كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ربيع فلسطيني ... خريف عربي؟

هواجس كثيرة وأسئلة متقاطعة تدور في كل مكان عن "الهبّة" الوطنية الفلسطينية المتجددة والظروف المحيطة بها وإمكانات نجاحها في كسر الجمود الحاصل وتحريك جهود السلام ولفت انتباه العالم إلى أخطار ترك الحبل على غاربه لإسرائيل لتعربد وتهوِّد كما تشاء، وتضم وتقضم الأراضي الفلسطينية، وتقتل وتذبح وتكسر عظام الشباب المناضل وتأسر المئات من أبناء الشعب الأبي الذي أثبت أنه لم ولن ينكسر للصهاينة، ولن يحني رأسه في وجه آلة الظلم والإجرام الإسرائيلية.
هل هذه "الهبَّة" هي بداية انتفاضة ثالثة تكمل ما بدأت به الانتفاضاتان السابقتان، وما حققتاه لاستعادة الهوية الوطنية الفلسطينية؟ وهل جرى الإعداد لإنجاحها والصمود والتخطيط لاستمراريتها مهما بلغت حدة القمع الإسرائيلي؟ وهل العالم مهيّأ للقيام بجهود جدية لإحلال السلام؟ وهل أدركت الدول الكبرى، وبخاصة الولايات المتحدة، أن عدم إيجاد حل نهائي لأزمة الشرق الأوسط سيؤدي إلى اضطرابات كبرى وانتشار التطرّف الذي سيطاول مصالحها وأمنها القومي؟ وماذا عن الواقع الفلسطيني المتشرذم وغياب القيادة القادرة على حماية الانتفاضة وتوحيد الصفوف وإنهاء مأساة التقسيم المخزي بين الضفة وغزة والخلاف المدمر بين "فتح" و "حماس"؟
كل هذه الأسئلة تندرج في إطار التوقيت في ظل الأوضاع العربية المتهالكة والفتن القائمة والحروب الممتدة من سورية إلى العراق واليمن، مروراً بمصر المنهمكة بحربها على الإرهاب، ما يعني أن المفاصل الرئيسة للأمة إما متفككة أو مهددة أو منشغلة بحصاد النكبات؟
أسئلة محيرة لا يملك أحد الإجابة عنها وفتح نافذة تفاؤل أو التلويح ببارقة أمل، إلا سواعد شباب فلسطين وشاباتها وأطفالها الذين أثبتوا للعالم كله، وللصهاينة خصوصاً، أنهم شعب لا يُقهر ولا ينسى ولا يسامح بعد 67 سنة على النكبة الكبرى.
ولم أجد أمامي في المناسبة مثالاً للأخوة الفلسطينيين أفضل من تجربة المجاهدين الجزائريين في نضالهم المشرّف لطرد المستعمر الفرنسي وإنجاز الاستقلال التام. فقد سُئل الرئيس الجزائري الأول الراحل أحمد بن بيلا عن سر انتصار "جبهة التحرير الوطنية" بعد عشرات السنين من النضال، فحدد مبادئ رئيسة تصلح أن تكون نبراساً للفلسطينيين ولكل مناضل ضد الاحتلال والظلم والقمع. هذه المبادئ هي:
- التزام الجبهة بوحدة الصف والمصير ونبذ الخلافات والتمايز العرقي والاجتماعي من أجل تحقيق الهدف الأساس، وهو التحرير الكامل مهما طرأ من حوادث، والصمود في وجه الترهيب والترغيب ومحاولات الإيقاع بين أطراف الجبهة التي تنتمي إلى مشارب واتجاهات وخلفيات متعددة.
- ضمان التزام الجماهير بالإقناع والتوجيه وإحياء الروح الوطنية لدعم الثورة والتضحية في سبيلها، وأذكر على سبيل المثال ما جرى عندما قرر الثوار منع التدخين لأن مردوده يذهب إلى جيوب المستعمر، إذ التزم الشعب بكامله باستثناء قلة عوقبت بجدع أنوفها لتكون عبرة. وحصل الأمر ذاته بالنسبة إلى منع شراء الخبز من الأفران التي كانت ملكيتها تعود إجمالاً إلى الفرنسيين، فالتزم الجزائريون وعمدت النساء إلى تحويل منازلهن إلى أفران تلبي الحاجة إلى الخبز والمعجنات وتوجه ضربة ثانية إلى اقتصاد الاستعمار.
- إحياء المشاعر الدينية والدعوة إلى الجهاد رداً على مخططات الفرنسيين بلا تطرف ولا غلو، كما نشهد حالياً في ديارنا.
- الاعتماد على الإعلام وإشراك المثقفين والأدباء في الدفاع عن عدالة مطالب الثورة في شكل موضوعي مع العمل على كسب الإعلام العربي والمصري بالذات الذي كان رائداً.
- مخاطبة الرأي العام الفرنسي، ومن ثم الغربي، بأسلوب حضاري وباللغة التي يفهمها وكسب تعاطف كبار المثقفين الفرنسيين، وخصوصاً اليساريين والتقدميين.
هذه المبادئ نتمنى أن يلتزم بها الفلسطينيون في مواجهة إسرائيل لكسب التأييد لقضيتهم وحقوقهم المشروعة لأن ما شهدناه خلال السنوات الماضية في فلسطين والدول العربية كان مغايراً لها: فرقة وتشرذم، خلافات وأزمات، اضطرابات وحروب، فتن طائفية ومذهبية، اتجاهات تقسيمية، مصالح شخصية، فساد وهدر، تخريب المؤسسات بدل إصلاحها، تخاذل واستكانة، وعدم خجل بعضهم من التعامل مع العدو وشراء منتجاته وبينها المصدرة من المستعمرات الاستيطانية التي حظرت دخولها معظم الدول.
كل هذا يحصل فيما العدو يوحد صفوفه ويضرب ويعربد بلا رادع ويهدد المسجد الأقصى المبارك تمهيداً لهدمه وإقامة الهيكل المزعوم على أنقاضه، والعرب والمسلمون يغضون الطرف وكان الأمر لا يعنيهم رغم معرفتهم التامة بقدسيته، وهو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وموقع الإسراء والمعراج.
وقد يقول قائل إن الأمر يختلف بين فرنسا وإسرائيل ويجيب كل من تابع تاريخ الثورة الجزائرية أن العكس صحيح، إذ يكفي القول ان فرنسا كانت تعتبر الجزائر جزءاً لا يتجزأ من أراضيها وأقدمت على ما لا يوصف من قمع وإجراءات لفرنستها وعملت على تغيير التوازن السكاني بتوطين مئات الألوف من الفرنسيين والسيطرة على كل المرافق الحيوية ومصادرة الأراضي الزراعية. أما عمليات القتل والاعتقال والترغيب والترهيب والإبادة الجماعية، فلا تعد ولا تحصى حتى أصبحت الجزائر تعرف ببلد المليون شهيد.
هذه المقدمة رأيت فيها أهمية خاصة لمناسبة "هبّة" إخواننا في فلسطين المحتلة دفاعاً عن مقدساتهم، وفي مقدمها المسجد الأقصى المبارك، والتصدي للصهاينة ومنع تنفيذ مؤامرتهم لهدمه عبر الخطوة التقسيمية التي تحاول فرض جداول زمنية للصلاة فيه بين المسلمين والمستعمرين، فيما العرب وبليون ونصف البليون مسلم غير آبهين أو غير مدركين لحجم الخطر الذي لا نجد له تعبيراً عن الأسف إلا باستعارة بيتين من قصيدة للشاعر العربي الكبير الراحل عمر أبو ريشة قال فيهما:
رب وا معتصماه انطلقت... من أفواه البنات اليتم
لامست أسماعهم لكنها... لم تلامس نخوة المعتصم
والأمل بأن يفيق العرب لنصرة المرابطين في الأقصى والمناضلين في القدس الشريف وفلسطين المحتلة رغم أن ربيعهم جاء في وقت عصيب يعيشه الخريف العربي. فمن العيب أن نتركهم يذوقون شتى أنواع العذاب ونحن نتفرج عليهم، وأحياناً نذرف الدموع ثم ننام ملء أجفاننا.
فما يجري الآن هو بدايات انتفاضة ثالثة أو بروفة لربيع عربي نأمل بأن يفتح باب الفرج واسترجاع الحقوق، لأن الانتفاضتين السابقيتين حققتا للفلسطينيين ما لم تحققه كل الحروب والمواجهات والمبادرات، والمهم ألا يستفرد العدو بهم ويتمكن من قمعها وألا يقدم أحد، أو جهة فلسطينية، على عمل متهور يشوّه صورة الانتفاضة، بل من غير المستبعد أن يقدم العدو نفسه على عمل إجرامي لإلحاق الأذى بالفلسطينيين بتحميلهم مسؤوليته وتحويل المناضلين الشرفاء إلى إرهابيين.
فالمواجهة مع العدو لا تتم إلا بالعقل والحكمة. وهذا ما رمى إليه مهندس الانتفاضتين الشهيد خليل الوزير (أبو جهاد)، بالمشاركة مع قيادات "فتح"، وعلى رأسهم الشهيدان ياسر عرفات وصلاح خلف (أبو أياد) والمرحوم خالد الحسن... وغيرهم من المجاهدين. فقد أرادوها انتفاضة سلمية لا تملك إلا الإرادة وأطفال الحجارة، ما أدى إلى حدوث تغيير جوهري في العالم نحو الاعتراف بحقوق الفلسطينيين وهويتهم الوطنية. ولولا هذه الإنجازات لما وصلوا إلى المحافل الدولية، وكان آخرها رفع العلم الفلسطيني أمام مبنى الأمم المتحدة. إلا أن هذه الأهداف تبقى حلماً حوّله بعضهم إلى كوابيس بسبب الانقسامات الفلسطينية وتشرذم الفصائل وصراعات داخل البيت الواحد، من "فتح" إلى الجبهات الشعبية. وجاءت الضربة القاصمة في الخلاف بين "فتح" و "حماس" وصولاً إلى فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، فيما العدو يشن الحروب ويبني المستعمرات ويهوِّد من دون أن يفرق في إجرامه بين فلسطيني هنا وفلسطيني هناك.
ولا بد من التحذير من أن استمرار هذا الصراع المؤسف وعدم التوصل إلى مصالحة حقيقية ونهائية والمضي في تغليب الأنانيات والأحقاد سيؤدي إلى إجهاض أي تحرك ضد العدو بسبب عدم الاقتداء بالثورة الجزائرية، وأي ثورة عادلة تؤكد أنه ما ضاع حق وراءه مطالب، وأنه يجب عدم الركون إلى مبادرات خارجية أو الشكوى من المؤامرات.
على رغم كل ما حصل للعرب خلال العقدين الماضيين، من تشرذم وفرقة وفتن، فإن هناك من يلقي اللوم على الآخرين ويكرر الحديث عن مؤامرة كونية أو عن أصابع أجنبية. نعم، هناك مطامع أجنبية، وهناك مصالح تسعى الدول إلى تأمينها على حسابنا، لكن المسؤولية تقع على عاتق العرب من القمة إلى القاعدة، بسبب التقاعس والتخاذل والخضوع لإرادة الدول الكبرى والبعد عن الإيمان الذي يستند إلى ما حمَّلنا الله عز وجل مسؤوليته، وهو قوله تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة" و "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرَّقوا" و "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم".
بدل الاعتصام بحبل الله، دأب العرب - ومعهم الإخوة الفلسطينيون - على الإمعان في الغي والسير نحو حافة الهاوية والمساهمة في تعميق الهوة بين أبناء الأمة الواحدة والتحول إلى أدوات لتنفيذ المؤامرات، عن غباء أو عن قصد وتعصب وأحقاد، وتلك مصيبة، أو عن تآمر ومعرفة بالعواقب، وعندها تكون المصيبة أعظم. ولا نملك إزاء هذا الواقع إلا أن نتوجه إلى الله تعالى بدعاء: "ربنا لا تؤاخذنا بما فعله السفهاء منا... وبنا".
عن الحياة اللندنية

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط