كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

دولة الاحتلال الإسرائيلي وأزمة الهوية

دولة الاحتلال الإسرائيلي وأزمة الهوية

تاريخ النشر: 2026-05-12 | 11:23

ليست أزمة دولة الاحتلال الإسرائيلي أزمة حدود أو أمن بالمعنى التقليدي بل هي أزمة كينونة وجودية تتخذ من الهوية مدارا لها فالدولة التي قامت على أساس صهيوني بوصفها دولة للشعب اليهودي تجد نفسها اليوم أمام تناقض بنيوي حاد بين خصوصيتها اليهودية المزعومة وبين متطلبات الدولة الحديثة ومقتضيات الاندماج في محيط جيوسياسي عربي وإسلامي.

على المستوى السياسي الداخلي تعيش إسرائيل حالة من الاستقطاب الحاد الذي يهدد تماسكها فمحاولات حكومة بنيامين نتنياهو تمرير تشريعات لإضعاف المحكمة العليا وتعديل طريقة اختيار القضاة لمنح السلطة السياسية نفوذا أكبر على الجهاز القضائي أثارت موجة احتجاجات غير مسبوقة ووصفها معارضوها بأنها تهديد للديمقراطية الليبرالية بينما تعتبرها الحكومة خطوة ديمقراطية ضرورية لإعادة التوازن بين السلطات وهنا تتجلى أزمة الهوية في أبشع صورها إذ تتصارع داخل دولة الاحتلال رؤيتان متناقضتان الأولى علمانية ليبرالية ترى في إسرائيل دولة لكل مواطنيها والثانية قومية دينية ترى فيها دولة لليهود فقط، وتمتد الأزمة لتشمل البعد القانوني الدستوري حيث تسعى الحكومة إلى تكريس هوية الدولة قانونيا عبر ما يسمى بقانون القومية الذي يعرف إسرائيل بصفتها الدولة القومية للشعب اليهودي ويجعل الشريعة اليهودية أساسا للتشريع ويلغي مكانة اللغة العربية كلغة رسمية ويكشف هذا المسعى عن إشكالية مركزية في الصهيونية ذاتها وهي استحالة التوفيق بين مفهوم الدولة اليهودية ومتطلبات دولة المؤسسات الحديثة كما أن المحاولات المستمرة لإضعاف الجهاز القضائي وإخضاعه للسلطة التنفيذية تذكرنا بما أسماه الدكتور عبد الوهب المسيري بالعلمنة الشاملة للمقدس وتحويل القانون من أداة لتحقيق العدالة إلى أداة للهيمنة السياسية.

دبلوماسيا تقف إسرائيل أمام مفارقة لافتة فبينما تسعى حثيثا لتوسيع دائرة التطبيع عبر اتفاقيات أبراهام لتشمل السعودية ولبنان ودولا أخرى تدرك في العمق أن الاعتراف العربي والدولي لا يمنحها الشرعية الوجودية التي تفتقدها فالتطبيع ليس سوى غطاء هش يخفي حقيقة أن إسرائيل لا تزال كيانا استيطانيا وظيفته الأساسية خدمة المشروع الإمبريالي الغربي في المنطقة والحديث عن قفزة كمومية بضم السعودية للمنظومة التطبيعية إنما يعكس وهما استراتيجيا مفاده أن الشرعية تشترى بالاتفاقات السياسية لا بالاندماج العضوي في المحيط الحضاري.

عسكرياً تكشف حرب غزة المستمرة  عن استنزاف عميق للجيش الإسرائيلي وتراجع قدراته الردعية فصحيح أن الآلة العسكرية تسيطر الآن على نحو ٦٠ ٪ من القطاع وتواصل عملياتها اليومية لكنها عاجزة عن حسم المعركة مع المقاومة التي لا تزال تحكم القطاع رغم تدمير ٩٠٪ من بنيته التحتية والأخطر أن الجيش يعاني إرهاقا غير مسبوق إذ يخدم جنود الاحتياط بمعدل ثمانين يوما سنويا ما ينذر بانهيار معنوي ومادي للمؤسسة العسكرية التي طالما شكلت ركيزة أساسية في بناء الهوية الإسرائيلية في ظل استمرار الحرب والعدوان على لبنان و الاستعداد والجاهزية تجاه ايران في ظل المفاوضات المستمرة بين إيران والولايات المتحدة.

أما على الصعيد الجيوسياسي فإن إسرائيل تواجه معضلة استراتيجية خانقة فحالة الاستنفار الحربي الدائم التي كرستها حكومة نتنياهو منذ السابع من أكتوبر 2023 تستنزف الاقتصاد والمجتمع وتدفع آلاف الإسرائيليين من حملة الشهادات العليا والعاملين في قطاعي العلوم والتكنولوجيا إلى الهجرة العكسية فقد غادر البلاد نحو أربعين ألفا وستمئة إسرائيلي في الأشهر السبعة الأولى من عام 2024 وحدها بزيادة تقارب ستين بالمئة ما يهدد بتفريغ الدولة من نخبها العلمية ويؤكد أن إسرائيل ليست ملاذا قوميا لليهود بل محطة عبور مؤقتة للباحثين عن فرصة اقتصادية.

وتكمن جذور الأزمة فلسفيا في الطبيعة التركيبية المتناقضة للمشروع الصهيوني فقد راهن هذا المشروع منذ بداياته على تصفية يهودية المنفى وخلق يهودي جديد مرتكز إلى الأرض والقوة لكنه لم يستطع حسم العلاقة بين البعد الديني والبعد القومي في هوية الدولة فبقيت إسرائيل حالة هجينة تجمع بين ملامح الدولة القومية الدينية والدولة الديمقراطية الليبرالية دون أن تنتمي بالكامل لأي منهما وهذا التردد الوجودي يعكس مأزق الصهيونية التي أرادت الهروب من يهودية الجيتو الدينية المنعزلة لتغرق في يهودية عنصرية إحلالية لا تقل عزلة واستعصاء على الاندماج في نسيج المنطقة.

إن أزمة الهوية الإسرائيلية ليست مرحلة عابرة في تاريخ الكيان بل هي قدر بنيوي محتوم فالصهيونية بوصفها حركة استعمارية استيطانية لا يمكنها أن تنتج هوية مستقرة لأنها قامت على نفي الآخر الفلسطيني ومصادرة حقه في الوجود وهذه الجريمة المؤسسة تطارد الضمير الإسرائيلي وتجعل البحث عن الهوية رحلة عبثية محكوم عليها بالفشل وما نشهده اليوم من تفكك داخلي وتآكل للتماسك الاجتماعي ليس سوى تجل ملموس لحقيقة مركزية وهي أن الكيان الصهيوني يحمل في أحشائه بذور فنائه لأنه اغتصب الأرض ونفى الإنسان وزيف التاريخ.

×
أخبار
نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط