كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

دلالة الجدار في مجموعة سناء الشعلان القصصية "حدث ذات جدار"

دلالة الجدار في مجموعة سناء الشعلان القصصية "حدث ذات جدار"

تاريخ النشر: 2018-11-23 | 18:56

ثلاث مفردات متجاورة شكَّلن هيكل عنونة المجموعة القصصية للأديبة د. سناء شعلان (حدث ذات جدار) ثلاث مفردات هنَّ العتبة الأولى، أو البوابة الأولى للولوج إلى عالم المجموعة كلّها. الأولى (حدث) وهي فعلية بهيئة الماضي أشارت إلى زمن وقوع الفعل، والثانية ظرفية (ذات) وهي نائبة عن المكان الذي أضيفت إليه. أما الثالثة (الجدار) فقد أشارت إلى ظرفية وقوع الحدث الذي عَوّلت عليه المجموعة كبنية أولية باعتباره المكان الحاضن للفعل أو مجموعة الأفعال التي حدثت في عوالم قصص مجموعة سناء شعلان، وباعتباره الدال السيميائي لكل مدلول مجاور.

انقسمت المجموعة بشكل عام على قسمين: الأول فيه سرد لما وقع (قريباً من الجدار) والثاني لما وقع (بعيداً عن الجدار) الأول تضمن (إضاءة على ظلام) أرادت القاصة منها تسليط كشافاتها على الجدار باعتباره مركز الحدث، ومحوره، ونقطة الانطلاق إلى مجاوراته المختلفة، وقدمت تعريفاً واقعياً له، وتوضيحاً لأثره نفسياً واجتماعياً كمعلومة سيحملها القارئ دليلاً له في طوافه داخل جغرافية النصوص. وهو إيذان باعتماد الواقعية أسلوب بوح للمضمر والمعلن من معاناة شخوص المجموعة ومكابدتهم الدائمة وعزلهم عن بعضهم قسراً وظلماً. تضمَّن القسم الأول على أحد عشر قصة اشتغلت القاصة فيها على تقنية الراوي العارف بكل شيء والذي يروي الأحداث نيابة، بينما اشتغلت في القسم الثاني المتضمّن على قصتين: (البوصلة والأظافر وأفول المطر) و (خرافية أبو عرب) على تقنية الراوي الذي يروي الأحداث أصالة أو تداخلاً بين الأصالة والنيابة. في مقدمة القسم الأول تطالعنا جملة إشارية مقتضبة من القاصة أرادت منها تهيئة القارئ ليتقبّل هيئة الجدار كأداة صلدة صماء جامدة ولكن بسلوك بشري وإحساس إنساني، أحيانا، ليعرف ما يتوجب عليه الاعتراف به خارج طبيعته الإسمنتية الجامدة: 
"من واجب الجدار الفاصل أن يخجل من نفسه، وان يبكي – ولو سراً – احتجاجا على طغيانه واشمئزازاً من وجوده" 
وسنكتشف من خلال عنونة القصة الأولى (وبكى الجدار) أنها سعت إلى جعله شخصا له ما لأي كائن حيّ من مشاعر الخجل والحزن والقدرة على البكاء. 
في هذه القصة تحكي لنا القاصة في مستهلّها عن الولادة والموت، عن الرحيل والبقاء، عن النهاية والبداية وهي وإن لم تسرفْ في التعريف بمن ولد ومن مات في ذلك اليوم (زمن القصة) إلا أنها وضعت أمامنا حقيقة أن النورَ لا يخلّف إلا نورا. هنا تلعب القاصة على الاسم ومعنى الاسم فالعم الذي شُيّع في بداية قصتها هو العم (نور) والطفلان اللذان ولدا لحظة رحيله هما نور أيضا، وهما البنيتان المركزيتان اللتان استندت القصة عليهما. عاشا حياة مشتركة، لم يفارقْ أحدهما الآخر. كانا ملازمين بعضهما كتوأمين، كحبيبين، كظلّين ملتصقين، ثم تأتي الصدمة الكبرى حين تمرض الفتاة فتأخذها جدتها إلى المستشفى وفي فترة مكوثها هناك بنى الإسرائيليون جداراً عازلاً فاصلاً فرض على نور الفتاة استحالة العودة لفتاها نور لتبدأ مأساة فراقهما، ويبدأ الجدار بحرمانهما وإسقاط ظله الداكن على حياتهما الشفافة. كبر نور على انتظار ابنة عمه نور وصار يتردد على ذلك الجدار أملاً في أن يسمع صوتها من ورائه واملأ منها في سماعه أيضا، وفي ليلة باردة ممطرة هوجاء كانا ممددين قرب الجدار كجثتين هامدتين جعلتا الجدار يبكي عليهما كمداً وحزناً. لقد استرسلت القاصة في تفاصيل معاناتهما، وقسوة الجدار عليهما، وتعلق روحيهما التي لم يستطعْ الجدار فصلهما فكانت النهاية. نهاية الأنوار التي حركت الحجر وجعلت الجدار يلعن نفسه بنفسه فانتفض: 
"خالعاً كل ما عليه من غرف ومكامن ومراقب وجنود وبوابات، مستسلما للدك والتّهاوي تكفيراً عن ذنبه الأسود، ومنداحاً في دموعه الإسمنتية وفي أحزانه وندمه على قتل الصغيرين العاشقين" 
الهيمنة التي فرضتها لعنات الجدار على هؤلاء كبيرة جداً وواسعة أيضا ولا يمكن استيعاب حجمها بسهولة. وعلى الرغم من واقعيتها وتشكل لبناتها من أرض الواقع إلا أنها ظلّت صعبة قدر تعلق الأمر بالكتابة عنها. لقد وضِعت القاصة بين أمرين قد لا يلتقيان: السرد التقريري البحت، والسرد القصصي العابر للواقعية والتسجيلية. وبدافع الحرص الشديد على نقل الواقع بمحتوياته وتشعباته آلت القاصة د. سناء شعلان على نفسها الوقوف إلى جانب الصدق التام في التعبير عن حقيقة تلك الهيمنة التي شغلتها منذ أقيم جدار العزل وحتى ساعة صدور مجموعتها القصصية فهل دفعت ثمن هذه الوقفة؟ بصريح القول أزعم أنها دفعت ثمن ذلك من تحجيم قدرتها على الخيال والابتكار لصالح الواقع المعيش والحقيقة الماثلة. 
ففي قصة (المقبرة) تسرد لنا حكاية (الحاجة رشدية) أو كما أسمتها (أم الشهداء) بطريقة استبعدت دور مخيالها القصصي وما يمكن أن يقدم لنا من الشغف الذي يفوق العملية الصحفية وتقريريتها. وفي قصة (حالة أمومة) حاولت إنقاذ نفسها من هذا المطب الصعب بجعل الأم الفلسطينية تقفل عائدة إلى وليدها لترضعه متحدية في ذلك جدار الفصل ودورياته المرابطة فتسقط صريعة برصاص العدو وتثبت أن قوة الأمومة تفوق قوة الموت والفناء. وفي قصة (الصديق السري) تأخذنا في سرد شيّق نحو حياة طفلية مُوشَّاة بالبراءة بين طفلين لا يعنيهما خلاف الكبار ولا عدائهم القاتل، وكل ما يسعيان إليه هو صداقة تربطهما مع بعضٍ بصدق وعاطفة لا حدود لبراءتها. إلا انهما وبسبب الجدار الذي كان الطفل الفلسطيني يتسلل منه للقاء صديقه اليهودي قد أدى إلى مقتل الأول والى فشل الثاني بإيقاف إطلاق النار قبل جنودهم فيرمي نفسه عليه ليموت هو الآخر. وليظلَّ الجدار مداناً بجريمة قتل طفلين وإن اختلفت هويتهما إلا انهما ارتبطا برابط البراءة.
ومما تمتاز به قصص سناء شعلان في هذه المجموعة اهتمامها بانتقاء الشخوص وتقديمهم بطريقة تبدو وكأن القاصة قد أوغلت بدراسة أبعادهم وسلوكهم وحياتهم الداخلية حتى تكاد الشخصية تفصح عما يختلج أو يمور في أعماقها القصية. ففي القصة الموسومة (شمس ومطر على جدار واحد) تقدم لنا شخصيتين جمعهما الجدار تحت بوابته: الأولى شخصية الشاب الأسمر الفلسطيني الذي يعبر يومياً من بوابة الجدار نحو الجهة الأخرى ليشقى بكسب عيشه المضني، والثانية هي المجندة الإسرائيلية ذات الأصول الهنغارية التي تقوم بتفتيشه يومياً قبل عبور البوابة. وتجاوزاً لتكرار التفاصيل عن كلّ منهما اختصر الحال بعلاقة خفية ربطت بين الشخصيتين، علاقة حب مكتوم لم تفصح عنه أي من الشخصيتين. حب أزاح الحقد الدفين، والكراهية البغيضة، وعدم تقبل الآخر ليسمو فوقها جميعاً حتى صارت المجندة تنتظر بلهفة صباحَ اليوم القادم ليتسنى لها أن تكحل عينيها بمرأى فتى أحلامها الشرقي الجميل والمشرق. وذات صباح بينما هي تتقدم نحو الجدار رأت حبيبها المنتظر ملقى على الأرض مع عدد من العمال الذين قتلوا على يد جنود الجدار بدم بارد: 
"وكانت العودة إلى هنغاريا دون رجعة إلى هذا المكان هي الفكرة الوحيدة التي تملك عليها ذاتها، وتلحُّ عليها قبل أن يقتلها الجدار كما قتل الرجل الذي عشقته"
وفي القصة الموسومة (من أطفأ الشمعة الأخيرة) تقدم لنا القاصة شخصية نذرت نفسها للاطمئنان على أبنائها الأسرى حتى أنها حفظت رسائلهم الشفهية عن ظهر قلب لتنقلها إلى أمهاتهم بطيبةِ وحنانِ أم رؤوم. كان حلم حياتها أن تزور بيت الله، وعندما حانت الزيارة استثمرت وقتها في إيصال رسائل الأسرى الشفوية لأمهاتهم اللائي عزلهن الجدار عن أبنائهن في معتقلات العدو ولم يبق لها إلا أن تطفئ شمعتها الأخيرة قريبا من الجدار. 
لقد انتقت سناء شعلان شخوصها بدقة كبيرة من أولئك الذين فرض عليهم العيش على جانبي الجدار، ومن الأطفال والشباب والشيوخ والثواكل اللائي صبت الحرب على قلوبهن نارها الموقدة. فبالعودة إلى القصة الأولى نجد أن القاصة اختارت الطفلين (الذكر والأنثى) نور لتخبرنا كيف فرَّق الجدار بينهما حد الموت، وفي القصة الثانية والثالثة اختارت شخصية الأم لتسرد لنا في كلتيهما قصة المعاناة الرهيبة لكلّ منهما جراء الجدار. وفي الرابعة اختارت صبيين من جانبي الجدار أقاما علاقة صداقة كان مصيرها الموت برصاص العدو الذي لا يفرق بين طفل فلسطيني وآخر يهودي عندما يتعلق الأمر بالجدار، وفي الخامسة حدثتنا عن شاب وشابة ارتبطا بعلاقة حب ولد ومات قرب الجدار أيضا, وفي السادسة اختارت شخصية الأم ثانية وهي المرأة التي ضحت بزيارتها لبيت الله لتوصل رسائل الأسرى الشفهية لأمهاتهم ثم لتموت قرب الجدار. ومن مطالعتنا لبقية قصص المجموعة اتضحت لنا دلالة الجدار القائمة على التأثير المباشر على حياة الشخوص الداخلية والخارجية، وخلخلة نظام حياتهم، وتراكم مشاعر الضيق والحزن ولوعة الفراق. الشخصيات عموماً تختزن طاقة درامية حققت مقبولية تلقيها بكلّ ما لها وما عليها، وارتبطت بجدار الفصل (مكانياً) ارتباط السبب بالنتيجة مانحة إياه دلالة فريدة ارتبطت بمصائرها الفاجعة كـ (مدلول) فتحول - على الرغم من قسوته المفرطة - إلى مصدر إلهام فعّال جعل مداد القاصة يسيح على الورق بهيئة حروف وكلمات أجادت تركيبها في لغة قصصية لها ثراؤها وأثرها وفعلها وكينونتها كمجموعة كاملة.

×
أخبار
انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط