كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

دول من القبائل

لا تحتاج الحروب الأهلية في منطقتنا إلى البحث كثيراً عن وقود لتشتعل. لا حاجة لتتشكل الدول من أتباع أديان ومذاهب مختلفة كي يكون ذلك مبرراً ليبدأ إطلاق النار وحفلة القتل بين المتخاصمين. كل المواد الأولية موجودة وصالحة، سواء كانت خلافات سياسية أو صراعات حزبية، حتى لو خيّل للوهلة الأولى أن كل عناصر وشروط الانسجام والتفاهم قائمة وكاملة.

عندما انفصل جنوب السودان عن شماله قبل عامين ونيف، كان الظن أن هذه نهاية الاحتراب بين أبناء البلد الذي كان واحداً. قلنا: حسناً، إذا كان هذا هو الخيار الذي سينهي الحرب الأهلية الطويلة بين طرفي النزاع في جوبا والخرطوم، فلتكن. لعل هذا يفتح مجالاً لشيء من الاستقرار والتنمية، بدل الاستمرار في إنفاق الأموال على معدات الحرب والموت. لعل التقسيم يحل المشكلة إذا كان الطرفان في البلد الواحد يشعران أن الطلاق أفضل من الوحدة التي يريان أنها مفروضة عليهما بالقوة.

هكذا بُذلت جهود غربية كثيرة، عسكرية ومالية واقتصادية، في سبيل حل مشكلة الجنوب، ووضع خيار الاستقلال على سكة صحيحة، بدءاً من الضغط على الشماليين للموافقة على تقرير المصير. وقيل يومها إن انفصال الجنوب (المسيحي) سوف يضع حداً لهذا النزاع مع الشمال (ذات الأكثرية المسلمة). لم تكن الفوارق دينية فقط، بل تداخلت معها خلافات عرقية وثقافية فرضت قناعة أن قيام دولتين على أرض السودان هو المخرج الذي لا بد منه لإنهاء حرب أهلية دامت على مرحلتين متقطعتين لفترة قاربت الأربعين عاماً، وذهب ضحيتها مليون ونصف مليون قتيل.

لم يكن التجانس الديني بين مسيحيي جنوب السودان كافياً لقطع الطريق على الحرب الأهلية، فهذا التجانس لم يحل دون ظهور صراع آخر، هو الصراع القبلي بين قبيلتي الدنكا والنوير. وهو الصراع الذي يشكل خلفية الاقتتال الدائر اليوم داخل البلد الأحدث عهداً على الخريطة العالمية. وبدل أن تشكل موارد النفط الضخمة فرصة للتنمية أصبحت سبباً للتنازع على السلطة بهدف التسابق على وضع اليد على هذه الموارد.

ولا يقتصر الأمر على جنوب السودان بالطبع، فالشمال الذي كان يفترض أنه تخلص من «العبء» الجنوبي، وأنه قرر الانصراف إلى معالجة مشاكله الداخلية، وجد نفسه هو الآخر ضحية صراع داخلي بين حكم حسن البشير وخصومه، فضلاً عن العزلة الدولية التي يواجهها بسبب الاتهامات الموجهة إلى رئيسه على خلفية الارتباكات في إقليم دارفور.

حقيقة الأمر أننا نعيش في منطقة منكوبة بثقافتها وبتخلّفها وبالتناحر المديد بين أهلها. لا حاجة لأن تكون شيعياً أو سنياً، مسيحياً أو مسلماً، عربياً أو كردياً لتحمل سلاحك وتبدأ بقتل جارك. هذه كلها معدّات صالحة، والأمر الأكيد هو أننا لم نبلغ بعد مرحلة بناء الدول، تلك المرحلة التي يضع فيها المواطن ولاءه لوطنه أولاً قبل ولائه لطائفته أو مذهبه أو قبيلته أو عشيرته. هذه المرحلة هي التي وضعت دولاً أخرى تثير حسدنا على طريق التقدم، وهي الحل السحري الذي يظل يفوتنا ونظل نبحث عن سرّه. لذلك تفترق شعوب «دولنا» عند أول منعطف، ويبحث أهلها عن الطلاق الذي يعتقدون أنه يحل مشاكلهم، في الوقت الذي تسعى دول أخرى إلى التوحد في ما بينها على قاعدة احترام الآخر، واحترام خصوصياته كلها بما تحمله من فوارق ثقافية ودينية واجتماعية. وتكفي نظرة سريعة إلى الإقليم الذي نعيش فيه لنتبين حقيقة التفكك المريع في دولنا بالمقارنة مع حالة الانسجام والتماسك القائمة في الدول الأخرى.

تختصر صحيفة «الغارديان» البريطانية رأيها في الصراع في جنوب السودان بعبارة بالغة التعبير: هذا خليط مفكك من القبائل التي لا تستحق في الحقيقة صفة الدولة.

رأي لا ينطبق على جنوب السودان وحده. كثيرة هي «الدول» في منطقتنا التي لم تصل إلى مرحلة الدولة، ولا تستحق هذه الصفة.

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط