كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

د. رانيا العباسي وأطفالها الستة ... الجريمة الوحشية التي ستلاحق بشار الأسد إلى الأبد

د. رانيا العباسي وأطفالها الستة ... الجريمة الوحشية التي ستلاحق بشار الأسد إلى الأبد

تاريخ النشر: 2026-06-06 | 11:58

لم تكن الدكتورة الراحلة رانيا العباسي اسماً عادياً في المجتمع السوري كما لم تكن ايضا شخصية سياسية أو عسكرية أو قائدة لتنظيم مسلح حتى تُصنَّفها اجهزة بشار الاسد ضمن أعداء السلطة أو خصومها حيث كانت تعمل طبيبة أسنان ناجحة وأماً لستة أطفال وبطلة سوريا والعرب في مسابقات الشطرنج ووجهاً معروفاً في الأوساط العلمية والرياضية والإنسانية وبكل بساطة والتزام وانسانية كرست حياتها لعلاج المرضى وتربية أبنائها وخدمة مجتمعها وعاشت سنوات طويلة بين عيادتها وبيتها وعملها الخيري لكن سوريا التي تحولت في ظل حكم الطغمة الأسدية إلى دولة تقتل وتلتهم أبناءها لم تنظر إلى رانيا بوصفها طبيبة أو رياضية وصنفتها هدفاً قابلاً للاعتقال والإخفاء والتدمير الكامل

تنحدر رانيا العباسي من أسرة علمية معروفة في دمشق حيث كان والدها من علماء الشريعة والحديث وقد عرفت بالتزامها الأخلاقي والديني والمهني وبحضورها الاجتماعي الهادئ وبعد سنوات من العمل في المملكة العربية السعودية عادت إلى دمشق لتفتتح عيادتها الخاصة وتستقر مع زوجها الدكتور عبد الرحمن ياسين وأطفالهما الستة في مشروع دمر حيث كانت تحاول أن تعيش حياة طبيعية في بلد كانت تعصف به الحرب والعنف والانقسام واستقواء الدولة والجيش على الشعب باستخدام آلة القمع الدموية التي لم تميز يوماً بين مقاتل وطبيب ولا بين ناشط وطفل حين وضعت عائلة الطبيبة بأكملها في دائرة الاستهداف

هنالك روايات عديدة تتحدث عن أن العائلة كانت تمد يد العون للنازحين والمتضررين من العمليات العسكرية التي اجتاحت مدناً سورية عديدة خلال السنوات الأولى للثورة وفي مناخ أمني كان يعتبر الرحمة جريمة والمساعدة الإنسانية تهمة والحياد خيانة أصبح كل فعل إنساني مدعاة للاعتقال والملاحقة كما تداول ناشطون لاحقاً فرضيات تتعلق بصور أو مواقف اعتبرت في نظر أجهزة النظام الاسدية خروجاً عن حدود الطاعة المطلقة التي أرادت فرضها على المجتمع السوري لكن أياً تكن الذريعة فإن الحقيقة الثابتة أن النظام الاجرامي لم يقدم يوماً مبرراً قانونياً أو أخلاقياً أو إنسانياً لاختفاء هذه الأسرة كاملة من الوجود

في مارس من عام 2013 اعتُقل زوجها الدكتور عبد الرحمن ياسين من منزلهما في دمشق وبعد أيام قليلة عادت عناصر أمنية إلى المنزل ذاته واقتادت الدكتورة رانيا وأطفالها الستة القصر دفعة واحدة ومنذ تلك اللحظة انقطع كل أثر للعائلة حيث لم تصدر مذكرة توقيف بحقهم ولم تعلن أي جهة امنية رسمية عن مكان احتجازهم كما لم يسمح لأي قريب أو محامٍ أو منظمة حقوقية بمعرفة مصيرهم وكأن عائلة بكل افرادها تبخرت فجأة من فوق سطح الأرض

بعد الحادثة مرت الشهور ثم السنوات وتحولت قضية رانيا العباسي إلى واحدة من أكثر قضايا الاختفاء القسري حضوراً في الوعي السوري حيث لم يكن السوريون يتذكرون فقط طبيبة الأسنان البطلة في لعبة الشطرنج بل كانوا يتذكرون أيضاً وجوه أطفالها الستة الذين اختفوا معها وكان السؤال يتكرر عاماً بعد عام أين رانيا وأين عبد الرحمن وأين الأطفال ؟ هل ما زالوا أحياء؟ هل هم في السجون؟ هل نقلوا إلى دور أيتام؟ هل يعيشون تحت أسماء مستعارة جديدة ؟ أم أنهم قتلوا منذ الأيام الأولى ولم يجرؤ أحد على قول الحقيقة ؟

على مدى أكثر من ثلاثة عشر عاماً بقيت العائلة معلقة بين الأمل واليأس وأمهات وآباء وأقارب عاشوا على شائعات متضاربة وعلى أخبار غير مؤكدة وعلى احتمال ضئيل بأن يكون الأطفال قد نجوا في مكان ما لكن الحقيقة التي بدأت تتكشف بعد سقوط النظام السابق جاءت أشد قسوة مما تخيله أكثر الناس تشاؤماً

التحقيقات التي أجرتها الجهات المختصة في الحكومة الجديدة والهيئة الوطنية للمفقودين قادت إلى استنتاج مأساوي مفاده أن أطفال رانيا العباسي الستة قتلوا بعد اعتقالهم بوقت مبكر وأن الأدلة المتقاطعة والشهادات والمواد التي تم التحقق منها تشير بدرجة عالية من اليقين إلى وفاتهم ولم يكن الخبر مجرد إعلان عن نهاية قضية غامضة بل كان اشهار لسقوط آخر الأوهام الجميلة التي تمسك بها السوريون طوال سنوات الانتظار

الصدمة لم تكن في الوفاة وحدها بل في طبيعة الجريمة نفسها حيث أطفال في أعمار مختلفة بعضهم كان بالكاد قد بدأ يكتشف الحياة وجدوا أنفسهم داخل منظومة أمنية لم تر في براءتهم أي قيمة بعدما اقتلعوا من حضن أمهم ومن ألعابهم ودفاترهم وأحلامهم الصغيرة ثم تحولوا إلى أرقام داخل ملف امني ودموي طويل وإن مجرد التفكير بأن أجهزة دولة كاملة تعاملت مع أطفال بهذه الوحشية يكفي لفهم عمق الانهيار الأخلاقي والانساني الذي أصاب بنية انظام بشار الاسد الذي حكم سوريا لعقود طويلة

معلوم تاريخيا ان الجرائم الكبرى لا تبقى مجرد حوادث فردية ولهذا تحولت قصة الدكتورة رانيا العباسي واسرتها إلى مرآة تعكس مأساة وطن بأكمله خاصة وان هذه العائلة ليست سوى وجه واحد من وجوه كارثة إنسانية هائلة تضم عشرات آلاف المختفين قسراً ومئات آلاف الأسر التي ما زالت تنتظر خبراً عن أبنائها وقد أصبحت رانيا رمزاً لكل أم اختفت خلف أبواب السجون السورية حينها ولكل طفل ضاع اسمه بين ملفات المخابرات والأمن ولكل أب خرج من منزله ولم يعد

ربما أكثر ما يجعل هذه الجريمة عصية على النسيان أنها استهدفت نموذجاً إنسانياً كاملاً طبيبة ناجحة وزوجاً متعلماً وأطفالاً يعيشون حياتهم الطبيعية ولم يكن في ما حرى لهم المطلوب إسكات معارض أو اعتقال ناشط فحسب بل كان المطلوب محو عائلة كاملة من الوجود وكأنها لم تكن.= وهذا ما يمنح القضية بعدها المرعب ويجعلها واحدة من أكثر الجرائم التصاقاً بالذاكرة السورية المؤلمة الحديثة

اليوم وبعد أن بدأت بعض الحقائق بالخروج إلى النور فإن السؤال لم يعد فقط من قتل أطفال رانيا العباسي بل كيف أمكن لنظام كامل أن ينتج هذا القدر من الوحشية والاجرام ثم يواصل إنكارها سنوات طويلة ثم كيف استطاع العالم أن يشاهد هذا النزيف الإنساني الهائل بينما كانت آلاف العائلات تتآكل تحت وطأة الانتظار والصمت

 رغم كل الالم وعمق المعاناة وبشاعة الحادثة ستبقى الدكتورة رانيا العباسي وزوجها وأطفالها الستة حاضرين في الذاكرة السورية الحية لا بوصفهم ضحايا فحسب بل كونهم شهادة دامغة على حقبة سوداء من تاريخ حكم البلاد وستبقى أسماؤهم تلاحق كل من شارك في هذه الجرائم أو بررها أو صمت عنها فهناك جرائم يمكن أن يطويها الزمن وهناك مآسٍ تخفت مع مرور السنين لكن ثمة جرائم أكبر من النسيان وأعمق من أن تمحوها الأيام `

تصفية رانيا العباسي وعائلتها ليست مجرد ملف جنائي مفتوح ولا هي مأساة عائلية موجعة فقط بل هي جرح أخلاقي غائر في ضمير الإنسانية كلها وجريمة دولة منظمة تقول للأجيال القادمة إن الاستبداد حين يُترك بلا حساب لا يكتفي بسجن البشر بل يقتل الذاكرة ويطارد البراءة ويحوّل الأطفال أنفسهم إلى ضحايا حقد لا حدود له ولهذا السبب ستظل رانيا العباسي وأطفالها الستة شاهداً أبدياً على واحدة من أبشع الجرائم التي عرفها التاريخ السوري المعاصر وعلى حقيقة لن يستطيع الزمن محوها مهما امتدت السنوات وتعاقبت الأجيال

القصة المشابه في وحشيتها وهولها لجريمة الدكتورة رانيا واطفالها منذ أكثر من ثلاثة آلاف وأربعمائة عام هي قصة ماشطة ابنة فرعون التي دفعت حياتها وحياة أطفالها ثمناً لموقفها وإيمانها حين أُلقي بأطفالها الواحد تلو الآخر أمام عينيها في مشهدٍ حفظته الذاكرة الإنسانية بوصفه رمزاً للطغيان والتجرده من الرحمة واليوم تعود المأساة ذاتها من قلب العاصمة السورية دمشق لا من قصور الفراعنة القديمة بل من أقبية الاستبداد الحديثة باسم الدكتورة رانيا العباسي وأطفالها الستة وهم يقفون في الذاكرة السورية إلى جانب ماشطة ابنة فرعون وأطفالها الستة

الحقيقة ان الذاكرة الدينية والإنسانية آلاف السنين قد تفصل بين القصتين لكن الفارق الحقيقي ليس في عدد الضحايا ولا في حجم الألم بل في أسماء الجلادين فقط حين يستبيح الطغيان الأطفال ويفقد كل صفة بشرية ويصبح وجهاً آخر للفرعون ذاته مهما اختلف الزمان والمكان والشعارات

 إذا كانت قصة ماشطة فرعون قد بقيت حية في الضمير الإنساني لأكثر من ثلاثة وثلاثين قرناً فإن مأساة رانيا العباسي وأطفالها الستة مرشحة لأن تبقى شاهداً موازياً في الذاكرة السورية على أن الاستبداد قد يبدل ثيابه وأعلامه وخطابه لكنه لا يبدل جوهره القائم على سحق البراءة وقتل الأمل وإشاعة الخوف من مصر الفرعونية إلى سوريا الاسدية تكرر المشهد نفسه وكأن التاريخ يكتب الرسالة ذاتها جيلاً بعد جيل مفادها أن الطغاة يتشابهون دائماً وأن الأطفال هم أول ضحايا جنون السلطة وآخر شهودها على الجريمة  

قضية رانيا العباسي وأطفالها الستة ليست نهاية ملف بل بدايته وليست جريمة معزولة بل نافذة تُطل على بحر هائل من الآلام التي ما زالت مدفونة في المقابر المجهولة والسجون المهجورة وملفات المفقودين والتي تنتظر من يفتحها بشجاعة ومسؤولية ومن هنا فإن الواجب التاريخي والأخلاقي الملقى على عاتق الدولة السورية الجديدة لا يقتصر على كشف مصير عائلة رانيا وحدها بل يجب ان يمتد إلى كشف مصير جميع الضحايا والمغيبين والمختفين قسراً في سنوات الاستبداد الطويلة في عهد الاب والابن الاسودين مهما كانت مواقع الجناة ومناصبهم ونفوذهم السابق

في الوقت ذاته إن آلاف الأمهات والآباء والأبناء لا يطلبون المستحيل بل يطلبون الحقيقة أولاً ثم العدالة ثانياً وهم يبحثون عن قبراً معروفاً لاب او ابن او اخ او اخت او ام او زوجة او قريب بدل الانتظار في هواجس الضياع والغموض كما يطالبون بحكماً وقصاصا عادلاً بدل الصمت المريب ولذلك فإن بناء سوريا الجديدة لا يمكن أن يكتمل إلا بفتح كل ملفات الانتهاكات دون استثناء وتعقب كل من شارك في القتل والتعذيب والإخفاء القسري أو أمر به أو تستر عليه وتقديمه إلى محاكمات عاجلة وعلنية تليق بحجم المأساة التي عاشها السوريون

ختاما : إن مجرد التفكير بالتساهل مع جرائم الماضي ليس مصالحة بل إهانة للضحايا واهليهم وإن طي الصفحات قبل قراءتها ليس استقراراً بل تأسيس لمظالم جديدة ولهذا فإن العدالة الحقيقية تقتضي أن تصل يد القانون إلى كل مجرم وأن يُرفع الغطاء عن كل متورط وأن تُستعاد حقوق الضحايا كاملة غير منقوصة وفق الأصول القانونية والقضائية العادلة ولعل أعظم وفاء للدكتورة رانيا العباسي وأطفالها ولآلاف الضحايا الذين لم تُعرف أسماؤهم بعد هو أن تتحول دماؤهم إلى عهد وطني لا يُنكث أبداً بأن سوريا لن تسمح بعد اليوم بقيام دولة فوق القانون أو سلطة فوق المحاسبة أو سجن يبتلع البشر في الظلام فالأوطان لا تُبنى بالنسيان وإنما بالحقيقة ولا تُحمى بالصمت وإنما بالعدالة ولا تتعافى من جراحها إلا حين يرى المظلومون أن حقوقهم قد عادت وأن المجرمين قد وقفوا خلف القضبان وأمام القضاء وأن زمن الإفلات من العقاب قد انتهى إلى غير رجعة

×
أخبار
وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين"

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط