كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

دعوة إلى ترشيد الصراع في مصر

دعوة إلى ترشيد الصراع في مصر

تاريخ النشر: 2015-12-22 | 08:17

الصراع السياسي الحاصل في مصر الآن لا يمكن أن يستمر بوتيرته الراهنة، وترشيده صار مطلبا ضرورياً ومصيرياً.
(1)
على عهدة جريدة «الشروق»، فإن مصادر «إخوانية» بارزة كشفت عن أن الشبان الهاربين إلى تركيا أصبحوا فريسة لعصابات تجنيد الأفراد للقتال في صفوف التنظيمات المتطرفة المسلحة في سوريا، وبخاصة تنظيمي «داعش» و «جبهة النصرة» التابعة لتنظيم «القاعدة». ومعظم هؤلاء الشبان ممن فروا من مصر قبل انتهاء دراستهم الجامعية، وهو ما أشعرهم بضياع مستقبلهم، خاصة في ظل تنازع قيادات الجماعة على السلطة داخلها، الأمر الذي زاد من أزمتهم وأفقدهم الأمل في الرجوع إلى مصر في وقت قريب لاستكمال دراساتهم. ذلك بالإضافة إلى ما أسمته المصادر «الإخوانية» بكفر هؤلاء الشبان بالطرق السلمية في إدارة الصراع مع الدولة.
الفقرة السابقة مقتبسة من التقرير الذي نشرته جريدة «الشروق» يوم الأحد الماضي (12/ 20) لمحررها النشيط محمد خيال، إذ أبرزته على صفحتها الأولى تحت العنوان التالي: أبناء قيادات «إخوانية» ينضمون إلى «داعش» سوريا، وفي التفاصيل أن المجموعة المشار إليها 11 شاباً.
التقرير المنشور هو الأحدث في المتابعات التي انفردت بها جريدة «الشروق» في تغطية التطورات الداخلية في صفوف الجماعة، ويتمثل أبرزها في التنازع حول القيادة بين من وصفوا بالقيادات التقليدية والتاريخية من ناحية وبين هؤلاء وبين القيادات الشبابية التي خرجت من صفوف «الربعاويين» من ناحية أخرى. والمصطلح منسوب إلى ميدان رابعة العدوية الذي شهد الاعتصام الشهير في العام 2013. وكان ذلك جزءا من أزمة الجماعة التي تفاعلت على المستويات العليا، ولم تكن هي الأزمة الوحيدة، لأن مؤشرات التمرد والانشقاق ظهرت بشكل مواز في محيط القواعد.
(2)
لا سبيل للتحقق من صحة المعلومات المتعلقة بالتفاعلات الحاصلة داخل الجماعة والتي أبرزتها الصحف المصرية لأسباب مفهومة. لكني أستطيع القول بأن ما تحدثت به تلك التقارير لا يفاجئ أي باحث متابع للموضوع. ذلك أن مآلات الصراع الحاصل في مصر ظلت موضوع دراسة ومناقشة طوال الوقت في العديد من المراكز البحثية الخارجية المعنية بالشرق الأوسط. إذ في حين ظل الخطاب في مصر تعبويا ومعبرا عن وجهة نظر واحدة انطلقت من أن الموضوع حُسم ولا محل للاجتهاد أو المناقشة فيه، فإن المراكز البحثية التي أتحدث عنها تعاملت مع الملف باعتباره مفتوحا وحافلا بالعناوين الجديرة بالمناقشة. بكلام آخر، فإذا كان الخطاب السياسي والإعلامي في مصر قد حصر أداءه في الحديث عن لحظة الصراع، فإن الباحثين اعتدوا بتداعياته ومستقبله. أتحدث مثلا عن الدراسة التي صدرت عن «مركز كارنيغي» للشرق الأوسط التي عنوانها «تصاعد التمرد الإسلامي في مصر»، وأعدها الباحثان مختار عوض ومصطفى هاشم. وأخرى صدرت عن «مبادرة الإصلاح العربي» بعنوان «الإخوان بعد الانتقال مسارات ومآلات»، لإبراهيم الهضيبي الذي نشر له موقع «مدى مصر» تحليلا كان عنوانه «الإخوان في مرحلة انتقالية». وبحث آخر بعنوان «الخائفون من المستقبل داخل الإخوان» للباحث عمار فايد نشره موقع «رصد». وبحث خامس نشره موقع مدى مصر عنوانه «العالم المجهول للجان التوعية ــ الطريق السريع من السلمية التنظيمية إلى العبوات الناسفة» ــ وهو يروي قصة شاب التحق بتظاهرات 25 يناير 2011، وانتهى مقتنعا بممارسة العنف واستخدام السلاح، وعازما على السفر إلى سوريا للالتحاق بتنظيم «أحرار الشام». إذا أتيح للمرء أن يطلع على تلك الأوراق، فلن يفاجئه شيء مما تتحدث به الصحف هذه الأيام من تجاذبات وانشقاقات واختيار بعض الشباب المتمرد اللجوء إلى العنف المسلح في نهاية المطاف، باعتباره الخيار الوحيد الذي بات متاحا إزاء استمرار انسداد الأفق السياسي في مصر.
الملاحظة التي لا تقل أهمية أن أغلب تلك الأوراق لا تتحدث عن «مصالحة»، وتعتبرها غير مطروحة في الوقت الراهن، ولكنها تركز على ثلاثة أمور ضرورية هي:
ـ إن لدى الطرفين مصلحة مشتركة في تحييد ما وصف بالتمرد الجهادي الذي يجذب الشباب اليائس إلى العنف المسلح، وتلك مهمة يتعين أن ينهض بها العقلاء على الجانبين لأنها تمثل أهمية بالغة لتحقيق الاستقرار في الوطن.
ـ التهدئة وتجنب التصعيد من جانب السلطة في مواجهة النشطاء مهما كانت اتجاهاتهم السياسية، عن طريق وقف الاعتقالات العشوائية والاختفاء القسري، والكف عن ممارسة التعذيب، وإطلاق سراح المظلومين المحتجزين.
ـ التمييز بين مواقف جماعات الإسلام السياسي، وتجنب وصم الجميع ووضعهم في سلة واحدة مع تنظيم «داعش» أو «جبهة النصرة»، ذلك أن ثمة فروقا أساسية في الموقف من العنف والتكفير بين تلك الجماعات. فضلا عن ان الإصرار على ضم الجميع في وعاء واحد يصيب عناصر الاعتدال باليأس بحيث يصبح الخيار الوحيد أمامهم هو أن ينخرطوا في مسار العنف، طالما أنهم موصومون ومتهمون في كل الأحوال.
(3)
لا أعرف ما إذا كانت العمليات الإرهابية التي شهدتها مصر خلال السنتين الأخيرتين قد خضعت للتحليل والدراسة أم لا من جانب جهات الاختصاص في مصر. وسواء كان عدد المحتجزين في السجون 40 ألفا كما هو متواتر في أوساط المنظمات الحقوقية أم 66 ألفا كما تقرر «الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان»، فإن توفر هذا العدد الكبير يشكل فرصة ممتازة لدراسة مختلف جوانب الظاهرة تساعد في انجاح جهود التعامل معها ووضع حد لها. عند الحد الأدنى، فإن ذلك يتيح للأجهزة الأمنية ان تتعرف على حقيقة مواقف جماعات الإسلام السياسي ودور كل منها في العمليات الإرهابية التي وقعت، والأسباب التي دفعتها إلى ارتكابها.
كنت قد دعوت أكثر من مرة إلى ضرورة التمييز والفرز بين مواقف تلك الجماعات، على الأقل لكي يكون صاحب القرار السياسي فضلا عن الجهاز الأمني على بصيرة وبينة من مواقف مختلف الأطراف التي تقف على الجانب الآخر في الصراع، ولاحظت أن الإسرائيليين اتبعوا ذلك النهج في تعاملهم مع انتفاضة السكاكين التي فجرت الشهر الماضي. فطرحوا السؤالين الكبيرين من أين جاء هؤلاء الشبان الذين أصبحوا يتنافسون على طعن المستوطنين بالسكاكين ولماذا؟ وكانت المفاجأة التي أدهشتهم أنهم اكتشفوا في الأسابيع الأولى أن أولئك الشبان لا علاقة لهم بفصائل المقاومة المعروفة، «حماس» أو «الجهاد» أو «الجبهة الشعبية» أو أي كيان فلسطيني آخر. وفي تقرير من الأراضي المحتلة نشره موقع «رأي اليوم» (في 17/12)، فإن المصادر الأمنية في تل أبيب أدركت أن منفذي العمليات أقدموا على ما فعلوه بناء على دوافع ذاتية لا علاقة لها بأي تنظيم. وفي حالات نادرة كان للمنفذ شريك آخر. وفي حالات قليلة تبين أن بعض المنفذين كانت لهم انتماءات تنظيمية سابقة ومن هؤلاء من كانت لهم سوابق أمنية، وفي كل الحالات لم يثبت أن ما نفذ من عمليات انبنى على قرار أو انطلاقا من الانتماء التنظيمي، باستثناء حالة طعن واحدة وقعت قرب نابلس. وذكرت صحيفة «هاآرتس» أن تلك كانت خلاصة لدراسة شملت 123 فلسطينيا قاموا بتنفيذ عمليات الطعن أو حاولوا ذلك. مما توصلت إليه الدراسة أيضا أن ما يسمى بالتحريض عبر الإنترنت لم يكن بالضرورة عاملا أساسيا في اتخاذ المنفذ قراره بالعملية، كما أدرك الباحثون أنه في أغلب الحالات فإن المنفذين كانوا يعملون وحدهم ويبلورون قرارهم النهائي في مدة قصيرة نسبيا، وأحيانا في أقل من ساعة.
أثار انتباهي في هذا الصدد تحليل كتبه المثقف الفلسطيني البارز أسعد عبدالرحمن (نشرته له صحيفة «الاتحاد» بأبوظبي في 11/12 الحالي) تحدث فيه عن وثيقة أعدها جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) حذر فيها الحكومة من سياسة التصعيد ضد الفلسطينيين. وذكرت الوثيقة ان التصعيد سوف يشجع الفلسطينيين على مواصلة الانتفاضة، ذلك أن تحركهم نابع من الشعور بالاضطهاد الوطني والاقتصادي والشخصي، مضيفة أنه حتى إذا تم القضاء على «الهبَّة» الراهنة فإنها ستعود وتتصاعد مجددا، لان الأسباب التي تدفع الفلسطينيين لا تزال مستمرة. وهي تكمن في شعورهم بالإحباط واليأس، وخيبة الأمل في السلطة الفلسطينية والرغبة في مواجهة إسرائيل (الاحتلال).
ذكر عبدالرحمن أيضا أن رئيس الاستخبارات العسكرية اللواء هرتسي هليفي أبلغ حكومته بأن «أحد أسباب «الإرهاب» الحالي هو الشعور بالغضب والإحباط لدى الفلسطينيين، خصوصا بين أبناء الجيل الشاب الذين يشعرون بأنه لم يعد لديهم ما يخسرونه». ولم تكن تلك هي الشهادة الوحيدة، لأنه استشهد بتعليقات عديدة أخرى لخبراء أمنيين وقادة عسكريين نصحوا الحكومة بأن تعمل على إعطاء الفلسطينيين «العمل والاحترام»، وتوفير التسهيلات لهم في المجالات الأمنية والاقتصادية والمدنية، تشمل الإفراج عن بضع عشرات من الأسرى المحتجزين في السجون. وذلك لتهدئة الفلسطينيين وامتصاص غضبهم الذي يترجم إلى أعمال عنف تروع الإسرائيليين بين الحين والآخر.
أهمية هذا النمط من التفكير تكمن في أنه يدعو إلى عقلنة الصراع. بحيث لا تكتفي السلطة بالإجراءات الأمنية المتصلة بمعاقبة الغاضبين الذين يلجأون إلى العنف، وإنما تحاول أيضا أن تتعرف على دوافع العنف والغضب وأن تخفف من أسبابها.
(4)
ربما لاحظت أنني لا أتحدث عن إنهاء الصراع، لكنني أتحدث عن ترشيده. ذلك أننا لا نريد أن نعالج ما هو سيئ بما هو أسوأ. والأسوأ الذي أحذر منه أن تتواصل الضغوط ويخيم انسداد الأفق إلى الحد الذي يقنع الطرف الآخر بأن الانفجار والانتحار هو الحل. وأخشى ما أخشاه أن نطبق على المعارك السياسية منطق المواجهات العسكرية. ذلك أن فكرة الإبادة إذا كانت واردة في المواجهات الأخيرة، فإنها تصبح مغامرة خطرة ولها عواقبها الوخيمة في المعارك السياسية. وأزعم أن أداء الأجهزة الأمنية المصرية في ثمانينيات القرن الماضي كان أكثر رشداً، لأنها برغم قسوتها المفرطة آنذاك، حرصت على التمييز بين جماعات الإسلام السياسي وعملت على تحييد بعضها، وحققت بذلك نجاحات نسبية مشهودة. والمشكلة التي تواجهها مصر الآن أن السياسة تدار فيها بأساليب الحروب بين الدول. وهو النهج الذي لم يحقق نجاحا، بحيث صار في أمس الحاجة إلى المراجعة.

عن السفير اللبنانية

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط