كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ذكرياتي في حانة “بودغيتا دل ميديو”.. وسر اعجاب الجواهري بهمنغواي

ذكرياتي في حانة “بودغيتا دل ميديو”.. وسر اعجاب الجواهري بهمنغواي

تاريخ النشر: 2026-06-18 | 13:48

وعدتُ القرّاء باستكمال سرديّتي عن "المقاهي: ذاكرة المدن" بالإطلالة على مقهى وحانة "بودغيتا دل ميديو"، التي جئت على ذكرها في كتابي الموسوم "كوبا الحلم الغامض" (دار الفارابي، بيروت، 2011)، وهي الحانة التي كان يرتادها الروائي إرنست همنغواي في هافانا، وتذكّرت حواراتي مع الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري في ثمانينيات القرن المنصرم بشأن طريقة عيش بعض الفنانين والأدباء الكبار وعلاقته بهم ورأيه فيهم، مثل بيكاسو وبابلو نيرودا ولوركا وماركيز وهمنغواي، وسبق أن جئت على ذلك في كتابي "الجواهري: جدل الشعر والحياة" (دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1997).

استذكرت ذلك وأنا أحتسي كأس الموهيتو اللذيذ (الموهيتو نوع من الروم Rum مضافًا إليه الليمون والنعناع والثلج) في حانة “بودغيتا دل ميديو”، فقد كان الجواهري يرى في همنغواي شخصية محيّرة، وغالبًا ما يتساءل عن غموض موضوع انتحاره، وحسب الجواهري فإن الكاتب الأميركي الكبير همنغواي اكتسب شهرة كبيرة ومالًا كثيرًا وجاهًا عظيمًا وتقديرًا كبيرًا من جانب قائد مسيرة جبال السييرا مايسترا فيديل كاسترو ورفاقه، فلماذا ينتحر؟ هكذا كان يردّد ويتساءل مع نفسه. وقد توقّف الجواهري عند ذلك في مذكراته أيضًا الموسومة “ذكرياتي” (جزآن، دار الرافدين، دمشق، 1988)، وجاء على ذكره صباح المندلاوي في كتابه “الليالي والكتب” (بغداد، 2009)، أن همنغواي كان يطلب من الناشرين 750 ألف دولار للاتفاق على طبع رواياته، وعاش مرفهًا في جزيرة حالمة وبأوضاع متميّزة، وبالمناسبة كنّا هادي العلوي وكاتب السطور نطلق في تسعينيات القرن الماضي على صهر الجواهري صباح، اسم صباح النجيب لموقفه النبيل في مساعدته في سنواته الأخيرة.

لقد ظلت ظروف مقتل همنغواي غامضة وملتبسة، وهي التي جعلت الجواهري يستعيدها أكثر من مرّة “كيف يستطيع من هو في هذه البحبوحة أن يقدم على الانتحار؟” فقد قيل إنه توفي بانطلاق رصاصة من بندقيته، التي أردته قتيلا في ظروف غامضة في 2 تموز (يوليو) 1961، وهو الذي ولد لأب طبيب في أواخر العام 1899 في مدينة صغيرة اسمها أوك بارك (Oak Park)، غير بعيدة عن شيكاغو، ونشأ في أسرة محافظة، لكنه أبدى ميلًا إلى التمرّد منذ نعومة أظفاره، وبالرغم من أنه كان تلميذًا نابهًا فإنه كان كثير الفرار من المدرسة، ومنذ وقت مبكر دخل عالم الصحافة والكتابة، ولم يكمل دراسته، لا سيّما عندما دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى، فتوجه همنغواي إلى ساحات القتال، كمراسل حربي. وتروي ذاكرة الجواهري حكاية ذلك الصحافي الهاوي، الذي تقدّم للعمل في إحدى الصحف، فاشترط عليه رئيس التحرير أن يجري لقاءً مع الكاتب الشهير همنغواي لكي يقبل تعيينه، وبعد سلسلة اتّصالات وتنقّلات يحط الصحافي في هافانا، حيث يقيم همنغواي، ليلتقي به في حانة “بودغيتا دل ميديو”، ويخبره برغبته في إجراء اللقاء وشروط وحيثيات عمله المنشود، ويشعر همنغواي بالتعاطف معه، بل والإعجاب به، وبعد كأسين من الموهيتو يعرض عليه العمل معه سكرتيرًا خاصًا بظروف أفضل، فيتفاجأ الصحافي “هوتشنر” ويغمر قلبه الفرح والسرور ويبدأ على الفور بمرافقة همنغواي، بعد أن كان جلّ طموحه عقد لقاء صحافي معه، وبعد رفقة ومعايشة لسنوات عديدة، يطالعنا “هوتشنر” بنشر كتاب قيّم عن همنغواي بعنوان “بابا همنغواي“، يورد فيه تفاصيل شائقة وماتعة عن حياته.

خلال زيارتي لهافانا بحثت عن أثر همنغواي، ولطالما فكّرت في سبب اختياره كوبا، أو بالأحرى بقائه فيها بعد نجاح فيديل كاسترو ورفاقه في مسيرتهم الثورية لدكّ صرح الدكتاتور باتيستا (1 كانون الثاني/يناير 1959)، على الرغم من العداء المستحكم بين بلاده (الولايات المتحدة) وكوبا، فزرت فيلّته لا فيهيا “مزرعة همنغواي” في منطقة سان فرانسيسكو دي باولا، وهي ضاحية قريبة من العاصمة. دُهشت حقًا وأنا أتجوّل في المزرعة، ففيها أنواع مختلفة ونادرة من الزهور والأشجار، جلبها من جميع أنحاء العالم، ولعلّ ذلك ما كان يشغل الجواهري كثيرًا، وكم تمنّيتُ لو كان الجواهري على قيد الحياة لأخبره بما رأيت، لا سيّما المركب الصغير الذي كان يصطاد (همنغواي) فيه السمك في عرض البحر الكاريبي، وكانت تلك إحدى هواياته، وما زال هذا المركب الأنيق موجودًا في مزرعته، وتحتوي المزرعة على صالات وغرفة ضيوف وغرفة طعام ومناظير وأنواع من البنادق وصفارات، إضافة إلى سينما صغيرة وأفلام وصور ولوحات وخمور وكؤوس متنوعة. ذكرتني فيلّا همنغواي بزيارتي لفيلّا بابلو نيرودا الجميلة (Chascona) على ساحل جزيرة نيغرا الذي يبعد نحو 100 كيلومتر عن سنتياغو في تشيلي (2005)، والتي كانت تحتوي هي الأخرى على أنواع الخمور والزجاجات والكؤوس، إضافة إلى إسطبل للخيول، وفيه حصان بكل متطلباته، مصنوع بمهارة ودقة كعمل نحتي وفني جميل، مع أن نيرودا لا يجيد ركوب الخيل، مثلما لا يجيد السباحة، بالرغم من أن فيلّته مطلة على البحر مباشرة، ولعلّ أجمل ما فيها هو غرفة الحبيبة ماتيلدا، التي تقع في الطابق العلوي، حيث بدت وكأنها تجلس فوق البحر، وكأنه أراد أن يستمع إلى موسيقاه المختلطة بالحب وأمواج البحر، حين يداعب النوم عيونه.

أختم بأبيت شعر من ديوان االشاعر المغربـي إدريس الملياني:

أينما وطئت قدماك أمامك بحر من الدُّريات

وخلفك بحر من الحوريّات الحسان يغنين يرقصن بوليرو..

ومامبو.. وتشاتشا ورومبا..

وسلسا..

وصون ويعشقن صفو الحياة الجميلة،

كأساً وحباً وأنساً ويعشقهن صحبٌ

يدخّن روميو وجولييت سيجارهن الأثير

رحيق اللسان الحفيّ الحنون وللبحر

وهمنغواي والجواهري قصة أخرى، أرويها تحت عنوان “الشيخان والبحر“.

 

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين!

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط