كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

دوما أو إمارة "كبير المفاوضين"

دوما أو إمارة "كبير المفاوضين"

تاريخ النشر: 2017-03-11 | 08:08

تحل الذكرى السادسة لانطلاق الثورة السورية بعد أيام قليلة على وقع حادثة بالغة الرمزية، مسرحها مدينة دوما في الغوطة الشرقية المحاذية للعاصمة دمشق. ليس حصار المدنيين هذه المرة أو تجويعهم هو الحدث، ولا تناحر الفصائل المسلحة هو العنوان، ولا حتى خرق النظام للهدنة الروسية المعلنة حتى 20 الجاري، وإنما مداهمة مكاتب صحيفة محلية وعدد من مقرات منظمات المجتمع المدني القليلة المتبقية في المنطقة، بعد تكفير العاملين فيها وتهديدهم على يد ما سمي «مواطنين غاضبين»، ثم إغلاقها ومنعها من العمل بقرار من «المحكمة الشرعية».

وجاءت الاحتجاجات الشعبية المزعومة رداً على مقال اتهم بالإساءة للذات الإلهية، لتنطلق حملات تحريض ودعوات إلى التظاهر تمت تلبيتها بحمل السلاح الأبيض ومحاصرة مقرات المجلة والمنظمات معاً، ما دفع الناشطين المدنيين العاملين فيها إلى إخلائها، بعدما رفضت الشرطة المحلية التدخل لمصلحتهم وحمايتهم بذريعة عجزها عن «الوقوف في وجه الشارع». هكذا، حكم على آخر معاقل الاعتدال والعمل المدني في الغوطة بالإعدام، لتطلق يد الفصائل الإسلامية المسلحة في شكل كامل.

والحادثة التي تأتي بعد سلسلة من حوادث حجب الصحف ووسائل الإعلام في «المناطق المحررة»، ومنع أعدادها الصادرة في تركيا من عبور الحدود للداخل السوري، معطوفة على ممارسات تشبه إلى حد بعيد ممارسات النظام في استدعاء الإعلاميين والناشطين إلى المراكز الأمنية لأي ذريعة كانت، تنطوي على أبعاد أكثر تعقيداً من كونها مجرد رد فعل ساخط على مقال مهما بلغ من رداءة أو تهور.

فهي بداية تعيد سيناريو «المخطوفين الأربعة» الذين مرت 4 سنوات على اختفائهم القسري، في ظروف مشابهة، من دوما نفسها، وفي ظل سيطرة الفصيل المسلح نفسه. مع فارق أن الإعادة هذه المرة، تأتي بحِرفية أعلى وحصانة أكبر لمرتكبيها. ذاك أن من داهم المقرات وهدد الناشطين ليسوا ملثمين لا أثر لهم ولا وجه ويسهل ربطهم بالمسلحين من «جيش الإسلام» وممثله السياسي محمد علوش، كما في المرة السابقة، بل هم «مواطنون غاضبون» أخذتهم الحمية ذوداً عن الدين. إنهم «الشارع» الذي لا يمكن التصدي له ولجم مشاعره فيما المسألة بأهمية الذات الإلهية.

وبعكس «الشبيحة» و «البلطجية» و «الأعوان» الذين يرتبطون ارتباطاً مباشراً وصريحاً بأجهزة السلطة، بحسب اختلاف البلدان والتسميات، فهؤلاء هم من أطلق عليهم في لبنان تسمية مدنية بامتياز وهي «الأهالي». وهم من يستعان بهم وبغضبهم للاستقواء على أهالٍ آخرين وترويعهم، حين لا تدعو الحاجة لتدخل غير المدنيين في شؤون مدنية. أو حين تلح الرغبة في إنجاز سريع لا يخلف عواقب ولا يحمل مسؤوليات.

وعليه، وفي ذروة الاستقطاب السياسي وتفوق طرف على طرف، يمكن للأهالي أن ينجزوا بقوة سواعدهم وسورة غضبهم ما يحتاج تحقيقه أحياناً فصيلاً مسلحاً أو سياسياً محنكاً. لا بل يمكن، والحال على ما هي عليه، أن يلعب السياسي دور الوسيط ويرفع خطاب التهدئة، فيما يمنح أعوانه منابر للتحريض ويطلق صبيانه في الشوارع.

وذلك تماماً ما جرى بالأمس في دوما، حيث قدم «المواطنون الغاضبون» خدمة نظيفة للعسكر في طرد الناشطين المدنيين وتعليق أعمالهم ربما لغير رجعة. ولأن ذلك لا يمكن أن يتم بلا تواطؤ «المؤسسات» وتكافلها، تخاذلت الشرطة عن توفير الحماية لمن يحتاجها، فيما أخذت العدالة مجراها عبر إصدار حكم محكمة، لإسكات الأصوات المطالبة بذلك.

والحال أن الضرر هنا لا يقتصر على مجموعة من الناشطين والعاملين في الشأن العام، بل يقطع شريان حياة أساسياً لآلاف الأسر والعائلات المستفيدة من دعم تلك المنظمات وبرامجها، وهو ما كان يتيح شيئاً ولو ضئيلاً من مقومات صمود المدنيين وبقائهم في مناطقهم، ويحصر التعامل الخارجي معهم عبر قناة واحدة هي «جيش الإسلام». لكن الأهم وربما الأخطر، أن ذلك يحرم السكان المحليين من مراكز التوثيق وحفظ سجلات الضحايا والمعتقلين وأرشفة انتهاكات حقوق الإنسان، وإمكانية رفعها لاحقاً إلى محكمة محلية أو دولية.

وإلى ذلك تكمن الطامة الكبرى في أن استباحة من هذا العيار تحظى بحصانة دولية يستمدها مرتكبوها من موقع القيادي في «جيش الإسلام» الذي شغل منصب كبير المفاوضين في جنيف ويشغل رئاسة وفد آستانة. هكذا، يجلس مفاوضاً سلمياً محسوباً على المعارضة وناطقاً باسمها هناك، ويرفع السلاح على أبناء الثورة ونشطائها المدنيين هنا، ليكرس ذلك النهج بصفته مستقبل السوريين الموعود، لا عملاً فردياً أو استثناء طوته أربع سنوات مضت.

وتحمل القضية بعداً آخر يتعلق أيضاً ببيئة المجتمع المدني السوري والمنظمات الدولية الشريكة لها. فالأخيرة، على ما قال مصدر من داخلها، واقعة بين الدفاع عن شركائها المحليين الذين يعتبرون صمام الأمان الأخير المتبقي من مسار العمل السلمي والمدني، وحكوماتها التي تدفعها في هذا الاتجاه لكنها، في المقابل، تقوي أطرافاً تقوضه، وتعترف بها وتتفاوض مع ممثليها. فهي وكأنها في شكل غير مباشر تساهم في إطباق الحصار على المدنيين عبر تكريس سلطات الأمر الواقع والتعامل من خلالها، ثم ملاحقة الناشطين ليل نهار لإثبات مدنيتهم واعتدالهم. أما المنظمات المحلية، التي أصابها ما جرى بصدمة كبيرة، فردت أيضاً بما لا يبشر كثيراً بالخير. فهي صحيح أنها سارعت إلى إعلان تضامنها مع زملائها ورفعت الصوت عالياً بضرورة حمايتهم وعدم التعرض لهم، لكنها فعلت ذلك أيضاً من باب «ولا تحملوا وازرة وزر أخرى»، بما يشي بموافقة ضمنية على أحقية ذلك الغضب الشعبي. وعوض الاكتفاء بالتنديد بمقال رديء وإظهار بعض التماسك والضغط على شركائها الدوليين أو مفاوضين آخرين من زملاء علوش لحل المسألة بأقل الأضرار الممكنة، دُفعت مؤسسة إعلامية ناشئة إلى التنصل حتى من مطلب حرية التعبير... وإعادته إلى حضن الإمارة وبيت طاعتها.

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط