كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

دلالات ومآلات طلب نتنياهو العفو الرئاسي

دلالات ومآلات طلب نتنياهو العفو الرئاسي

تاريخ النشر: 2025-12-22 | 15:15

تهدف هذه المقالة إلى مناقشة طلب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو العفو عنه من التهم الجنائية بقضايا الفساد والرشوة وغيرها، حيث عقدت المحكمة الإسرائيلية أول جلسة في 24 أيار/مايو 2020، ويذكر أنه تم توجيه التهم رسميًا في تشرين الثاني/نوفمبر 2019، وهي ثلاث قضايا جنائية وأهمها ما عرفت بـ "القضية 4000" وهي المعروفة باسم "بيزك-ألوفيتش". لقد نفى نتنياهو طوال هذه المدة من المحاكمات التهم الموجهة إليه، مدعيًا أنها "حملة سياسية"، على الرغم من حضوره للعشرات من جلسات المحاكمة بتهم الفساد، منذ عام 2020 والمستمرة حتى الآن. حيث قدم نتنياهو الطلب للرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ بناءً على اعتماده على العديد من المبررات السياسية والتحذيرات المستقبلية بسبب الأوضاع الأمنية في الشرق الأوسط والجبهات والحروب التي يسعى نتنياهو مواصلتها وفتح حروب جديدة مع إيران وغيرها مدعيًا أن مواصلة محاكمته يضر بمصلحة الدولة، فقد ساق العديد من الدوافع ومن أهمها الانقسامات الداخلية والتوترات في المجتمع الإسرائيلي وأن استمرار محاكمته يضرب الوحدة الوطنية، وأن إنهاء المحاكمة سيساعد على "تخفيف التوتر وتعزيز المصالحة، ويزعم نتنياهو أن المحاكمة تستهلك وقته وطاقته، والعفو عنه يساعده على قيادة البلاد في خضم التحديات الأمنية والسياسية الكبرى في الشرق الأوسط، بما في ذلك العلاقات مع الولايات المتحدة والدول العربية، ويستند على مساهماته الهائلة لدولة إسرائيل وشعبها كمبرر لمنحه العفو، في الوقت الذي يصر فيه على براءته التامة وينفي ارتكاب أي مخالفات، مدعيًا أن القضايا الموجهة إليه هي ملاحقة سياسية ومؤامرة من قبل "الدولة العميقة" ووسائل الإعلام لإسقاطه من السلطة، ويدعي نتنياهو أن التحقيقات معه أُجريت بطرق غير اعتيادية وغير قانونية، بهدف تجريمه بأي ثمن.
لقد حاول نتنياهو التهرب من المثول أمام المحكمات المستمرة له من خلال الطلب من رئيس جهاز الشاباك السابق رونين بار بالطلب من السلطة القضائية بإعفائه من المثول أمام المحكمة بسبب الحالة الإسرائيلية الأمنية وعندما رفض بار تم إقالته، واستمر نتنياهو الطلب من المحكمة بعدم المثول وتأجيل الجلسات واختصار مدتها والسماح له بالخروج من الجلسة بحجج مهمات أمنية حساسة، وحتى أنه كان يختار شن هجمات واغتيالات وأحداث أمنية وقت الجلسات، والعديد من المبررات المساقة من أجل تعطيل مجريات المحاكمة وعدم البت في القضايا المتهم بها.
فطلب العفو يتعارض مع الرأي القانوني للمؤسسات القانونية والمستشارين القانونيين، والمستشار القضائي للحكومة، فعملية العفو قبل الإدانة أمر نادر للغاية، فطلبات العفو تُعالج بعد صدور حكم الإدانة، ويتعارض أيضًا مع استقلالية الإجراءات، فالعفو قبل صدور حكم نهائي يشكل تدخلاً في استقلالية وسلامة الإجراءات الجنائية ونظام إنفاذ القانون، ويتطلب اعترافاً بالذنب. فالعرف القضائي يتطلب عادةً قبول المسؤولية أو التعبير عن الندم، وطلب نتنياهو لم يتضمن أي اعتراف بالذنب، مما يجعله غير مألوف من الناحية القانونية، فالطلب ليس خطوة قانونية، وإنما هي خطوة سياسية. وفي هذا الخصوص يقول البروفيسور مردخاي كرمنينتسر "بموجب القانون، توجد صلاحية لرئيس الدولة بالعفو عن مجرمين وتخفيف عقوبتهم بواسطة خفضها أو استبدالها.، إلا أن نتنياهو يصر على ادعائه أنه بريء من أي ذنب، أي أنه ليس مجرمًا، ولم تُمنح للرئيس صلاحية العفو عمن لم يُجرم أبدا، وعفو بغياب ذنب ومخالفة هو تناقض".
فطلب نتنياهو العفو عنه يجسد العديد من المعاني والدلالات السياسية والقانونية، وفي مقدمتها إنهاء المحاكمات الجارية له بتهم الفساد والتهم الجنائية المتعددة دون الاعتراف بالذنب، وكل ذلك من خلال استثمار نافذة الضغط الأمني والسياسي الداخلي وافتعاله للحروب المتعددة، ومواصلة فتح جبهات جديدة، بالإضافة إلى استغلال الخلافات الداخلية والانقسام المجتمعي الإسرائيلي وضعف القيادة الإسرائيلية الحالية، واعتبارهم صبية في العمل السياسي الداخلي والخارجي وهو الوحيد القائد المخضرم والمنقذ لإسرائيل، واستغلال ضغط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتواصل للعفو عن نتنياهو الذي يسعى تجنب الإدانة والمحاسبة التي ستؤثر على مستقبله الحزبي والسياسي وتغلق نافذة الفرص السياسية أمامه بالفوز في الانتخابات القادمة. ويمكن تناول أهم المعاني والدلالات لهذا الطلب بالعفو والمتمثلة في التالي: أولها، عدم الاعتراف بالذنب في الطلب المقدم للعفو خوفًا من الاعتراف بالتهم وهذا ما صرح به نتنياهو بأنه غير مذنب، فطلب العفو هو الالتفاف على الاعتراف بالذنب وكل ذلك من خلال المخرج القانوني حسب تصور نتنياهو أن الطلب يعفيه من الندم. وثانيها، استغلال الضغط السياسي الذي مارسه ترامب على إسرائيل واستغلال نتنياهو هذا الضغط ليقول بأنه هو المنقذ لإسرائيل والأقدر على القيادة. وثالثها، الهروب من الإدانة الجنائية التي يسعى نتنياهو لها خوفًا من صدور حكم قضائي بحقه بقضايا الفساد والرشوة وخيانة الأمانة وغيرها، ورابعها، زيادة حدة الانقسامات السياسية الداخلية في إسرائيل ما بين مؤيد ومعارض للعفو، وبالتحديد التدخل الخارجي من الرئيس ترامب الذي يعد الأول في تاريخ دولة الاحتلال حيث أثار جدلًا واسعًا في إسرائيل. وخامسها، الضغط على الرئيس هرتسوغ من أجل إنهاء المحاكمة دون الحاجة إلى الحكم على نتنياهو الذي يشكل له كابوسًا، فنتنياهو يسعى ألا يتم صدور حكم قضائي يدينه وهذا يصعب القبول به من قبل المجتمع الإسرائيلي.
فنتنياهو لم يقدم الطلب بالشكل المطلوب، وهو الإقرار في الذنب والاعتراف في الخطأ والندم وكل ذلك خوفًا من تسجيل هذه الملفات الجنائية في حياته السياسية مما يؤثر على حياته السياسية المستقبلية، فحسب مكتب الرئيس الإسرائيلي بأن القضية أحيلت إلى القضاء وهذا يصعب على نتنياهو الحصول على العفو في المستقبل القريب، والقضاء لا يريد أن تسجل نقاط سوداء في مسار عمله المستقل وشفافية قراراته واستقلالية الجهاز القضائي.
وخلافًا لذلك نتنياهو لن يتنحى عن قيادة الحكومة ولن يقر بالذنب، وكرر طلبه من الرئيس ترامب ممارسة الضغط على الرئيس هرتسوغ وإسرائيل من أجل إنقاذه من الحكم المحتم عليه، على الرغم من أن المعارضة ورئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينت يدعمون العفو عنه مقابل انسحابه من الحياة السياسية، إلا أن نتنياهو رد على ذلك في السابع من كانون الأول/ ديسمبر 2025، بـ "لن أعتزل الحياة السياسية مقابل الحصول على عفو"، وهذا يؤكد أن مرحلة الدعاية الانتخابية في حزب الليكود والانتخابات الإسرائيلية قد بدأت وعلى هذا الأساس يطمح نتنياهو بالحصول على العفو قبل موعد الانتخابات الحزبية الداخلية لحزبه والانتخابات الإسرائيلية العامة في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026.
ويقول المحلل السياسي، ناحوم برنياع، أن هناك ثلاث إمكانيات أمام الرئيس هرتسوغ وأمام القضاء، الأولى، هي أن العفو ليس واردًا بالحسبان، وأنه لم يتم استيفاء الشروط القانونية. والثانية، هي إعطاء نتنياهو كل ما يطلبه بعدم رفض المحكمة العليا العفو. والثالثة، هي الإصرار على تنحي نتنياهو مقابل العفو والإصرار على اعتراف المتهم بتهمته، لأن الرئيس هرتسوغ لا يؤدي هنا دور المحكم أو الوسيط أو المحامي، وإنما هو صاحب القرار.
في النهاية عملية العفو تعتمد في الدرجة الأولى على الرئيس هرتسوغ والقضاء الإسرائيلي وكيفية تعاطيهم مع ملف العفو، وفي الدرجة الثانية الطلب العلني المستمر من قبل الرئيس ترامب من الرئيس هرتسوغ بإصدار عفو عن نتنياهو، وهذا التدخل يضرب "سيادة الدولة" و"استقلالية القضاء". وعلى ما يبدو سيدفع الفلسطينيون وإيران واليمن وسوريا ولبنان والعراق فاتورة عدم حصول نتنياهو على العفو من خلال التصعيد والحروب والدماء ليستمر في الحكم وصعود شعبيته على حساب الدم العربي وسيقدم على ضم الضفة الغربية.

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط