كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

دفتر المفتشة

دفتر المفتشة

تاريخ النشر: 2021-03-13 | 07:10

دخل عصام إلى غرفة سكرتير إدارة الكلية، قدم كتاب دعوته للمقابلة التي تلقاها من إدارة الكلية بناء على طلب العمل الذي قدمه للعمل مدرساً فيها، طلب منه السكرتير الانتظار قليلاً ودخل إلى مكتب العميد ثم عاد وطلب منه الدخول إلى المكتب.

ألقى تحية الصباح على الموجودين في المكتب. عرّفه عميد الكلية بنفسه وأوضح له أن هذه لجنة المقابلة التي ستبت في طلب العمل الذي تقدم به، ثم عرّفه بأعضاء اللجنة من أعضاء هيئة عمدة الكلية: الأستاذ المربي وذكر بالاسم، والأساتذة المربية وذكر الاسم، والأستاذة المربية ونطق الاسم.

لمع الاسم، الاسم الذي لم ينسه، نظر نظرة سريعة للوجه، الوجه نفسه بالنظرة الهادئة البشوشة رغم مرور أكثر من عشر سنوات، تخيل يداً تمسح على رأسه. سارت المقابلة بشكل جيد، أجاب عن الأسئلة بثقة، خاصة سؤال المربية الثانية عن مدى معرفته كخريج جديد بأساليب التعليم، أجابها ورأى على محياها رضىً واضحاً.

شكره العميد وطمأنه ولكنه أضاف أن القرار النهائي سيكون خلال أيام وسيتصلون به. وقف وشكر اللجنة، كان بوده أن يسألها إن كانت تحتفظ بدفاتر ملاحظاتها القديمة، لكنه تراجع خجلاً.

***

دخل مربي الصف السادس الابتدائي (ب) إلى غرفة الصف في الحصة الأولى وبدأ بأصابعه القوية كالكماشة بالإمساك بشعر التلاميذ الذين نسوا أن يحلقوا بعد أن طالت شعورهم، كرر عباراته المعادة عشرات المرات عن النظافة وضرورة حلاقة الرأس "على الصفر" وسط تأوهات الذين تطال أصابعه شعرهم، وكرر مرة أخرى أن الشعر الطويل ممنوع قبل الأول الإعدادي.

أخرج المعلم خمسة عشر رأساً مستحلقاً وأمرهم بالذهاب إلى الحلاقين وعدم العودة إلاّ بـ"رؤوس تلمع"، بصلعات نظيفة، فهو لا يريد رؤوساً يملؤها القمل.

خرجوا جميعاً الواحد تلو الآخر بهدوء كما أمرهم. عندما أصبحوا خارج بوابة المدرسة طلب منهم عصام أن يقفوا ويستمعوا لاقتراحه، سيذهب كل إلى بيته ليأتي بقرش أجرة الحلاقة ثم عليهم أن يتجمعوا في ساحة القرية حيث محلات الحلاقة الثلاثة، سيساوم الحلاقين أن يحلقوا لهم بسعر الجملة، فقد ينجحون في توفير خمسة قروش يشترون بها ملبس حامض حلو وبذور بطيخ محمصة ويتقاسمونها. 

عادوا جميعاً بقروشهم باستثناء صالح الذي لم يجد أحداً في بيتهم، لقد ذهبوا جميعاً إلى الحقل كما قالت له جارتهم، فأكد له عصام ألاّ يهتم، فسينجح بمساومة الحلاق بسعر الجملة.

بدأ عصام مشروعه بأقرب المحلات في وسط الساحة، دخل وألقى تحية محترمة على أحمد الحلاق الذي كان يجلس في دكانه يصلح بعض الأدوات كعادته حين تختفي الرؤوس عن كرسي حلاقته، عرض عليه فكرته فرفضها رفضاً قاطعاً، معتبراً أفكار عصام تافهة، فالسعر لحلاقة "القرعة" قرشاً حتى لو كانوا مئة رأس.

تلقف خليل فشل عصام ليكرر موقفه السابق الذي طرحه منذ البداية بأن لا أمل من مثل هذه المحاولة، متخذاً من جواب الحلاق القاطع برهاناً لعصام أن أفكاره لا تنجح، فلم يزد عصام في رده عليه عن مطالبته بالصبر، وقرر بينه وبين نفسه أن يطور منطقه في طرح الأمر على الحلاق التالي، الحاج جابر. قصد المحل الثاني مصمماً على النجاح. استنفر كل كلماته المؤدبة والدبلوماسية في الحديث بهدوء مع الحاج جابر الذي كان دكانه هو الآخر فارغاً في هذا الضحى.

قرأ عصام إشارات النصر من البسمة التي علت ثغر الحاج جابر الذي وافق ممتدحاً ذكاء هؤلاء الصبية.

جلسوا بالتتالي على كرسيه ومشت الماكنة اليدوية مسرعة تفتح الشوارع في رؤوسهم متقاطعة قبل أن تجهز على البقع المتبقية من الشعر، الماكنة تجري على رأس الجالس على الكرسي مصحوبة بحديث الحاج جابر مستفسراً منه عن والده وعن دروسه.

كان عصام آخرهم، وكان محظوظاً أن ترك نفسه ليكون آخر الجالسين على الكرسي، فقد انتهت رائحة الكيروسين، الذي ينقع فيها الحلاق الماكنة، على رؤوس من سبقوه.

خرجوا والفرح يعلو تقاطيع وجه عصام وشعور بالانتصار لدى الجميع، لم يحاول عصام النظر إلى خليل الذي كان صامتاً على غير عادته.

تشاوروا حول أفضل الدكاكين وأكرمها في بيع الملبس الحامض حلو وبذور البطيخ أو القرع المحمصة، فاقترح محمود أن أبا علي يعطي أربع حبات ملبس بالتعريفة ولا أحد يجاريه في ذلك، إضافة إلى أن دكانه يقع على طريق المدرسة. سار فريق الرؤوس اللامعة تحت شمس الربيع وتوقف أمام الدكان.

اشتروا بنصف المبلغ ملبساً وبالنصف الآخر بذور بطيخ محمصة، بدأ عصام بقسمة حبات الملبس الحامض حلو حبة حبة بالدور حتى لا يشك أحد بعدالة قسمته، وصوت محمود يحثه "إعدل، إعدل"، وعندما وصل إلى صالح حاول هذا ألاّ يأخذ نصيبه لأنه لم يدفع قرشاً، ولكن عصام أكد له "أن الجميع أصحاب ومن الممكن أن يكون أي منهم مكانه" فوافقت الغالبية على ذلك. 

وضع آخر حبة ملبس في حصته، ثم بدأوا بصعود الطريق نحو المدرسة. كانت استراحة "الفرصة الصباحية" قد انتهت وساحة المدرسة خالية، فتوجهوا إلى غرفة الصف مباشرة، طرقوا الباب فجاءهم صوت المعلم من الداخل بلغة إنجليزية وصوت حنون غير معتادين عليه، (come in). أصابتهم الدهشة، سيدة أنيقة في الصف بملابس مدنية تقف إلى جانب المعلم، فاتجهوا إلى مقاعدهم بهدوء ونظام مبالغٍ بهما، ولم يسألهم المعلم عن التأخير أو يوبخهم.

كانت مفتشة جاءت من المدينة لتحضر حصة اللغة الإنجليزية، مشهد لم يسبق لهم أن شاهدوه. استأنف الأستاذ يوسف أسئلته وسط دهشة المفتشة من هذا الهجوم المفاجئ.

انطلق عصام يرفع اصبعه ليجيب عن كل سؤال تطرحه المفتشة، وبدأت إجاباته عن أسئلة المعلم والمفتشة تتدفق، فانفرجت أسارير المعلم الذي كان متجهماً من جو الخمول الذي كان يخيم على الصف.

وعندما طلبت المفتشة من التلاميذ أن يعطوا أمثلة على المربى تطبيقاً لمفردة (jam) استنفذ من أجابوا قبله الفواكه التي يعرفون أسماءها بالإنجليزية، فسألت المفتشة عن أمثلة أخرى فرفع يده وأجاب "مربى التين"، استغربت المفتشة "وهل يصنع من التين مربى؟"، فأجاب مكابراً مخترعاً إجابة "نعم، أمي تصنعه". حصد عصام العديد من عبارات "برافو" من المفتشة. وعند انتهاء الحصة، نادته المفتشة ومشى معها ومع الأستاذ يوسف إلى الصالون المتوسط بين الغرف الصفية.

وقفت ولاطفته وسألته عن اسمه وأثنت على اجتهاده وتمنت له مستقبلاً باهراً، فطار فرحاً بكلمة "باهراً"، وسألته ماذا يحب أن يكون عندما يكبر، تلعثم ونظر إلى المعلم ثم قال "أحب أن أكون معلماً مثل الأستاذ يوسف"، مسحت بيدها الناعمة على رأسه، وسجلت اسمه في دفتر صغير كانت تحمله. ابتسم بسمته الخجولة، وتشرّب كلماتها وتوقعاتها له بالنجاح والمستقبل الباهر مع بقايا طعم حبة الملبس حامض حلو التي أنهى مصها قبل دخول الصف، وودعتهم.

هنأه الأستاذ يوسف، وقال له إن هذه المفتشة وذكر اسمها قد جاءت من مديرية التربية والتعليم في اللواء.

عاد إلى غرفة الصف مفعماً بالفرح، وهنأ نفسه على هذا النجاح ليضيفه إلى فرحه بنجاح التفاوض مع الحلاق، ونظر مبتسماً باتجاه خليل.

×
أخبار
«واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط