كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

رحمة الله على سايكس بيكو

لم يعد خافياً أن المنطقة العربية كلها مقبلة على تقسيماتٍ جديدة وحدودٍ أخرى، بدأ الحديث عنها يأخذ منحىً جدياً، وارتفعت بها الأصوات عالياً، محلياً وخارجياً، وعربياً ودولياً، ولم يعد يكتفي المنادون بهذه الأفكار بعرضها في الكواليس المغلقة واللجان الضيقة، بسريةٍ وهمسٍ، وخوفٍ وقلقٍ، بل باتت تطرح في وسائل الإعلام، ويتناقلها العامة والخاصة، ويتحضر لها أهل المناطق وسكان الأقاليم، وينادي بها المواطنون ويعملون من أجلها، رغم أنهم يعلمون أنها ليست في صالحهم، وأنها تخدم العدو وتضر بمستقبلهم، فهي حلم المستعمر القديم، وأمانيه الباقية، ولعل بعض الصادقين من أمتنا يرضون بهذا الحل، ويسلمون بهذا الواقع، ذلك أنه أفضل من أتون القتال وطاحونة الحرب التي لا تتوقف عن الدوران، ولا تشبع من الدم، ولا تنتهي من التمزيق.

علماً أن أفكارَ ومساعي التقسيم قديمة وليست جديدة، فهي من بقايا أحلام وأماني الاستعمار، الذي قسم المنطقة قديماً إلى دولٍ ودويلاتٍ، ولكنه كان يحلم بالمزيد من التقسيم والتفتيت، ولو قدر له حينها أن يقسم المنطقة إلى مربعاتٍ صغيرة، ليجعلها فسيفساء لكن غير جميلة، ومناطق مرقطة ولكن غير منظمة، ما كان ليقصر، وهو قد استدرك بعض ما فات سايكس وبيكو عندما نجح قبل سنواتٍ قليلة بسلخ مناطق واسعة من السودان، وأسس في جنوبه دولةً جنوبية، تفصل السودان عن أفريقيا، والعرب عن سكان القارة السمراء، وها هو اليوم يستخرج من الأدراج دفاتره القديمة، ومخططاته الأولى، التي لم يتلفها ولم يتخلَ عنها، لقناعاته الأكيدة أنه سيعود إليها، وسيحتاج إليها من جديد، ولكنه اليوم يعتقد أن الظروف باتت أكثر موائمة، فسكان المنطقة هم الذين يريدون ويرغبون، ويعملون ويقاتلون من أجل المزيد من التقسيم.

قديماً قبل قرابة مائة عامٍ من الزمان، وقبل أن يُكتشف النفطُ ويُعرف الغازُ، عكف سايكس وبيكو ممثلا الدولتين الأقوى في ذلك الوقت، وقاما بتقسيم الوطن العربي إلى دولٍ وممالك وإمارات، فلم يجدا صعوبةً في التقسيم، ولم تعترضهما عقباتٌ في التوزيع، فقد كانت المهمة سهلة، وكأنهما قد حملا مسطرةً وقلماً وقسما الوطن العربي بهما بسهولةٍ تامة، فالحدود طويلة ومستقيمة، لا اعوجاج فيها ولا انحناءات، وقد أخذت أشكالاً هندسية منتظمة، فأتما المهمة على عجل، وأنجزا عملهما بسرعة، ولم تستغرق معهما المهمة شهوراً، حتى فرضا رؤيتهما، ونفذا تصوراتهما، فغدا الوطن الذي كان واحداً أكثر من عشرين دولة، وإن كانا قد زرعا في كل منها عبواتٍ ناسفة، وقنابل موقوتة، فأدخلا أقاليماً في بعضها، وضما أراضٍ وقبائل، وجماعاتٍ وعائلاتٍ، في تكديسٍ غير منظمٍ، وجمعٍ غير منسق، وشملٍ غير منسجمٍ، مما مهمد لنزعاتٍ كثيرة، واختلافاتٍ كبيرة.

اليوم لن يكون التقسيم كما كان قديماً، ولن يستخدم الغرب والولايات المتحدة الأمريكية مستعينين بالكثير من العرب من سكان المنطقة، المسطرة في تقسيم الأراضي، والقلم في رسم الحدود وجعلها خطوطاً مستقيمة، لا عوج فيها ولا انحناء، ولا تراعي الأقليات والأعراق، واللهجات والعادات، واللغات والحضارات، ولن تكون هناك ثمة دول تتمتع بمساحاتٍ كبيرة من الأرض، وتستأثر وحدها بثرواتٍ كبيرة من النفط أو الغاز، أو غير ذلك من المساحات أو الثروات التي مكنت بعض الدول قديماً من أن تكون قوية وقادرة، وطموحة ومتطلعة، لأن تكون دولاً محورية لها دور وتأثير، وصاحبة قوةٍ ونفوذ.

اليوم سيكون التقسيم مختلفاً، إذ سيكون عرقياً وطائفياً، ومذهبياً ودينياً، وقبلياً وعشائرياً، وسيشمل كل الدول العربية، وسيطال الدول الصغيرة والكبيرة، والتاريخية ذات الحضارة العريقة، والجديدة المنبتة عن ماضيها والمعزولة عن تاريخها، ولن تستثن دولٌ لمكانتها، ولا ممالك لخصوصيتها، ولا إماراتٍ ومشايخ لصغر مساحتها، بل الكل معرضٌ للتقسيم ومهيأٌ له، وحتى السودان الذي قسم بالأمس إلى جنوبٍ وشمال، فإنه يراد له أن يقسم من جديدٍ إلى شمالٍ وغربٍ وشرقٍ ووسطٍ، لينتهي السودان، ويزول اسمه ورسمه من الخارطة السياسية، بعد أن كان الدولة العربية الأكبر مساحةً، والأكثر غني وثراءً بالمياه التي كانت ستجعل منه سلة العرب الغذائية.

قديماً عندما كانت فرنسا تحتل سوريا وسلخت عنها لبنان، أرادت أن تقسم سوريا إلى أربع دولٍ أخرى، ورسمت لذلك خرائط وأعدت لحلمها كامل الخطط، وتسربت الخرائط وأعلن عنها مسؤولون كثيرون، وها هي اليوم تستعيد حلمها، وتبعث فيه الحياة من جديد، وقد أرست قواعد صلبة لمشروعها، الذي بات ربما مطلباً للبعض، وشرطاً لوقف نزيف الدم، وجسراً للعبور إلى المستقبل، وضمانةً للأجيال للتخلص من حمام الدم الذي ينتظرها ويتربص بها، وينهي أي أملٍ لها في البقاء إن لم تقبل بالتقسيم، وترضى بالفصل.

أما العراق فخرائطه جاهزة، وأقاليمه مستعدة، وقيادته السياسية متهيأة وحاضرة، وهي فعلاً تقف على أراضٍ مقسمة، وتمارس صلاحياتٍ مستقلة، ولدى بعضها حكومةٌ وبرلمان ورئيس، وفيه رغم الدولة المركزية الإسمية، دولةٌ كردية، وأخرى شيعية، وثالثة ستكون سنية، وقد تكون رابعة لأقلياتٍ دينية وعرقية، ولا يوجد في العراق صوتٌ قادرٌ على أن يرتفع فوق التقسيم، أو أن يقف في وجه هذا الخطر الداهم، بل إن كل الممارسات على الأرض تؤكد أن العراق ذاهبٌ بكليته نحو تقسيمٍ عنيفٍ، وفصلٍ متعسفٍ ظلومٍ، لن يبقي على العراق القديم، ولن يحافظ على وحدته الموروثة، وسيشطب اسمه العظيم من التاريخ، وستحل مكانه دولٌ مسخٌ، وكياناتٌ ضعيفة، وأقاليمٌ مذهبيةٌ وطائفيةٌ مقيتةٌ.

أما اليمن فقد اتفق أهله وقد فاتتهم الحكمة قبل البلاء الذي أصابه، والحرب التي اشتعلت في أرضه، ومزقت شعبه وشردت سكانه، على أن يقسموا بلادهم إلى كياناتٍ وأقاليمٍ، تربطها ببعضها روابط ضعيفة، ووشائج واهية، تبقي على السلطة المركزية وهمياً، وتحافظ على اسم الدولة الواحدة صورياً، ولكن الأحداث الأخيرة التي تعصف به، ستعجل في التقسيم، وستجعل منه عند بعض الواهمين العلاج الأمثل، والدواء الشافي للتخلص من نير الحرب وأتون القتال.

السعودية ولبنان، ومصر ليبيا وكذا الجزائر ومن قبل فلسطين واليوم غزة، كلها ضمن الحلم وداخل خارطة التقسيم، فلا يظنن أحدٌ أن هناك دولةً ستنجو، وأخرى ستفلت من مقص الاستعمار الغربي والجهلة العرب، الذين يعملون تمزيقاً وتفتيتاً بالقدر الذي يريدون، وبالصورة التي يرغبون، ولا أعتقد أن أحداً اليوم بات قادراً على الوقوف أمام زحف التقسيم، وغول التفتيت، ذلك أن خوفنا من الجروب والدمار، وفزعنا من الواقع المرير الصعب، أشد هولاً وأكثر رعباً من أي مستقبلٍ مجهولٍ قد نتوقعه أو نظنه في ظل التقسيم، ولعل هذا بعض ما زرعنا، ونتيجة ما أخطأنا وأسأنا، وخاتمة الظلم الذي أسسنا.

×
أخبار
مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط