كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

د. رمضان شلح في ذمة الله.. وداعاً أيها الأخ والصديق

د. رمضان شلح في ذمة الله.. وداعاً أيها الأخ والصديق

تاريخ النشر: 2020-06-07 | 07:30

قبل عقد من الزمن، كان لقائي الأخير بالأخ والصديق الحبيب د. رمضان شلح (رحمه الله) في بيته بحي المزة الدمشقي، والذي سبقه الكثير من اللقاءات والجلسات الحوارية في بيروت وواشنطن وطهران، حيث كانت تجمعنا القضية الفلسطينية على مائدة المؤتمرات الإسلامية، باعتبارها قضية الأمة المركزية، وكانت تتضافر الجهود في معسكرنا نحن الإسلاميين لوضعها على صدارة أجندات تلك المؤتمرات وندوات الحوار.

لقد سمعت أول مرة عن د. رمضان شلح (أبو عبد الله)في أوائل الثمانينات كأحد الشخصيات الوازنة في التيار الجهادي، الذي كان د. فتحي الشقاقي يعمل على تأسيسها، بعد خلافه مع حركة الإخوان المسلمين الذي مثَّل –آنذاك- أحد أبرز قياداتها الشبابية.

كان الشهيد د. فتحي الشقاقي خلال سنوات دراسته في الزقازيق بمثابة المرشد الروحي والملهم والمفكر الذي تأثر به د. رمضان،وتشكلت في ظل حواراته معه كل قناعاته على مستوى الرؤية لمشروع الجهاد والمقاومة.

في الزقازيق كان البذار، وفي غزة نبت الغرس وتفتحت الأزهار، حيث آثر د. الشقاقي الابتعاد عن نهج الإخوان، حيث تعارضت رؤيته النضالية التي تدفع بالتعجيل نحو العمل العسكري المقاوم للاحتلال الإسرائيلي، ونظرة شيخه الأستاذ أحمد ياسين (رحمه الله) الذي كان يؤثر الانتظار لحين توفر الظروف والإمكانيات البشرية والمالية لانطلاق العمل الجهادي المقاوم.

كان د. رمضان من أشد الداعمين لمرشده د. فتحي الشقافي، حيث كانت تجمعهما الكثير من القناعات الفكرية والقدرات الموسوعية وحبهما لقراءة الشعر والأدب، والتي أوجدت بينهما أكثر من مساحة للقواسم المشتركة، التي أسهمت في تحقيق التناغم الكبير بينهما.

كان د. رمضان شلح خلال سنوات عمله بالجامعة الإسلامية صوتاً هادراً ارتكزت على قوته حركة الجهاد في بداية تأسيسها، وحظيت بالكثير من الكسب بين طلاب الجامعة الإسلامية. لم تخل تلك السنوات من صراعات بين الإسلاميين، حيث كان التنافس لإثبات الذات والحضور في المشهد الوطني يخلق احتكاكاً كان أحياناً ينحرف عن مساره بشكل سلبي، واستمر هذا المناخ حتى خلال انتفاضة الحجارة عام 1987، وإلى سنوات لاحقة بعدها.

من المعروف عن د. رمضان شلح (رحمه الله) أنه كان يمتلك حنجرة وقدرات أدبية وحسن بيان، وقد اشتهر بخطبه الجهادية التي أثارت غضب سلطات الاحتلال الإسرائيلي، فقامت بفرض الإقامة الجبرية عليه، ثم منعته من العمل في الجامعة. في عام 1986، غادر فلسطين إلى لندن لإكمال دراساته العليا، وحصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة درم عام 1990، وبعدها سافر إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث عمل أستاذاً في العلوم السياسية في جامعة تامبا، إحدى جامعات ولاية فلوريدا بين 1993 – 1995م. كما كان أحد المؤسسين لـ"مركز دراسات الإسلام والعالم" مع د. سامي العريان، ومحرراً للمجلة الفصلية (قراءات سياسية).

شهادة للتاريخ..

في عام 1994، التقينا كمجموعة من قيادات العمل الإسلامي في أمريكا، وحاولنا العمل على جمع الشمل بين حركتي فتح وحماس؛ باعتبار أن ما تفرقنا بسببه كإسلاميين في مطلع الثمانينيات لم يعد له وجود، حيث التحم الجميع في معركة المناجزة العسكرية مع الاحتلال، وقد توافقنا على أنه قد آن الأوان لأن نتوحد خلف قيادة واحدة، وأن نضرب الذكر على سنوات كان التنائي فيها بديلاً عن تلاقينا. في الحقيقة، كان د. رمضان شلح وكذلك د. موسى أبو مرزوق، ومن شاركنا اللقاء - آنذاك - من الشخصيات الإسلامية الفلسطينية على قلب رجل واحد حول ضرورة التسريع بتوحيد الصف والبندقية معاً. وبناء على مخرجات ذلك اللقاء تم التواصل مع قيادة كل من الجهاد الإسلامي وحركة حماس، إلا أن اغتيال د. فتحي الشقاقي في مالطا بتاريخ 25 أكتوبر 1995، واعتقال د. موسى أبو مرزوق في 25 يوليو 1995ودخوله السجن لعامين قادمين، وضع هذه التفاهمات على الرف لحين ظهور متغيرات جديدة تستدعي تحريكها من جديد.

فوز حماس بالانتخابات...

بعد أن فازت حركة حماس في الانتخابات التشريعية يناير 2006، وتصدرت مشهد الحكم والسياسة، تعالت لغة الدعوة لاجتماع الشمل الإسلامي في إطاراته الجهادية، حيث شكَّل هذا الفوز دعماً لنهج الجهاد والفعل المقاوم. في سوريا وخلال أكثر من لقاء مع د. رمضان وإخوانه في المكتب السياسي أعدنا طرح الفكرة التي تداولناها سابقاً ثم توقفت، والآن فإن قيادة الحركتين متواجدة في دمشق، وهذا ما بسهل معاود الحوار، حيث نضجت الظروف ولم يعد هناك ما يبرر استمرار وجود تنظيمين خرجا من مشكاة إسلامية واحدة، وما بينهما من توافق الرؤية والأهداف ما يعزز سرعة اللقاء وتحقيق الوحدة.

للأمانة لم أشهد من د. رمضان إلا  مواقف إيجابية شجعتني لنقلها لأخي د. موسى أبو مرزوق والذي ذكر لي أنه يعمل مع د. رمضان لإنجاز ذلك.

لقد سمعت من د. موسى الكثير من الثناء على د. رمضان، وأنه متعاون معنا في معالجة كل نقاط الخلاف لتمهيد الطريق لإنجاز ذلك.. وفعلاً؛ انعكست تلك اللقاءات والتفاهمات والعلاقات الإيجابية التي طورها د. رمضان مع إخوانه في حركة حماس وأثمرت مستويات عالية من التنسيق العسكري  فيما يسمي بـ"غرفة العمليات المشتركة"، إضافة إلى التعاون في باقي المجالات السياسية والإعلامية والفعاليات الوطنية والدينية.

عزاء ورثاء...

لم يبق أحد في ساحتنا الفلسطينية والإسلامية على المستويين الرسمي والشعبي إلا وعبَّر عن حزنه وأساه لفقدان قائدٍ ملكَ بمواقفه قلوب كل من اتفقوا أو اختلفوا معه.. ولعلي أُجمل هنا بعض تلك السجايا التي اجتمعت في سيرة د. رمضانوعبرت عن مساره النضالي، ومنها كلمات القيادي في حركة حماس وعضو مكتبها السياسي د. موسى أبو مرزوق، حيث أشار إليه في كلمة العزاءبـ"القائد الوطني الكبير"، وأنهكان خطيباً مفوَّهاً ومثقفاً، وكان صادق القلب ونقي السريرة، وقد تمكن (رحمه الله) من وضع حركة الجهاد الإسلامي على الطريق الصحيح بعد استشهاد المؤسس د. فتحي الشقاقي.

أما السفير عدلي صادق؛الكاتب والمحلل السياسي، فقد رثاه قائلاً: على درب حرية فلسطين، أسلم أبو عبد الله الروح، في ضاحية بيروت الغربية، بعد سقام طويل، ظلت خلاله هذه الروح الناصعة العطرة، ترفرف في سماء القدس التي أحب، والوطن الذي نذر نفسه له، منذ أن تسلم الراية من أخيه الشهيد د. فتحي الشقاقي. لقد أبى أبو عبد الله، إلا أن يكون وداعه ممتداً على مر سنين، ظلت خلالها القلوب تهفو اليه، ليس كرجل اختار طريقه في بحرٍ عالي الموج، يُغالب الأنواء، ولكي تستمر الحركة التي سهر على استمرارها واشتداد ساعدها، فلا تخبو جذوتها، بعد أن نالت الأيدي الغادرة من مؤسسها وأمينها العام الأول.. فأي فتى كان رمضان، غير ذاك الذي كان العزم من صنيعته، وكان الود الجميل والعقل المستنير. لكنَّ هذه الدار لا تُبقي على أحد، فهنيئاً لك ارتقاؤك وأنت في ذروة نُبلك، وطوبى لك في غيابك وأنت في ذرى حضورك.

ولعل من باب التعبير عن قدرات د. رمضان شلح الأدبية ووعيه الثقافي، تلك اللفتة الكريمة التي أوردها الكاتب المصري رفعت سيد أحمد، ومفادها أن د. رمضان كان من بين أهم الدارسين والمتذوّقين للأدب والشعر الفلسطيني، فحينما طلبت صحيفة الاستقلال؛ الناطقة باسم حركة الجهاد الإسلامي،من الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش أن تحاوره، قال: لها: إذا أردتم الحوار معي فلي شرط واحد, وهو أن يكون المحاور ذلك الكاتب الذي يوقّع إسمه في عموده اليومي بـ"محمّد الفاتح"؛ لأنه الأكثر عمقاً وعلماً وفهماً لشعري وللأدب والسياسة في فلسطين، وكان "محمّد الفاتح" هو الإسم الذي يوقّع به د.رمضان شلح مقالاته في صحيفة الاستقلال!

أما الأستاذ جميل عبد النبي، المفكر وصاحب القلم، فقد لخص مواقف د. رمضان (رحمه الله) في سطور توزن بماء الذهب، قائلاً: إنَّ أخي أبا عبد الله كان رجلاً فلسطينياً قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وحدوياً، يبحث بين فرقاء الصف الفلسطيني عن أي فرصة لأن نكون معاً..ففي ذات يوم، سجَّل شهادته التاريخية، والتي كانت آخر إرثه، مشيراً إلى أن الاحتلال يبحث عن مشترٍ لغزة، وتمنى على رفاق الخندق ألا يكونوا هم المشتري الذي يبحث عنه الاحتلال. وأضاف في سياق هذا الإرث: إن فكرة محور المقاومة أضيق من أن تتسع لكل العاملين من أجل فلسطين، ولا بدَّ من توسيع الدائرة ليصبح اسمها مشروع المقاومة، وليس فقط مجرد محور تنتمي له أطراف بعينها، إنما مشروع كبير يشمل كل العاملين من أجل فلسطبن، بالسلاح، والمال، وتثبيت الصمود، والنضال السياسي، فالمقاومة ليست حكراً على أطراف بعينها، إنما وصف لكل من يعمل لفلسطين بأي طريقة مشروعة.

وأضاف كذلك: إن على الفلسطينيين ألا يكونوا جزءاً من أيِّ صراع عربي عربي، وظل كذلك حتى غاب وعيه، وطوال سنوات ما كان يسمى بالربيع العربي ظل ينقل خطواته في حقل ألغام، وكان دائماً لا يستجيب لمحاولات حرفه لأن يتنازل عن فكرة أن الطريق إلى فلسطين لا تمر عبر نزاعات العواصم العربية الأخرى، ففلسطين طريقها أوضح من أن يوضح.

وفي جنة الله التلاقي..

لقد أحزننا فراقكيا أبا عبد الله.. لقد ترجلت كفارس عرفناه بموقفه وكلماته، وبنبضه المقاوم للاحتلال، وكانت شغاف قلبه تدعو للوحدة وتعمل لاجتماع الصف.. رحمك الله وأسكنك فسيح جناته، وعزاؤنا أن خلفك من الرجال من تطمئن بذكرهم ومواقفهم وجهادهم القلوب.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط