كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

دولة الرئيس

دولة الرئيس

تاريخ النشر: 2025-08-11 | 12:44

دولة الرئيس
تحية طيبة وبعد،
أتذكر جيدًا أول لقاء جمعنا في مكتبك بالجامعة الأميركية في بيروت في 2005. يومها عرّفتك على نفسي بصفتي من المعجبين بك منذ أن قرأت مقالتك في مجلة الدراسات الفلسطينية عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وعن غياب المقاربة الحقوقية تجاه أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والمدنية. ومنذ ذلك اليوم، توالت لقاءاتنا بين حين وآخر على فنجان قهوة، إلى أن غادرت الجامعة متوجهًا إلى منصبك الجديد سفيرًا للبنان لدى الأمم المتحدة.
أكتب إليك اليوم، لا بصفتي صديقًا أو معجبًا فحسب، بل بصفتي شاهدًا وغاضبًا، إذ أرى لبنان في عهدكم يواصل إرثًا طويلاً من العنصرية المؤسسية والمجتمعية ضد اللاجئين الفلسطينيين، وضد الفلسطينيين السوريين منذ اندلاع الثورة السورية.
أدرك أن الأمر معقد، وأن للتاريخ جراحه؛ من بينها مشاركة بعض الفلسطينيين في الحرب الأهلية، ضد نصف اللبنانيين مع النصف الآخر. لكن تبقى المفارقة التي صاغها الراحل إلياس خوري بعبارته الشهيرة: "لبنان الذي يحب فلسطين ويكره الفلسطينيين".
تعرف، دولة الرئيس، أن جزءًا من عائلتي لبناني، وجزءًا آخر فلسطيني هُجّر إلى سوريا. في العقد الماضي، عانيت الأمرّين للحصول على تأشيرات لإخوتي وأقاربي كي يزوروا أهلهم الذين لجأوا إلى لبنان بعد تهجيرهم من سوريا، ولم يكن الأمر يتم إلا عبر وساطات شمالًا وجنوبًا.
كتبت إليك اليوم بعدما بلغ الغضب بي مبلغًا، إثر سماعي قصة إحدى قريباتي اللبنانيات، المتزوجة من فلسطيني سوري والمقيمة معه في الإمارات. الأسبوع الماضي، حاولت إدخال ابنها الصغير عبر حدود المصنع إلى لبنان، لكن الموظف رفض قائلاً: "هو فلسطيني، ولو كانت أمه لبنانية". أربع ساعات ونصف من الانتظار والمهانة، انتهت حين فهمت الأم أن "الرشوة" هي الحل، فدفعت وانتهى الأمر.
إلى متى، دولة الرئيس، يستمر بلد يدّعي الحداثة وحقوق الإنسان في إنكار مواطنة المرأة، وفي حرمانها من أبسط حقوقها؛ حق توريث جنسيتها لأطفالها وزوجها؟ لماذا صدر في عهدك مرسوم يسمح للسوريين الحاملين إقامات خليجية أو أوروبية بدخول لبنان، ويستثني الفلسطيني السوري؟ جاء الرئيس محمود عباس مؤخرًا إليكم، وأبدى حسن النية بشأن تنظيم السلاح الفلسطيني، فما كان الرد؟ لماذا لا تُتخذ إجراءات توقف الحقد والعنصرية ضد فلسطينيي لبنان أو حاملي الوثائق السورية؟ ولماذا يكاد من المستحيل استقدام فلسطيني من الضفة الغربية وأي مكان آخر كسائح إلى لبنان، بلد يكاد أن يكون منهاراً اقتصادياً وبحاجة لاي دخول من السياحة؟
أعرف أنك رجل قانون، وأقدّر مواقفك منذ كنت رئيسًا لمحكمة العدل الدولية. لكن ألا يستحق الأمر مواجهة صريحة مع هذه العنصرية المؤسسية التي تطال شعبًا يعيش بينكم منذ أربعة أجيال، محرومًا من حق العمل وحق التملك؟ نعم، أدرك أن يدي رئيس الوزراء مكبلتان في نظام طائفي، لكن على الأقل ننتظر كلمة، تصريحًا، تحديدًا للمسؤوليات.
لقد قُلتُ دائمًا إن مشكلة الفلسطينيين في لبنان لا تقتصر على إرث بعض اليمين المسيحي، بل هي أوسع: هناك من السنة والشيعة من يرفضون إعطاء الفلسطيني حقوقه، أو يصمتون، أو يرضون باستغلاله في السوق السوداء. إنها قضية تتجاوز الطائفية إلى البنية الطبقية والاقتصادية. هذا الخطاب العنصري/الذرائعي/الشوفيني/الطبقي نقيض لما حمله لبنان ذات يوم من روح عروبية، إسلامية، إنسانية، وحقوقية، ونقيض لموقف اليسار الليبرالي والوطنيين اللبنانيين الذين احتضنوا الفلسطيني وثورته بكرم ومحبة.
لماذا يصر لبنان والأردن على إطلاق الرصاص على قدميهما؟ بالنسبة لي، الفرضية الأوضح هي انفصال الجهاز الأمني عن السلطة السياسية المنتخبة وهيمنته عليها، حتى بات السياسي يصدر تشريعات تحاكي حقوق الإنسان، بينما يخلق الأمن حالة استثناء، بالمعنى الذي أشار إليه الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبن، تستبعد الفئات تعتبرها زوراً أنها "خطرة"، وتقصيها من أي فائدة لتلك التشريعات.
هذه الهيمنة الأمنية ليست جديدة على عالمنا العربي؛ شعرت بها كلما سافرت. كفلسطيني يحمل الوثيقة السورية، كنت أتعرض لأسابيع من الانتظار للحصول على التأشيرات، ولساعات من الإذلال على الحدود العربية (لبنان، الأردن، مصر، تونس، الجزائر وبعض دول الخليج). حتى أهديت كتابي "هنا وهناك: نحو تحليل العلاقة بين الشتات الفلسطيني والمركز" إلى رجال الأمن على الحدود، "بفضل" تلك الساعات لقد تحفز ذهني على الكتابة.
ما زلت أذكر ذهول أخي الأكبر حين زارني في فرنسا ورافقني لعبور الحدود إلى إسبانيا، ولم يجد شرطياً واحدًا يطلب أوراقنا. أصر على العودة إلى الحدود لأخذ ختم خروج كي يتمكن من العودة إلى فرنسا! رجعنا، وختم الشرطي الوثيقة بابتسامة تقول: "هؤلاء جاؤوا من المريخ!"
نعم، يا دولة الرئيس، يبدو أن العالم العربي لا يزال خارج التاريخ والجغرافيا العالمية.

عن المدن

×
أخبار
نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط