبوا بمنحة، ولا أظهروا ميلاً لدعةٍ أو جنوحاً لتسليةٍ، وبقوا جادين في حضورهم، ومشغولين فيما بينهم، حتى حار العدو والوسيط فيهم، كيف يغريهم أو يؤثر فيهم، أو يضغط عليهم ويضعفهم، إذ ما تركوا خلفهم اثراً يدينهم.

ولا أتاحوا لهم الفرصة لأن يسجلوا لهم أصواتاً أو صوراً مشينة تسيئ إليهم، تمكنهم من ابتزازهم والتأثير عليهم، وتمرير ما يشاؤون من خلالهم.

حاول الأمريكيون نقل جلسات الحوار من العاصمة القطرية الدوحة إلى عواصم أوروبية متعددة، أو إلى عواصم عربية أخرى، وهيأت لهم الفرصة لعروضها وزينتها لهم، ولكن حركة طالبان أصرت على مواصلة الحوار في مكانٍ واحدٍ، وأصرت على أن يكون في قطر فقط، ورفضت كل الدعوات المباشرة لها أو عبر الأمريكيين، لنقل المفاوضات إلى أماكن أخرى، واعتبرت ذلك ترفاً لا لزوم له، وكان المفاوضون الأفغان يعودون إلى مقرات إقاماتهم السابقة التي كانت معدة لهم، وترفض المبيت أو الإقامة في أي فندقٍ أو مضافةٍ يجمعهم مع الأمريكيين، لئلا تجمعهم خارج أروقة الاجتماعات مع أيٍ من الأمريكيين لقاءاتٌ مصادفة، أو دردشاتٌ جانبيةٌ، وهو الأمر الذي كان يتمناه الأمريكيون ويخططون له، لكن المفاوضين الأفغان كانوا حذرين منه فلم يقعوا فيه.

لا نتكبر ولا نتعجرف، ولا نتعالى ولا نتفلسف، ولا نرفض الاستفادة ونعرض عن التعلم، فالحكمة ضالة المؤمن، أنَّى وجدها فهو أحقُ بها، فالإنسان يموت وهو يتعلم، ولو إلى الصين يرحل ليتعلم، ولا نتعامل مع الأفغان بماضيهم، ولا نحكم عليهم بما لم يعد فيهم، ولا نستخف بهم، ولا نقلل من شأنهم، ولنقبل جديدهم، ولنرحب بتغييرهم، ولنساعدهم على الثبات والمواصلة، والتطوير والمراكمة، ولنعترف بأن تجربتهم رائدة، وخبرتهم جيدة، ونصرهم يثلج الصدور ويسعدنا، ويحقق الكثير من أمانينا، فقد حققوا هدفاً رفعناه، وغايةً عملنا لأجلها، إذ طردوا الغرب والأمريكان من بلادهم، وطهروها من رجسهم، وأنقذوها من مكرهم، وبشرونا بغدٍ في بلادنا يشبههم، أفلا نفرح لهم ومعهم، ونتعلم منهم ونستفيد من تجربتهم.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط