كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ذات زمن بدمشق.. حينما يغرق الطيب تيزيني..في نحيب شفيف..!

ذات زمن بدمشق.. حينما يغرق الطيب تيزيني..في نحيب شفيف..!

تاريخ النشر: 2024-05-20 | 09:29

-الثقافة لا تحيا خارج الحرية،ولا تتحول إلى حقوق للأفراد إلا حينما تتشكل دولة القانون.هذا ما ابتغاه طيب السيرة،طيب تيزيني..( الكاتب)

-يقول الكاتب السويدي،اليوناني الأصل،ثيودور كاليفاتيدس: مأساة المهاجر أنه يحنُّ باستمرار إلى العدم. يحنُّ إلى أشخاصٍ قد تغيروا، وإلى أماكن قد تغيرت. ولكن مأساتنا، نحن السوريين، أقسى وأشد، فنحن نحنُّ إلى أماكن لم تعد موجودة، وإلى أشخاصٍ نبلاء باتوا في العالم الآخر.

عندما يبكي المفكر فذلك يعني أن المأساة قد بلغت الذروة..

 عندما يبكي من بيده الشعلة،ومن ينتظر الناس كلمته فذلك يعني أننا في حال من العجز والضياع تستحق الرثاء.

ماذا يعني أنْ يذرف قامة كالمفكّر العربي السّوري طيب تيزيني الدمع،وتنحبس الكلمات في حلْقه من قبْل أنْ ينبس ولو بحرف واحد؟

ذُهلتُ وأنا أراه يُخفي بكفّيْه وجْهه ُالغارق في العبرات،كأنّي أُشاهد لحظة تراجيدية بامتياز،لا شيء حاضر في تلك اللّحظة البارقة، سوى عبثية المشهد الذي نعيشه،بشاعته،ووحشيته،فاقت تصورات هذا المفكر المسافر عبر الغيوم الذي قد يختلف الكثير معه في زاوية نظره التي تعتمد الجدلية المادية الماركسية، في مساءلته واستنطاقه للتراث والتاريخ.

بالأمس البعيد،كنت أراه،يقول بوجه غائم: ما كتبته طيلة حياتي في حاجة إلى إعادة مراجعة،أمام ما نعيشه اليوم من هوْل الفاجعة: نعيش زمن المابعديات: ما بعد الحداثة،ما بعد الأخلاق، ما بعد الإنسان..

يغرقُ تيزيني في نحيب شفيف،وهو يصف المشهد المأساوي قائلا: هذا النظام العالمي الجديد،ابتلع الطبيعة والبشر،هضمهما، لإخراجهما سلعا. هكذا، كلما ارتفعت قيمة الأشياء، هبطت قيمة الإنسان: قيَمه وإنسانيته،مقابل هيمنة المال والسلاح مع تفكك وتفقير مرعب لما يسميه بالحامل الاجتماعي ويقصد الطبقة الوسطى.

يغرق تيزيني الإنسان مرّة أخرى،في بكائيات: تسارع الواقع وبشاعته ومشهديات الدم والعنف فاقت توقعاته، وأربكت كل المسلمات..!

كنت أتفحّصُه وأرقب كل تحركاته،مرة بقلب الشاعر ومرّة بعقل الدارس والمهتم بمشاريع التحديث العربي، كنت دائما على يقين، أننا شعوب مصدومة، تأخذنا الفجيعة على حين غرّة: حملة بونابرت على مصر كانت بمثابة الصّدمة التي حرّكت السواكن،منها انطلق السؤال:

لماذا تقدّم الغرب وتأخّرنا؟

ومنذ ذلك الوقت،ونحن نراوح مكاننا،ولا إجابة قاطعة،الصّدمات تلو الصدمات..!

ليس أكثرها قتامة،هذا التبشير بزمن وحشية الإنسان الذي نعيشه الآن..

كنتُ ذاهبا،وفي رأسي قرْقعة،كنتُ مصرّا لرمْيها في وجهه دفعة واحدة، يُجيبني،أنا المُطّلع على فكْره،وفكْر مرُوّه-1-، والجابري-2-، قارئ جيّد لروّاد الإصلاح: الطهطاوي، الكواكبي، خير الدين التونسي وغيرهم:

ماذا بعد؟ وأيّ وجاهة لطرح مسألة التراث اليوم والوقوف على تأويل النص الديني في واقع متسارع،يصنع تأويله الاجتهادي لحظة قطْعه للرؤوس..؟!

إلا أني تراجعت أمام ذهوله الذي فاق ذهولي من الواقع.

اقتربت منه وحدثته عن الشعر وشفافيته فأبتسم وجهه من وراء غيمة بكاء،سارعتُ لالتقاطها في صورة!

يا قلبي الحزينُ..خفّف من روْعكَ قليلا..!

بالأمس(2019) ترجل أحد أهم مفكري سوريا والعالم العربي ليلحق بركب زملائه الذين جمعتهم دمشق يوماً،وفي لحظة هاربة من زمن منفلت من العقال،وغادروا الحياة تباعاً صادق جلال العظم وجورج طرابيشي..

لقد كان المفكر السوري الراحل أنموذجا للمثقف الطليعي،المشدود إلى القضايا العربية والوطنية،الثابت على الالمبادئ ،القوّال للحق، يوظف كل ما أوتي من عمق فكري،وثقافة تاريخية،وتجربة ناضجة في الدفاع عن القضية الفلسطينية التي كان يؤمن إيمانا عميقا بعدالتها،كما آمن فيما بعد بثورات"الربيع العربي"وتعاطف معها، ورأى فيها بريق الأمل، مع التزامه بمساحة الواقعية وحدود التحرك في هذا المجال.

فرحمة الله على فارس الفكر العربي،وأحد القامات العلمية الباسقة، والهامات الأكاديمية العربية المنيفة،المتوج إلى الأبد بنياشين منجزه المعرفي.وإذا كان جسده قد أوسد التراب يوم 17 من شهر ماي 2019،فإن فكره سيظل يقظا،معبئا،وحاضرا في كافة دروب المعرفة.

وداعا أيها الطيب..طيب تيزيني.

هوامش:

*الدكتور طيب تيزيني (10 أوت/آب 1934 - 18 ماي/أيار 2019) هو مفكر سوري من مواليد مدينة حمص، من أنصار الفكر القومي الماركسي،يعتمد على الجدلية التاريخية في مشروعه..  

1-الدكتور حسين مروّة (1910 - 17 فيفري/شباط 1987) هو مفكر وفيلسوف وباحث،وعضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني سابقا قيادي شيوعي بارز في لبنان والعالم..

لقد كرست حياة الطيب تيزيني إنساناً فاعلاً ونشطاً محباً لبلده وأهله، خدم بإخلاص كأستاذ جامعي، واهتم كمفكر بمستقبل السوريين والعرب عبر البحث فيه، لكنه اهتم أكثر بواقع ما صار إليه السوريون في العقد الأخير من السنوات، ساعياً إلى وقف الدم، والوصول إلى حل سياسي، يخرج السوريين وبلدهم من الكارثة التي صاروا إليها.

تعرفت على الراحل كعاشق لكتبه التي كانت ولا تزال يشار إليها بالبنان

2-محمد عابد الجابري (27 ديسمبر/كانون الأول 1935 بفكيك، الجهة الشرقية - 3 مايو/أيار 2010 في الدار البيضاء) مفكر وفيلسوف مغربي، له أكثر من 30 مؤلفا في قضايا الفكر المعاصر، أبرزها "نقد العقل العربي" الذي تمت ترجمته إلى عدة لغات أوروبية وشرقية، كرّمته اليونسكو لكونه "أحد أكبر المتخصصين في ابن رشد،إضافة إلى تميّزه بطريقة خاصة في الحوار".

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط